قبل أن نتحدث عن هذا الكتاب نذكر كلمة موجزة عن السيدة " بيرل بك " فنقول : هي روائية أمريكية ولدت عام ١٨٩٢ وألفت قصصا كثيرة منها " قصة الأرض الطيبة " وقصة " الأبناء " وقصة " الأم " .
وقد منحت جائزة نوبل للأداب عام ١٩٣٨ . وقصة "الأم " ( وقد كنت نقلت منها فصلين نشرتهما " الثقافة " منذ أربع سنوات ) هي قصة كل أم ، في كل عصر من العصور ، وفي كل به من البلاد ، وإن كانت الكاتبة قد خصت بها الأم في الصين .
وفي الكتاب الذي نحن بصدده اليوم تتحدث الكاتية عن كتيب صغير للسيدة "يبرل بك" سمته : " الطفل الذي لا ينمو جسمه أبدا " فتقول : إن من يظن أن هذا الكتاب لم يسد إلا حاجة آباء الأطفال الناقصى الخلقة ومعلميهم يكون مخطئا . فالناس كلهم في حاجة إليه . سواء من كان منهم يحس الإشفاق - ولا شئ غير الإشفاق -
على أولئك الأطبال البائسين . ومن كان منهم لا يستطيع الجهر بالقول لمن كان له طفل لا ينمو نموا طبيعا ، ومن كان منهم يومي إيماءه خفيفة . ويشير من طرف خفي إلي القضاء بالموت - في غير ألم - على أولئك الذين لا يرجي شفاؤهم . ومن كان منهم لا يبالي بما عليه المعاهد التي تعني بمثل أولئك الأطفال من عدم الكفاية والنقص .
كل أولئك هم في حاجة إلى هذا الكتاب ، بل هم قد كانوا في حاجة إليه منذ سنين .
ولم يكن يستطيع تأليف مثل هذا الكتاب الذي حسب تحفة أدبية غير السيدة" بيرل بك" في صبرها وقوة احتمالها ، فهو كتاب يمس موضوعه شغاف القلب .
وهي فيه تواجه مشكلة قول الصدق في صراحة عجيبة ، وذلك بتدويتها المراحل البطيئة التي جعلتها تستيقن أن النقص العقلي عند طفلتها غير قابل للشفاء . وهي تقول : إن إحجام الأصدقاء والأطباء عن مواجهتها بالحقائق ، على ما بها من ألم الصدمة ، كان له عندها أسوأ الأثر .
وهي تقول في فصل من فصوله : بينما كنت أراقب طفلتي وهي تلعب ، وقد أخذني حزن تنتفض منه الجوانح ، خطر ببالي أن هذه الطفلة قد تقضى حياتها في هذه الدنيا كما تقضي الملائكة حياتهم في ملكوت السماء ، وان متاعب
الحياة لن تعرف الطريق إليها . فهي لن تعرف أنها تختلف عن سائر الأطفال ، وهي سوف تستمتع بمباهج الحياة وببراءة الطفولة إلى أن تفارق هذا العالم . وإن قصاراي أن أضمن لها السلامة وأن أيسر لها الطعام والمأوى ، وأن اضفى عليها ثوبا من الحنان والعطف . .
والعبء في مثل هذه الحالات إنما ينوء به الآباء لا الأطفال . فبشاشات الحياة قد غاضت عندي كما غاض كل أمل في أن أفاخر بأمومتي لهذه البنت ، وبهذا انقطع حبل التواصل بيننا.
وتداعي المعاني في مثل هذه الحالة لابد يخطر بالبال أن الموت يبدو أرحم بالمريض ، ولكن ما ذنب هؤلاء الأطفال الأبرياء الذين تمسك أيدينا بأعنة حياتهم .
وكلمة " الموت في غير ألم " لفظ جميل ، ولكنه لفظ له معني بشع كريه .
و " بيرل بك يوم ايقنت بضرورة التسليم بالأمر الواقع لم يكن كفاحها قد بلغ غايته . فقد كانت هي في ذلك الحين تعيش في الصين ، ولكل الأعلى في حياة الأسرة الصينية هو أن يعيش الأجداد والآباء والأبناء والحفدة تحت سقف واحد ، وهم لهذا لا يرون غضاضة في أن يكون بينهم أفراد متأخرون عقليا وجسمانيا ، وأن يكون بينهم كذلك أيتام ومشوهون ، وهم يوقنون أنهم محاسبون عن العناية بأمثال هؤلاء ، وهم لذلك لا يخطر ببالهم نظام العلاج في الملاجئ والمعاهد ، بل هم يكرهون هذا النظام .
والغربيون بما استقر في أذهانهم من فهم لسعادة المجتمع والتنظيم الجماعي ، يملون إلى النظر إلى وحده الأسرة كأنها جزء من مجتمع اكبر .
وهم لذلك يرحبون بفكرة المسئولية المشتركة أو المسئولية الجماعية ، وهم يرون أن إبقاء فتي مريض وحيدا في البيت قد يسبب له صدمة يكون لها أسوأ الآثر على سلامته إذا غادر أهله ذلك البيت .
وهي تستطرد فتقول : لقد عقدت العزم على أن أحيط ابنتي بنحو من الهناءة والسعادة ، ورضيت بأن اقبلها على علاتها . لا أرجو منها شيئا . ورضيت بأن أيدي الامتنان إذا برق في ظلام عقلها بارق من أمل . كما عقدت العزم على أن أسكنها في أي مكان يمكن أن يكون فيه إسعادها ، وقد
كفلتها حتى بلغت التاسعة من عمرها . ثم طفقت أبحث لها عن مكان أمين تقضي فيه حياتها . وكان البحث مضنيا وعسيرا وقد اجادت " بيرل بك " الإجادة كلها في وصف هذا العسر ، إذ كان همها ووكدها أن تضمن لابنتها الهناءة والرفاهية . ومن قولها في هذا :
إن الأطفال الذين لا تنمو أجسامهم أبدا إنما هم كائنات آدمية ، وهم لذلك يتألمون كما تتألم المخلوقات الأدمية غير المشوهة . ولكنه ألم مكبوت لا يستطيعون أن يفحصوا عنه أو أن ينطقوا به جملا وألفاظا . أو أن تجري به أقلامهم سطورا وكلمات . ولكنه - على أية حال - ألم عميق ممض .
وأولئك الناس هم في كل حالاتهم أرقى من البهائم ، على الرغم من أنهم فقدوا عقولهم ، وعجزوا عن التعبير عما يؤلمهم أو يفض مضاجعهم . وهذه النظرية يجب أن لا تغيب عن الأذهان أبدا .
وهم مهما انحطت مداركهم فإن المادة المكونة لإنسانيتهم مازالت باقية . وهم على هذا يحسون في عداد أفراد الأسرة الإنسانية .
وبعد لأمى استطاعت " بيرل بك " أن تهييء لابنتها مستقرين هادئين وحرمين آمنين . وكان أحدهما لإقامتها الدائمة . وكان الآخر للزيارة القصيرة والإلمامة الخاطفة . وكانت في كليهما سعيدة ، ذلك لأن البيتين تصل بينهما دعامتان هما الأمن في ناحية ، وحب الأم في الناحية الأخرى ، والحب هو الأصل في تلك السعادة ، ذلك لأن الطفل الذي لايزار ولا يحب هو الطفل الذي فقد الطمأنينة كلها . ولكى تتم على هذه البنت نعمة السعادة كان لابد من أن تبذل التضحيات الغالية من جانب الأم . وكان يقابل هذه التضحيات عطاء غير ممنون من جانب البنت . وفي هذا تقول "بيرل بك" إنى أقرر شاكرة ممتنة أن ابنتي قد علمتني أشياء وأشياء . فمنها تعلمت احترام وتوفير كل حياة آدمية . ومنها تعلمت أن كل الناس في إنسانيتهم سواء في الحقوق ، وأن ليس أحد منهم أقل من غيره درجة في الأدمية ، وأن لكل منهم الحق في أن يكون آمنا في سربه .
وكذلك تعلمت منها أن هناك صفات من صفات الخير لا علاقة لها بالعقل . وأن مما يلفت النظر أن هذه الصفات تكثر عند من حرموا نعمة العقل . وهذه الصفات لازمة
اليوم لعالمنا الذي نعيش فيه أكثر من الصفات التي تمت إلى العقل بالصلات .
وكتاب "الطفل الذي لا ينمو جسمه أبدا" كتاب قصد به التحدي . فهو تحد للفرد ، وهو تحد للمجتمع ، وهو نداء للمجتمع يدعوه للبحث فى أسباب النقص العقلي . وشعاره : " إن ما قد كان ، ليس من اللازم أن يبقى إلى الأبد " .
و"بيرل بك" هي أم أمريكية . وهناك أم إنجليزية أحست كما أحست "بيرل بك" بأن من واجبها أن تواجه هذه المشكلة من أجل نفسها . ومن أجل الأمهات الأخريات . ذلك الام الإنجليزية هي "مارجورى شيف" ، التى كتبت كتابا مماثلا سمته : قصة "طفل متأخر" . وصفت فيه " وصفا " واضحا موجزا تجاربها في " تربية طفل به نقص خلقي بين أحضان أسرة عادية" ، وهي تحارب إن هي أسعدت أسرة الطفل مرة فقد أسعدت الطفل سبعين مرة .
وهذا الكتاب أو هذه الرسالة التى تفيض جنباتها بالحس المشترك وبالمعلومات النافعة ، يوحي بأن من الخير للناس كلهم أن يحاطوا خيراً بهذه المشكلات ، مشكلات الأطفال الناقصين . وتقول السيدة " بيرل بك" في ختام كتابها :
على الرغم من أن هناك قلة من الناس دأبها التدخل فيما لا يعنيها بقصد التجسس والتعبير . وعلى الرغم من أن هناك بعض الناس الذين لا هم لهم إلا الفرح لحزن الآخرين . فإن هناك آلافا من أهل الحنان والخير . وهذا ما يملؤني ثقة بأن القلب الانساني لا يزال يفيض بالخير . وأن هذا الخير يجد له مكانا في قلوب أفرار من كل طبقة من طبقات الناس . وأن هذا الخير منتشر في هذه الدنيا علي الرغم من ألوان الخبث وضروب الفساد .
وطبيعة الخير هذه هي وحدها التى تبعث في دنيا الناس أملاً يحبب إلى الناس الحياة ...
كتاب من تأليف طبيب من أهل تلك المدينة اسمه ناكاشى ناجاي
" مدينة ناجازاكي "هي من مدن البحر اليابانية التي
يعرف العالم الغربي اسمها منذ زمان طويل أكثر من أية مدينة سواها من مدن اليابان ؛ فهي منذ أكثر من أربعة قرون أكبر مركز للديانة المسيحية في اليابان . وقد ظلت منذ ذلك الحين حرماً آمنا لمعتنقى المذهب الروماني الكاثوليكي ، على الرغم مما نال المسيحيين فيها من نكال وتعذيب بلغا غايتهما عام ١٦٣٧-١٦٣٨ حيث قتل من المسيحيين ألوف مؤلفة .
وهي كذلك معروفة بأنها مركز من مراكز التجارة الهولندية . وإن كثيرا من الذين سافروا إليها في العصور الحديثة لابد ذاكرون تلك الطريقة البدائية التى كانت تمون بها السفن من الفحم على أيدي الشيالين وهم يروحون ويجيئون بالقذف والجوانيق .
وهي وإن كانت قد غشيتها غاشية من ظلل النسيان على أثر صعود نجم المدينتين "كوبى " و" يوكوهاما" فإن اسمها بما له من أنغام مقفاة في آذان الغربيين قد ظل له رنينه ، وبقيت له حلاوته .
واسم " نجازا كي" المحبب إلي كل أذن قد كسب شهرة جديدة منذ ألقيت عليها القنبلة الذرية الثانية ، ولكنها شهرة لم تبلغ الشهرة التي بلغتها "هيروشيما" هي لم تكن معروفة لجمهرة الناس من الغربيين قبل اليوم السادس من أغسطس عام ١٩٤٥ . وقصة "ناجازاكي" وهي القصة التي يمكن أن تسمى " قصة عذاب يوم الحساب " . تروي اليوم لأول مرة .
ومؤلف هذا الكتاب.كتاب " نحن أهل مدينة نجازا كي" مات وهو في الثالثة والأربعين من عمره متأثرا مما كان قد أصابه يومذاك من أثر الإشعاع الذري .
وقد كان هو في عام ١٩٢٨ طالبا من طلبة الطب ، ثم خدم في الفرقة الطبية قبل أن ينتقل للعمل بكلية " ناجازاكي" الطبية عام ١٩٤٠ .
وقد ألف كتابه هذا باليابانية لكي يترجم إلى الإنجليزية وينشر بين الناطقين بها ، وهو إلى اليوم لم ينشر باللغة اليابانية .
والمؤلف يقص في كتابه قصة ثمانية من أقاربه وأصحابه ممن شاهدوا أهوال الفاجعة ، وكلهم مسيحيون ، وقد قيد كلماتهم كما نطقوا بها .
أما زوجة " الدكتور نجاى " فقد قتلت لساعتها ، ولكن اثنين من القصاص ها ابناها "كابانو نجاي " و"ما كونو نجاي" وكان عمر البنت يوم الكارثة أربع سنوات . وكان عمر الولد عشراً .
وقصص الرعب والفزع التي يرويها الرواة هي مما تجعل الولدان شيبا . وهي مما تذهل كل مرضعة عما أرضت . فعظام الهالكين من الأهل والولد قد حالت من فورها رمادا ، والأجنة قد هلكت في بطون أمهاتهم .
وفيما يلى ثلاث فقرات مأخوذة مما أدلى به أولئك الناجون من هول الكارثة التي وقعت في اليوم التاسع من أغسطس عام ١٩٤٥ :
١ - وعلى حين غفلة بدت في الأفق شعلة كبري كأنها البرق الخاطف ، ثم إذا بشىء أحمر ممتد الرقعة قد بدا وكأن شجرة قد اجتثت من أصلها فطارت في السماء ، وكأن تلك الشجرة قد صنعت من نار ولهب ، وكأن أعالي تلك الشجرة قد أخذت فتحاتها تتسع ثم تتسع حتى لكأن الشجرة كائن من الكائنات الحية (من كلام ابنة الدكتور البالغ عمرها أربع سنوات )
٢ - وقد بدأت ألاقي كثيرا من الناس الذين أصابتهم الجروح ، وكانوا كلهم عراة إلا من أحزمة من جلد عنطفوا بها ، وكانوا يقومون ويتعثرون ، ثم يقومون ويتعثرون . كأن بهم مساً . وكانوا يبكون بكاء المجانين غير مبالين بما هم فيه من عري فاضح ، أما وجوههم ورقابهم وأيديهم فقد امتلأت بثورا .
وقد رأيت جلود بعضهم وقد قشرت تقشيرا ، وقد تدلت ، وقد غشاها غلاف من التراب (من كلام السيدة نجاي ابنة عم الدكتور نجاي وعمرها ٣٧ سنة) .
٣ - وقد عثرنا بإمرأة شابة ملقاة في الطريق هي وطفلاها ، وكأن وجهها استحال بثرة واحدة قد ورمت وانتفخت . .
أما جلدها فقد بدأ يتهرأ ، وقد فقدت شعر رأسها . وكان النار قد شيطته . وقد فقدت بصرها ، ولكن بقيت لها حاسة السمع ، فلما أحست بنا قالت لنا في صوت خافت: رجائى إليكم أن تأخذوا الأطفال معكم ! ولكن الأطفال كانوا في حالة أسوا من حالة أمهم ، وقد رأيتهم
خاشعة أبصارهم ، يعانون سكرات الموت ، وكان الأمر أمر من الذي سيدركه الموت أولا : الأطفال أم الأم ؟ (من كلام سيدة أخري من قريبات الدكتور "نجاي ").
أما الفصل الأخير من الكتاب فقد كتبه الدكتور "نجاي" وفيه يقول : لست أدري ماذا يكون جزائى عند أولادي ، وقد ظللت أعمل في فرقة الإسعاف يومين كاملين بدلا من ذهابي إلى البيت حيث كانت أمهم ترقد رقدة الموت . .
وهو يقول في آخر صفحة من كتابه : إن الذي يحز في النفس هو ذلك " الخراب الروحى" الذي لن يحس به أو يراء أولئك الزائرون لخرائب "ناجازاكي" وذلك " الخراب الروحي" ، هو الذي تعجز عنه حقا يد الإصلاح .
هذا وإن القارئ لهذا الكتاب الذي وصف ما حل يصف المؤلف من مصائب وكوارث ، لن يجد فيه كلمة لوم توجه إلى الذين ألقوا القنبلة الذرية ، فهل هذا أثر من آثار ما جبل عليه اليابانيون من التزام الكتمان والكبت!
ويقابل الصمت في هذه الناحية صمتهم عن الاعتراف بالجميل لشروط الصلح السخية . . فهل كان حقا عليهم أن يشكروا ؟ وهل كان حقا عليهم أن ينسوا الخسارة التي لحقت بهم بفقدانهم لفرموزا وكوريا ، وجزائر كوريلز ، ( وهي مجموعة جزائر صغيرة تبلغ عدتها ٤٧ جزيرة ) ؟ . .

