١ - الناس والسعادة
كتاب من تأليف الكاتب النرويجى " جا أورج بروشمان " "Humanily and Happiness" by "Qeorg. Brochmann"
كتب كاتب من الكتاب مقدمة لهذا الكتاب نظر فيها إليه نظرات ملؤها التقدير والإعجاب . ووصف فيها الفلسفة التى يتقدم بها مؤلفه بأنها أحسن ما جاءت بها تجارب هذا الجيل . وقال إن المؤلف قد كشف عن حقائق هى غاية فى الأصالة . وهى حقائق موضوعها : الوجود الإنسانى .
وقد جاء المؤلف فى كتابه بدراسات سيكولوجية حلل فيها الغرائز وضروب النشاط عند الأطفال والمراهقين ، وعند الشباب والكهول .
وهو فى كل مرحلة من تلك المراحل قد وجد شيئاً يقوله من تلك الأشياء التى تبعث فى نفس صاحبها الثقة والأمل .
ولكنه - وقد اتخذ الأمانة فى القول رائداً له وإماماً - قد بين لقاريء كتابه أن تفاؤل الإنسان فى كل مرحلة من مراحل حياته يشوبه دائماً - من حيث لا يدرى - شئ من التشاؤم .
وقد عقد المؤلف فصلا من فصول كتابه على " الأحلام والألعاب والسعادة عند الأطفال " كما عقد فصلا على " الحب والمراهقة " . فلما أراد أن يكتب عن الشباب . كان قد بلغ لب المشكلة التى ألف كتابه من أجل دراستها وبحثها . فقد تخيل " يوتوبيا " أو " مدينة فاضلة " يجد المرء فيها كل ما يريد ويشتهى ، وفيها يستطيع كل شاب
أن يكسب من المال ما يعينه على الزواج وهو فى سن الشباب
وفى تلك المدينة الفاضلة يستطيع أن يجد الناس عملا كل على قدر ذكائه ومواهبه . وفيها يستطيع كل واحد أن يجد متنفساً لكل ضرب من ضروب نشاطه . وذلك بأن يخدم أمته والحضارة العالمية خدمة تتميز بالجرأة والإقدام .
ولكن بعد ذلك كله تبقى " السعادة " . . وهى - مع الأسف - شئ قائم بذاته . . . فهى لا يمكن أن تمنح أو توهب . ولكنها شئ يكتسب اكتساباً ، والطريق إلى بلوغها هو الجهاد فى سبيل مثل أعلى .
وإن من فرط الرخاوة أن يتجاهل المرء تلك الحقيقة التى تنبئنا أن الحرب . . نعم الحرب . . هى أليق عمل بالشباب ، وأنها هى التى تجعلهم سعداء ... وهذه الحقيقة هى التى عرفها " موسولينى " حق المعرفة ، فاهتدى بهديها ومشي على ضوئها .. .
والمؤلف يقول : إن التحليل النفسى قد زادنا معرفة بأنفسنا ، وبفضله عرفنا أننا نتميز بشيئين هما : أننا لسنا آلات تتحرك حركات آلية ، وأننا جميعاً نعانى - إلى حد ما - حالات من الكبت والهياج العصبى .
والرجل البدائى - والمؤلف يسميه " السيد الهمجى " - كان يشكو الهياج العصبى ، مثله فى ذلك مثل حفدته الذين يعيشون اليوم . فإن ولائمه الدينية ، وقرابينه . ولهوه . وتهتكه ، إنما هى ألوان من التعبير عن إحساسه بأنه قد أجرم فى حق الطبيعة . وذلك بزرعه للأرض ، وتأنيسه للحيوان .
ثم يعود المؤلف فيعرف السعادة بأنها تقوم أو تتوقف على ترقية الغرائز ترقياً بلازمه الانسجام ، ثم السير بها نحو مثل أعلى . وهى وصفة قد تكون ناجعة جداً ، وهى لا تخرج
عن تلك الوصفة التى قال بها " أرسطو " منذ زمان بعيد . ولكن تبقى مسائل طاقات النشاط فما دامت ليست هناك عوالم جديدة يتخذها الناس ميادين للحروب والغزوات . وما دامت ليست هناك - على حد تعبير المؤلف - حوائط يستطيع المرء أن يدق فيها المسامير ، وما دامت ليست هناك أهداف يحيى المرء حياته وهو يسعى لبلوغها ، وما دامت ليست هناك مثل يحارب المرء من أجلها ويقاتل ، ما دام الأمر كما أسلفنا ، فإن السعادة التى يلقاها المرء تكون سعادة ليست من الطراز الأول .
وهذا الكتاب كتبه مؤلفه فى خفية ، يوم كانت بلاده " النرويج " تحتلها ألمانيا . وقد انتهى منه بأنها آخر يوم من عام ١٩٤٢ . ثم لحق بالنسخة المخطوطة بعض التلف . كما لقى المؤلف نفسه بعض العسر والضيق ، وعرف الطريق إلى معسكرات الاعتقال .
وقد وصف المؤلف فى كتابه أثر الاحتلال الألمانى فى نفوس قومه ، وعده نوعاً من الإحياء الروحى ، إذا تفشت فضله الآداب ، وبدا الكتاب الكبار عظماء حقاً ، ودبت فى المدارس روح الحياة .
وتحدث المؤلف فى خاتمة كتابه عن " البطولة " فوصفها بأنها نعمة من نعم الله .كما تحدث عن نعمة الاستشهاد . ثم عاد إلى التحدث عن السعادة فقال : إنها تقوم على كفاح المرء بكل ما أوتى من قوة لينجو بنفسه وبممن يحب ، ثم هى الشعور بالغبطة عند زوال الخطر وعندئذ يسترخى الجسد ، ثم يستلق المرء فى كرسيه ، وهو ممسك بقهوته وسيجارته . .
٢ - نشأة مرض الخوف من روسيا عند الانجليز
كتاب من تأليف جون هوس جلبزن The Qenesis of Rassophobia in Qreal Beirain by Jbon Howes Qleason.
يبدو أن هذا العنوان قد قصد به أن يوجه إلى الجمهور
ذي العقلية المحدودة المدى ، وهو عنوان لا بد مؤد إلى تضليل المعنيين بالتاريخ . وهم المراد توجيه الكلام إليهم ، ولذلك يحسن أن نقول منذ البداية إن هذا الكتاب قد استغرق تأليفه خمسة عشر عاماً ، وإنه دراسة متصلة ، مدهمة بالوثائق المستقاة من منابعها الأصلية ، وهى وثائق لم تنشر - فى الأعم الأغلب - من قبل .
والكتاب تدور موضوعاته حول العلاقات الإنجليزية الروسية فيما بين عامى ١٨٤١.١٨٢٩ مع الإشارة - كما يقول المؤلف - إلى التفاعل بين " السياسة والهوى " من الجانب البريطانى .
وعيب هذا الكتاب أن وثائقه كلها بريطانية ، ولكن هذا العيب تقلل من آثاره ومساوئه دراسة المؤلف دراسة دقيقة لكل ما صدر فى بريطانيا فى تلك الحقبة من صحف ونشرات دورية ومذكرات وكتب .
والمؤلف يقول : إن مؤتمر فينا ( الذى ظل منعقداً من سبتمبر ١٨١٤ إلى يونيو ١٨١٥ ) لم يبت فى أى الدولتين - بريطانيا أو روسيا - وكل إليها أمر السيطرة على شرق البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط . وهما المدخل المؤدى من أوربا إلى الشرق .
وحوالى عام ١٨٣٠ دب النزاع بين الدولتين حول عدة مسائل كانت تحسب مسائل ثانوية ، ثم تطور هذا التزاع فأصبح نزاعاً سافراً له صفة الدوام .
وبلغ النزاع أقصاه عام ١٨٣٣ يوم أفلحت روسيا فى عقد معاهدة Unkiar Skelessi فاستخلصت لنفسها أن يكون لها النفوذ القوى والسيطرة الفعالة على الإمبراطورية العثمانية التى كانت تعانى الاحتضار.
وظلت العلاقات بين انجلترا وروسيا أشد ما تكون قتامة حتى نهاية الحلقة الرابعة من القرن التاسع عشر . وقد بدا للناس يومئذ أن نشوب الحرب بين الدولتين قد أصبح أمراً لا مهرب منه ولا مفر ، والحق أن الحرب كان ينادى بها علناً رجال كثيرون من رجال الدولتين .
وفى عام ١٨٤٠ تغيرت الظروف ، وكان من عوامل هذا التغير ذلك الانتعاش الجزئى الذى أصابته فرنسا . والذى كان مصحوبًا بظهور مطامع لها فى الشرق الأوسط .
وقد أدى ظهور فرنسا بهذا المظهر أن بدأ اساسة الدولتين - إنجلترا وروسيا - وخاصة ساسة انجلترا . أن العالم ما زالت رفعته ممتدة وأن فى تلك الرقمة الممتدة متسعاً لكلتا الدولتين .
وجاءت معاهدة المضايق فى عام ١٨٤١ فكانت بدء النهاية لعهد العداوة والبغضاء الذى ظل مستمر الأوار فى العشر السنين السابقة .
وفى الحلقة الخامسة من القرن التاسع عشر عادت العلاقات الإنجليزية الروسية ودية كما كانت ، ونام عنهما شيطان الحوادث .
ولكن فى الحلقة السادسة بدأت العلاقات تسوء مرة أخرى . ونشبت بينهما الخلافات التى مهدت السبيل إلى نشوب حرب القرم .
ويقول المؤلف إنه يرجو ويأمل - فى خشوع وتواضع - أن تساعد دراساته التى قام بها على إيجاد جو من الثقة المتبادلة ، ومن التسامح والتساهل بين الاتحاد السوفيتى وبين الشعوب الناطقة بالإنجليزية ، وذلك بالاستعانة بالتفاهم الذى كان قائماً فى الماضى على المساهمة فى إيجاد تفاهم أدوم وأبقى . وذلك بتسليط الأضواء الكاشفة على ما يكمن فى نفوس الأمتين من بواعث الهياج ، وحوافز الليل مع الهوى . وأن ينظر نظرة فاحصة إلى كل حماقات الماضى وأخطائه . وأن تكون نظرة الإنجليز إلى عيوب أنفسهم أبعد مدى وأكثر تحديقاً .
ولكن القول بأن النظر إلى الماضى قد ينفع وحده فى إصلاح ما أفسده التوتر الحادث بين البلدين إنما هو نزول بحلم التاريخ إلى الدرك الأسفل من أباطيل التنجيم وترهات المنجمين . . .
٣ - التعلق بالوطن الأصغر أو البيت الذى بناه سكانه بأيديهم لكاتب أغفل ذكر اسمه The house made with hands by An Anonymous Author
ألا أيها الركب اليمانون عرجوا
علينا فقد أضحى هوانا يمانياً
نسائلكم هل مال نعمان بعدنا
وحب إلينا بطن نعمان واديا
فإن به ظلاً ظليلاً ومشربًا
به ينفع القلب الذى كان صادياً
قرأت هذه القصة فخطرت ببالى هذه الأبيات التى قالتها فتاة أعرابية احتملها زوجها إلى مكان قصى ( وبعد ) فقد قيل إن هذه القصة هى - إلى حد كبير - ترجمة لحياة مؤلفها ، وهى قصة فتاة مرهفة الإحساس إلى أبعد مدى ، وهى تحكى فيها قصة حياتها منذ طفولتها حتى أصبحت امرأة نصفا وكانت " بابيت " وهذا هو الاسم الذى أضفته عليها القصة . أصغر إخوتها . وكانت هى الطفلة الوحيدة التى ولدت فى البيت الذى بناء سكانه بأيديهم . وقد أحبت هى ذلك البيت حباً خالصاً ، وآثرته بإعزازها . فكان البيت وقطانه هم الدنيا وما فيها . وكان فراق البيت أو فراق سكانه عذاباً يمزق حشاشئها ، ويضوى به جسمها ويوم بعث بها أهلها إلى مدرسة داخلية فى قرية مجاورة كانت جد تعسه ، حتى لقد مرضت مرضاً شديداً ، فلما أبلت طارت إلى ذلك البيت تلتمس الحماية فى حماه .
وقد بنى لها أهلها فى ذلك البيت محراباً تفننت فيه لربها وتسجد ، فلزمت ذلك المحراب وما فارقته بعد ذلك أبداً .
ولما بلغت مبلغ النساء جاء يخطبها فتى ممن اتصفوا بالصلاح والتقوى . وكان هذا الفتى معروفاً بين قومه بلقب " يوليوس قيصر " فردته رداً جميلاً ، وأبت عليه أن يشاركها حب ذلك البيت .
وضرب الدهر ضرباته فمات أبواها ، وتزوجت أختها وقتل أحد إخوتها فى الحرب . ولكنها ظلت فى البيت . مفيمة على الوفاء له . وكأنها كانت تخاطبه فتقول : إنى أقيم بين جدرانك لأبعث فى جوانبك الأمن . ولتطمئن إلى وجودك كما كان آبائى يفعلون . .
وحتى الحرب العالمية بويلاتها وأهوائها ، وحتى الغارات الجوية التى كانت تدك البيوت المجاورة دكا ، لم تكن بقادرة على أن تنزع حب ذلك البيت من قلبها .
ولما اشتد الخطب وساد الرعب مدينة لندن كلها كانت بابيت أكثر الناس طمأنينة وأمناً . وحدث ذات ليلة أن
أصبحت الغارات من بيتها قاب قوسين أو أدنى . وعندئذ بدأ الرعب يدب فى قلبها . وكان قد وصلها فى اليوم السابق لتلك الليلة خطاب من يوليوس فيصر . فجال بحاطرها أن يكون لها بيت جديد تقيم فيه معه . . ثم زادت غارات النبربن اقترابًا من بيتها . فما زادت بابيت على أن كانت تنتقل من غرفة إلى غرفة . وهى كلما فارقت إحدى الغرف طافت بخاطرها أطياف الذكريات . فلما خر السقف من فوقها هربت - واليأس يملؤها - إلى الحديقة . ثم نظرت فرأت شيئاً أسود ينفض من السما فيغوص فى أرض الحديقة وكان هذا الشئ الأسود شظايا قنبلة من القنابل المدمرة .
ثم رأت الأرض وهى تميد . وعندئذ . . أحست أن لا بد لها من بيت غير ذلك البيت . . الذي بناه سكانه بأيديهم . .
٤ - شعاع من الضوء على بقاع مجهولة أو محور القارة الأسيوية وقطبها
كتاب من تأليف أوين لا تيمور pivot. ol Asia By Owen Lattimore.
هذا كتاب ضمنه مؤلفة دراسات قيمة لإقليم سن كيانج ، وهو الإقليم الكائن فى الطرف الأقصى الغربى من تلك الأمبراطورية الصينية التى كانت لا حد لامتداد وقعتها وهو الإقليم المعروف بالتركستان الصينية .
وقد انتهز مؤلف هذا الكتاب الفرصة فجمع إليه نخبة من العلماء المنتمين إلى جنسيات مختلفة والذين أوتوا العلم فى مسائل آسيا الوسطى . فكان هذا الكتاب ثمرة بحثهم وخلاصة دراستهم لإقليم قل من يعرف عنه شيئاً .
وهو كتاب وإن يكن قد كتب بأسلوب يرضى عنه القارئ المحدود الثقافة . فهو مع ذلك كتاب لا معدى عنه لمن أراد التخصص فى مسائل آسيا الوسطى .
والمؤلف يقول : إن العنصر الصينى فى إقليم سن كيانج لم يتجاوز فى يوم من الأيام تلك الجماعة من كبار الموظفين الرسميين ، والكثير الغالب من السكان المختلفى الألوان والنحل هم ممن يتكلمون إحدى لهجات اللغة التركية .
وقد عقد أحد الذين شاركوا فى تأليف الكتاب ، وهو مستر دى فرانس ، فصلا على أقوام " سن كيانج " ضمنه خلاصة
الأبحاث الحديثة والإحصاءات وهو يقول : إنه لا مفر للباحث من قبول الرقم "ثلاثة ملايين وسبعمائة وثلاثين ألفاً " - وهو الرقم الذى أثبتته إحصاءات البوليس من عشر سنوات - كعدد لسكان ذلك الإقليم .
وهو رقم جاء حداً وسطا بين رقمين يختلفان ارتفاعاً وانخفاضاً . إذ قال قائل إن عدد السكان مليونان . وارتفع بهم آخر إلى ثمانية ملايين .
والروابط الجنسية واللغوية التى تقوم بين أقوام " سن كيانج " وبين أقوام التركستان السوفيتية تجعل القرابة بينهم وبين هؤلاء أقرب منها إلى أقوام الصين أصحاب السيادة الاسمية على بلادهم . وكذلك تساعد طرق القوافل التجارية التى أوجدتها الطبيعة على توثيق أواصر تلك القرابة .
ولقد كان الضغط الروسى ثقيلاً جداً على تلك البلاد زمان الحكم القيصرى . وكان يقابله ضغط آخر ، لم يكن يجئ من ناحية الصين . بل من ناحية الهند البريطانية . . التى كانت تغار من تفوق روسيا التجارى ومن غلبتها السياسية .
وبعد ثورة من ثورات الصين وقعت فى عام ١٩١٢ أقامت الصين حاكماً على تلك البلاد قوى الشكيمة ، عظيم القدرة . هو " يانج تسنج سن " . وقد أدار هذا الحاكم دقة الأمور بمهارة فائقة . وسار بسفينة الحكم بين تيارات الحكومتين المتزاحمتين مستقلا بحكومة ذلك الإقليم استقلالاً تاماً عن حكومة " بكين " المركزية التى كانت قد خسرت هيبتها وفقدت كفايتها .
وقد وصف الكتاب هذا الحاكم وصفاً لم يغادر فيه صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . وهو أول وصف وأوفاه عن هذا الحاكم فى اللغة الإنجليزية .
ثم يقول المؤلف : ولما قامت الثورة البولشفية غاض سلطان الروس فى آسيا الوسطى . وظل الأمر كذلك ثلاث سنوات على الأقل . فقد كانت قوات روسيا البيضاء وقوات القوزاق تحول بين الاتصال بين موسكو والتركستان . وفى تلك الحقبة كانت مدينة كاشجار مركزاً هاماً من مراكز النشاط البريطاني فى آسيا الوسطى .
ولكن ما إن جاء عام ١٩٢١ حتى بدأ رقاص الساعة يتأرجح إلى الوراء . واستعادت روسيا سيطرتها على ذلك الإقليم . وظلت تلك السيطرة تزداد توثقا كل يوم من
الوجهتين السياسية والاقتصادية . ومن ناحية اخرى فقد تلقت السيطرة البريطانية ضربات متلاحقة قتالة فى إيران وأفنانستان . كما بات النفوذ البريطانى فى الهند وقد أصابه الضعف والوهن .
وكانت الصين يومئذ لا تزال ميداناً للحرب الأهلية ، ومساقاً إلى الانحدار والانحلال ، فبعدت الشقة بينها وبين تركستان الصينية بعد المشرق عن المغرب .
أما اليابان فكانت بين حين وآخر تلقى نظرة ملؤها الشر والطمع إلى ناحية تلك البلاد . ولكن انسحابها النهاني من سيبيريا تحت الضغط المزدوج الذى قامت به روسيا وأمريكا فى نهاية عام ١٩٢٢ وما تبعه من الزلازل المدمرة فى العام التالى قد قضى على كل ما يسبب القلق لبلاد تركستان .
ومنذ ذلك الحين حتى نهاية الحلقة الثالثة من القرن العشرين استعادت روسيا تدريجا نفوذها . واسترجعت هيبتها فى " سن كيانج " .
ويقول المؤلف : إن عام ١٩٤٠ وما بعده قد جاء بفترة ساد فيها القلق وعم فيها الاضطراب فى " سن كيانج " . وذلك
على أثر تهديد هتلر لروسيا السوفيتية . وكان من نتائج هذا التهديد أن انسحبت القوات الروسية كما انسحبت الأموال الروسية من آسيا الوسطى .
ولما انتهت الحرب بفوز الجيوش السوفيتية تبدلت وجهة النظر فى " سن كيانج " . ولما رأى القائم بالأمر فى البلاد - وكان ضالعاً مع هتلر - أنه كان يقامر على الجواد الخاسر ، غادر البلاد عائداً إلى الصين .
واستقرت الأمور بعد ذلك . وعادت روسيا إلى الظهور على مسرح الحوادث مرة اخرى . ولما قام الحكم الشيوعى فى الصين ألقت "سن كيانج " نفسها واقعة بين روسيا والصين . وكلتاهما قد أصبحت تجمع بينهما أواصر متينة من وجهة السياسة ، ومن وجهة المثل العليا الموحدة . وكلتاهما جد راغبة فى استقرار الأمور فى " سن كيانج " بالطرق السلمية ، ولم تر الصين بأساً فى تصنيع " سن كيانج " تحت سمع روسيا السوفيتية وبصرها .
ثم يقول المؤلف : إن " سن كيانج " هى قطب القارة الأسيوية ومحورها بأوفى ما تؤديه هذه الكلمة من معنى ، من الوجهة الطبوغرافية . .

