الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 666 الرجوع إلى "الثقافة"

مع الفكر الأوربى المعاصر

Share

١ - ملاك من ملائكة الرحمة

أوفلورنس نيتنجيل الثانية أو الممرضة اليزابث كنى كتاب من تأليف : مونيكا ديكنز ( من حفيدات شارلس ديكنز ، وقد ولدت عام ١٩١٥ )

ولدت المترجم لها عام ١٨٨١ على الأرجح ، وهى ممرضة استرالية ، وقد أنكر الأطباء عليها طريقة علاجها لشلل الأطفال ، ثم اعترفوا آخر الأمر بصلاحية تلك الطريقة ، وهى طريقة يعالج بها هذا المرض اليوم فى مستشفيات استراليا والولايات المتحدة الأمريكية .

قال لها يوما جراح من مشاهير الجراحين : " إن الطريق أمامك يا فتاتى محفوفة بالصعاب ، وإنك ستلاقين الضيق والحرج ، وسوف يكون الحزن نصيبك منذ اليوم ، ولكنك لو تدرعت الشجاعة ، وتذرعت بالصبر فسوف تلقين ألسنة العارفين بحسن صنيعك تهتف بمدحك وتشيد بالثناء عليك فى مشارق الأرض ومغاربها " .

هذه نبوءة تنبأ لها بها رجل له مكانته فى علمه وقته . وكانت هى لا تزال فتاة غضة الإهاب ، وقد جاءت من بلاد الأدغال الاسترالية لتلقى نجاحا يكاد يسمو سمو المعجزات بعلاجها الحديث لمرض " شلل الأطفال الذى أحدث عند المعنيين بعلاج هذا المرض ثورة وانقلابا

وقد كتبت هى قصة حياتها وأبانت كيف صحت تلك النبوءة ، وسمت كتابها : " إنهم سوف يمشون وهو عنوان تنطق حروفه بالصدق ، ذلك لأنها كانت قد نذرت لله على نفسها أن تبرئ الكسيح والمقعد ، ومن تشوهت منه المفاصل ، وكانت قد أحست بأن وسائل العلاج التى كان يؤمن بها أصحاب المهنة الطبية ولا يبغون عنها حولا إنما هى وسائل خاطئة ؛ فقد كان الظن سائدا أن التشوهات الشنيعة التى يحدثها التهاب المادة الرمادية فى الحبل الشوكى إنما ترجع

إلى شلل فى العضلات ؛ فإذا تقلصت تلك العضلات أعاقت العضلات الأخرى التى تقابلها عن أن تؤدى وظيفتها .

وأيقنت الممرضة " كنى " أن ليس هناك شلل وأن التشوه والألم هما أثران من آثار تشنج العضلات .

والمترجم لها كانت منذ طفولتها تعنى العناية كلها بمسائل التشريح ، وخاصة ما يتعلق منها بوظائف العضلات وبنائها ، فقرأت الكتب التى تعنى بشرح هذه المسائل بنهم شديد يشبه نهم لذاتها بقراءة قصص الحوريات .

ولما بلغت الرابعة عشرة من عمرها كانت تعالج أخاها الصغير الذى كان يشكو ضعفا فى الساقين .

ولما بلغت أشدها أبدت رغبتها فى أن تكون مبشرة بين أقوام استراليا الأصليين ، وكانت معرفة فن التمريض شرطا لازما لمن أراد أن يحترف تلك الحرفة ، فما لبثت أن برعت فى فنها ، فتكاثر عليها طلاب معونتها الطبية ، وكان مرضاها يحبونها ، ويتقون فى البرء على يديها .

وظهر فى أفق حياتها رجل قد تيمته حبا ، فألح عليها فى أن تترك تلك المهنة السخيفة ، مهنة التمريض ، وأن . . تتزوجه .

ولو تم هذا الزواج لكان كارثة ، ولحرم آلاف من الناس من نعمة المشى بين عشائرهم . أقوياء معافين ، ولعاشوا حياتهم كسحانا مقعدين .

وعملت المصادفة عملها فى الوقت المناسب ، فقد جاء يوم " السباق ، السنوى وقالت لنفسها : يحق لى أن أستمتع بالراحة يوما بعد ذلك الجهد المضنى الطويل بين ساكنى الأدغال . وجاء خطيبها ووراءه كوكبة من خيل السباق ، وكان يركب عربته الأنيقة الجديدة ، وأراد أن يصحبها إلى حلبة السباق ، وتقول هى : إنه قرأ فى عينى الرغبة فى الاستمتاع بالتفرج هذا اليوم فقال لى : سيكون هذا اليوم يوما عظيما عندى يا إليزابث ؛ وكنت على وشك أن أركب

العربة إذ جاءنى صبى ممتطيا حصانا قد أجهده طول المسير ، وأعطانى ورقة قرأت فيها أن جارة من جاراتى تعانى أوجاع ولادة عسيرة . فقال خطبيبى : إن هناك أناسا غيرك يستطيعون أن يقوموا على العناية بأمر تلك المرأة ، وإلا فماذا كانوا فاعلين لو لم تكونى ؟ قلت : ما دمت قادرة على إسداء المعونة فلن يكون هناك أحد غيرى . . فقال : عليك أن تختارى الآن بين الزواج وبين مهنتك ، فأدرت وجهى وأنا أغالب الدموع ، وقلت له : لابد لى من ارتداء ملابس التمريض . .

وكانت " إليزابث كنى " فى الثالثة والعشرين من عمرها يوم صادفتها لأول مرة حالة من حالات ذلك المرض الذى أعيا المداوين منذ أيام الفراعنة . وظل هذا المرض شغلها الشاغل وميدان حربها وكفاحها طوال حياتها .

والقصة الآتية منقولة عن " يومياتها " قالت : - دعيت ذات مساء من أمسية الخريف إلى زيارة بيت رجل من أوساط الناس لأرى بنته الصغيرة وقد برحت بها العلة وأضناها السقم ، فرأيتها وقد امتدت فوق سرير وإحدى ركبتيها قد رفعت فى اتجاه وجهها ، وقدمها قد تدلت ، وأحد ذراعيها قد مال على الصدر . وكانت كل محاولة لتقويم طرف من الأطراف تحدث لها ألما بالغا لا طاقة لها على احتماله وأرسلت برقية شرحت فيها مشاهداتى فجاءنى الرد بأن المرض هو شلل الأطفال ثم أضافت البرقية تقول : وليس لهذا المرض علاج معروف فاعملى ما وسعك الجهد وفقا لما يبدو من سير المرض .

وكنت يومئذ أجهل الرأى الصحيح عن هذا المرض ، ولكن الضيق الشديد الذى كانت تعانيه المريضة الصغيرة قد كان يتطلب علاجا سريعا أيا كان نوع هذا العلاج ، وشاهدت الفتاة وهى حاول جهدها أن تمنع العضلات المتقلصة من أن تمتد وذلك حتى لا تزداد آلامها .

وكنت أعرف فائدة الحرارة فى إحداث الاسترخاء فجئت ببطانية ومزقتها مزقا . وأغرقتها فى الماء وهو فى درجة الغليان ثم عصرتها عصرا خفيفا ولففتها - فى رفق - حول عضلات البنت المعذبة ، فما لبثت أن كفت عن البكاء وبعد أن كررت لها هذه العملية نامت البنت ، وبعد لحظة

قصيرة صحت من نومها وهى تصرخ : أريد المزق مرة اخرى فقد أفادت ساقى.

وهكذا أصدرت بنت صغيرة من سكان الأدغال فى أستراليا حكمها فى صالح علاج طال حوله الجدل فى عالم الطب . وبرئت البنت من علتها . ومشت مشى الأصحاء .

وتهافت المرضى بهذا المرض وازدحموا حول الممرضة " كنى " وجاءوا من كل فج عميق ، وقد باتوا يكفرون بالتدليك ، وبالجبائر التى كان يعالج بها هذا المرض ، وطفقت " كنى " تعالج مرضاها على طريقتها فى كوخ لها اتخذته دارا للشفاء . وقد برئوا جميعا إلا قليلا منهم .

وظلت منذ ذلك الحين - على الرغم من أنها كانت تشكو مرضا فى القلب - تمطر الحكومة والأطباء وابلا من البيانات تدافع فيها عن طريقة علاجها ، وترجو الاعتراف بتلك الطريقة ، ولكن الأطباء كانوا عنها ، وعن طريقتها ، فى صمم ، وقد آلوا على أنفسهم أن يخرجوها من قريتهم أو لتعودن فى ملتهم .

ولكن كان لها فى غير محيط الأطباء أنصار بعيدو النظر قد أعجبوا بفرط غيرتها ، وبالأدلة الناطقة بنجاح طريقتها . .

وقد وقفت الحرب العالمية الأولى عائقا فى سبيل تلك الطريقة ، ذلك لأن " كنى كانت قد ألحقت بالخدمة فى إحدى السفن - المستشفيات . وما إن أعلنت الهدنة حتى افتتحت أول عيادة لها ، وكانت على بساطتها تؤدى الغرض من إقامتها .

وقد شكت هى كما شكت من قبل زميلتها " فلورنس نيتنجيل " من قصر نظر القائمين على إدارة المكاتب الحكومية ، ونجحت آخر الأمر كما نجحت زميلتها من قبل .

وفى عام ١٩٣٤ ظفرت بأول عيادة معانة من الحكومة . وفى تلك العيادة بدأت تعلم معاونيها أصول طريقتها ليبرئوا كل مريض بشلل الأطفال فى جميع أنحاء العالم .

ويفخر الإنجليز بأنهم أول من اعترفوا اعترافا رسميا بسلامة طريقتها فى العلاج ، وفى مستشفى " سانت مارى " أقامت عيادتها التى أصبحت اليوم فى أوج ازدهارها . وسافرت إلى أمريكا . وهناك لقيت " كنى المديح مترجما

إلى لغة المال . وأقامت عيادة كبرى فى مدينة " منيسوتا " ثم عادت إلى بلادها وقد كسبت المعركة . وعالجت طفلا ذاق الأطباء الأمرين فى علاجه .

وقد جاءت الحرب العالمية الثانية فعوقت انتشار طريقتها ولكنها لم تقفها . وقد أمطرها القوم فى أستراليا وأمريكا وانجلترا وابلا من الثناء ، وهى تلك المرأة المغمورة المجهولة .

ولم تكافح فى حياتها يوما من أجل المال ، ولكنها كانت وما تزال تكافح من أجل الأطفال .

وطالما قالت لنفسها : وماذا على لو ربأت بنفسى عما ألاقيه من تحقير واضطهاد ؛ وعدت إلى بيتى لأظفر بالراحة من كل هذا العناء . ولكن ما إن تذهب إلى عيادتها ونرى وجوه الأطفال وتسمعهم ينادونها : صباح الخير باستر " كنى " إننا سعداء بلقائك حتى تنسى كل شئ . وحتى تستعيد قوتها المعنوية فتسير قدما فى طريقها السوى . .

٢ - ثلاثة كتب للكاتب الانجليزي " ماى هيو "

ألف هذه الكتب الكاتب الصحفى الإنجليزي " هنرى ماى هيو " ( ١٨١٢-١٨٨٧ ) وهى ؟ " لندن مدينة الفقراء والكادحين ، وشخوص " ماى هيو " ومجرمو لندن كما ألف بمشاركة أخيه " أوغسطس سيموس ، قصصا منها قصة ، شر أوبئة الحياة وقصة العبقرى الذح أحال كل شئ ذهبا وقد قام اليوم أستاذ من أساتذة الأدب الإنجليزى فهذب هذه الكتب الثلاثة . وأخرجها للناس فى ثوب جديد . ذالكم هو الأستاذ " بيتر كونيل " ( ١٩٠٥ ) الذى كان مدرسا للأدب الإنجليزى فى إحدى جامعات اليابان ، وهو اليوم المحرر لمجلة " كورنهل " .

ولهذا الكاتب مؤلفات منها : " بيرون فى إيطاليا " و بيرون فى إبان شهرته ،

كان " ماى هيو في حياته يرجو ويأمل أن يكون كتابه " لندن مدينة الفقراء والكادحين ، باعثا من البواعث التى تجعل الأغنياء أكثر دراية وعلما بما عليه الفقراء من سوء الحال . وبما يعانونه من شر الفاقة . والتى تزيد فى عوامل الخير والإحسان فى العالم . وهما الخير والإحسان اللذان يراد بهما وجه الله .

وكان " ماى هيو " رجلا من رجال الخير في عصره تغمر نفسه عاطفة البر والرحمة ، وكان رائدا من الرواد الذين كشفوا للناس عن المستوى السئ المظلم الذى كان يعيش فيه المجتمع فى منتصف القرن التاسع عشر ، والمعلومات التى جمعها هو ومعاونوه قد كان لها الفضل فى تضخيم الإحساس بالجريمة ، وهو ما ساعد على المسارعة إلى الإصلاح .

وهو بحمله هذا قد كان ندا " لديكنز " الذى كان يسعى إلى إيقاد جذوة الغضب والإشفاق ليحرق بها سيئات المجتمع وقد جاء اليوم الأستاذ " كونيل " فأتم مجموعة منتخباته من هذه الكتب الثلاثة ، وهى منتخبات يشع منها الضوء على شخصية ماى هيو ذلك الكاتب الذى كاد يكون لدى الفقراء شخصا من أشخاص الأساطير ، ذلك لأنه من الكتاب الذين يتحدث الناس عنهم ، لا الذين يقرأون كتبهم وهذه المنتخبات تقرب " ماى هيو " إلى عقول القراء المحدثين أكثر مما تقربه إليهم تلك الكتب لو أنها نشرت وفقا لما يريده أنصار النصوص الكاملة من أتباع القديم .

وقد خص كونيل جزءا من منتخباته من كتاب " لندن " بفقراء الكادحين . أو بمن كان يسميهم ( ماى هيو ) " القوم الذين يشرون بالثمن البخس ) أو " الأيدى التى لا يعترف بها المجتمع ؛ وهم الذين تتألف منهم الجمهرة الغالبة من الصعاليك والمتسولين

وخص كونيل ثلثى منتخباته من كتاب " الشخوص بالمهرجين والبائعين الجائلين .

و " ماى هيو " يوم بدأ يكتب كتابه هذا ( ذا الثلاث شعب ) وينشره لأول مرة لم يكن يفكر إلا فى تأليف كتاب ضخم يظهر أجزاء متتابعة ، على أن لا يزيد ثمن الجزء الواحد منها عن شلن واحد . وكان يريد أن يشمل كتابه وصف مختلف المشاهد فى مدينة لندن ، وكأنه - زيادة فى السخاء - قد ركب منطادا حلق به فوق تلك المدينة وأرضى غروره . بل أشبع غروره ، بل أتخم غروره بوصف العالم اللندنى من الجو .

وكان " ماى هيو " يغلب عليه طابع أهل عصره . وهو ملء الصحائف ، وإرضاء الطابع والناشر ، دون أن يلقى بالا إلى ضرورة الملاءمة بين مواد كتابه وموضوعاته .

وقد أعانه على المبالغة فى ملء الصحائف أن القوم فى زمانه لم يكونوا يشكون مجاعة ورقية ، كما يسميها أستاذنا الدكتور زكى نجيب محمود .

وقد حق لقراء هذه المنتخبات أن يشكروا للأستاذ " كونيل " حسن صنيعه ، فقد أراحهم من قراءة جداول إحصاءات " ماى هيو " العديدة . ومن مقاله الطويل عن تاريخ البغاء وما يلحق به من انحرافات .

أما الموضوعات الخاصة بالفقر والفقراء فلم يعتورها حذف ولا نقص ، ويبدو أن " ماى هيو كان يعنى العناية كلها بوصف جماهير الشوارع والأزقة ، فهو يصف مهرجا من مهرجى السرك ورجلا يمشى على أرجل خشبية طويلة ، وهو يصف أماكن اللهو الرخيصة كما يصف رجال الطبل والمزمار ، كما يصف مشعوذا من المشعوذين ، وجماعة " قرء - قوز " وجماعة " خيال الظل الصينى وهو يصف المحتضرين ويذكر آخر كلمات نطقوا بها ، وهو يصف ذلك " المنولوجست " الذي يؤدى لك حوارا يدور على ألسنة رجال جيش كامل ، كما يقص عليك قصة ممثل من الممثلين الذين يذرعون فضاء الأرض .

وهو يصف كل أولئك وصفا شاملا تتبين فيه الدقة والأمانة . وقد كتب " ماى هيو " أكثر ما كتب عن القوم الفقراء الذين كان يستطيع الاتصال بهم .

و " ماى هيو " ، وهو ذلك الساخر بفطرته وقائل القولة المشهورة : " إنى لأنصح كل مقدم على الزواج أن يحجم ! " ماى هيو " هذا كان يرى أن " لندن ليست فى حاجة إلى ساخرين يهبطون عليها من عل . فهو قد سمع صبيا من صبية الشوارع يقول : " إنى سمعت أن الأرض تدور حول الشمس ، ولكن مشاهداتى تجعلنى أنكر هذا القول ؛ . .

وهو قد سمع صبيا آخر ، وقد سئل مرة عن اسم ملكة الإنجليز يقول : " إن لأظن - أكبر الظن - أن إسمها ( وكتوريا وألبرت )، وهو يريد أن يقول : ( فكتوريا ) أما ( ألبرت ) فكان اسم زوج الملكة " . وهو قد سمع واحدا من منظفى البلاليع وقد قارن بين

عمله هذا وبين عمله الذى كان يعمله فوق متن البحار يقول : " إنى أفضل العمل فى البلاليع على العمل على شواطئ الجزر اليونانية .

ومن مواهب " ماى هيو " كرجل واقعى براعته البالغة فى معرفة كيف تحدث الأشياء ، وكيف تحترف الحرف ، وهو فى هذه الناحية لا يقل عن " دانيل ديفو " مؤلف ( روينسون كروزو " وصاحب " مول فلاندرز " بل قد يفوقه ، فتراه مثلا يذكر فى دقة بالغة طرق تزييف النقود . .

وإن ديفو ليغبطه على معرفته بحيل القوم المجرمين ، ومنهم النشالون ، واللصوص ، والنهابون ، وآكلو النار .

٣ - الأدب الهندى الحديث

لا ريب أن الأدب الهندى الحديث هو من صنع كتاب تثقفوا بالثقافة الانجليزية ، والمعروف أن التعليم الانجليزي قد أدخل إلى الهند فى النصف الأول من القرن التاسع عشر ولكنه لم يثمر ثمره إلا فى النصف الثانى من ذلك القرن .

وعلى هذا يكون هذا العام عام ١٩٥١ هو أكثر الأعوام مناسبة لمراجعة حساب محصول الثمار التى أثمرها ذلك التعليم فى المائة سنة الأخيرة ، وهو كذلك أكثر الأعوام مناسبة للتنبؤ بالآمال والمخاوف التى يحملها المستقبل القريب فى ثناياه .

والمعنيون بهذه الدراسات يرون أن الشبه جد قريب بين دخول التعليم الغربى إلى الهند ، وبين دخول التعليم على أيدى رجال النهضة العلمية إلى أوربا ، والأثر المباشر فى الحالتين هو حفز الهمم إلى الإنتاج الأدبى .

ومن مميزات الأدب الذي أنتجته الهند منذ عام ١٨٠٠ أنه أكبر فى الكمية من كل ما أنتجته تلك البلاد فى الستة قرون السابقة على ذلك التاريخ ، وكان هذا بالطبع أثرا من آثار إدخال المطبعة التى كان لها الفضل فى نشر الآثار الأدبية بين الجماهير العديدة ، كما كان لها الفضل فى أن تبلغ تلك الآثار آفاقا لم تكن ببالغتها لولا المطبعة .

كذلك كان من آثار المطبعة أنها أبطلت تلك التقاليد التى كانت تعتمد فى تقييد الآثار الأدبية على رواية الرواة . وكذلك كانت المطبعة سببا فى ظهور الآثار النثرية ، ذلك لأنه عسير على الرواة أن يجيدوا حفظ المنثور إجادتهم لحفظ الآثار المنظومة .

وقد أدى ميلاد النثر إلى ميلاد المقالة ، وإلى ميلاد الكتابة الصحفية ، كما أدى إلى ظهور القصة القصيرة . والرواية ، كما أدى إلى ظهورالدراما " الحديثة ( تمييزا لها عن " الدراما " السنسكريتية القديمة )

وانقضاء عهد حفظ الآثار الشعرية بطريق الرواية والرواة قد كان له الأثر الحسن فى ثوب الشعر ومظهره . فقد أصبحت القصائد تنشأ لتقرأ وتحفظ ، لا لترتل وتنشد ، وقد أصبح الشعر يحيا حياته الخاصة ؛ فتأصلت جذوره . وامتدت فروعه ، وكشف عن منابعه التى تفيض جمالا من حيث الألفاظ والقوافى ، واخترعت قوالب شعرية جديدة ، وعرف الشعر البنغالى القصائد غير المقفاة ، كما عرف المقطعات ، وذلك على يدى : " مادهو سودان دت كما عرف التجديد فى أغراض الشعر على يدى " رابندرانات طاغور " .

( ومادهو سودان دت - ١٨٢٤-١٨٧٣ - شاعر وروائى بنغالى ترك دين آبائه وتنصر ، وقد درس القانون فى انجلترا ) ، أما طاغور فأشهر من أن يعرف .

ويبدو أن اختفاء اللغة الانجليزية كلغة رسمية ، وكلغة للتعليم ، مؤد حتما إلى إعاقة نمو الأدب الهندى الذى يستمد قوته ونماءه من الآداب الغربية .

ولا نكران أن بعض الآثار البالغة الحسن فى الأدب الهندى الحديث ترجع إلي أصل أوربى ، وكذلك لا نكران أن بعض الآثار البالغة القبح ترجع كذلك إلى أصل أوربى .

وكذلك مما لا ريب فيه أن أحسن عناصر الأدب الأوربى لم تغرس بعد فى أرض الهند ، والقليل الذى غرس لم تتأصل جذوره فى تربة تلك الأرض ؛ والدليل على ذلك أن أحسن كتب الأدب التى عرفت طريقها إلى الهند ، ولقيت رواجا وانتشارا ، إنما هى الكتب التى لا تجدها

فى أوربا إلا فى مكتبات القرى والضواحى ، وإلا فى محاط السكك الحديدية .

والذى يثير الآسى والأسف ليس هو أن قدر تلك الكتب ، بل هو النظر إليها على أنها أحسن ما أنتجه الأدب الأوربى ، وأبدع ما أخرجته المطابع فى تلك البلاد .

هذا وإن التقاء الثقافتين الأوربية والهندية على ما بينهما من فروق قد أدى إلى نتائج حسنة لا تذكر بجانبها تلك الهنات الهينات .

وإن الهند لمدينة فى هذه الناحية لانجلترا دينا بالغا ولكن هذا الدين قد قام بقضائه - على أقساط صغيرة - قلة من المثقفين الهنود الذين كتبوا كتبا بالانجليزية ، وإن كانوا لم يبلغوا فى كتابتها حد الإجادة ، فهم كالذين وقعوا بين الكراسى ، فهم فى حساب الانجليز ليسوا انجليزا ، وهم فى حساب الهنود ليسوا هنودا .

وعلي الرغم من هذا فإن قصص " ملك راج أناند " ( روائى هندى ولد في مدينة نيشور إحدى مدن الباكستان وحصل على الدكتوراه فى الفلسفة من جامعة لندن ، وقد ولد عام ١٩٠٧ ) قد نالت بعض الرواج فى انجلترا .

وكذلك المقالات والرسائل الفلسفية التى أنشأها " أورويندو تموز " ( أحد فلاسفة الهنود البوجيين ، ولد عام ١٨٧٢ )، وتلك التى أنشأها " سير سارفا باللى رادها كرشنان " ( فيلسوف هندى ولد عام ١٨٨٨ ، وهو مدرس الديانات والآداب الشرقية فى جامعة أكسفورد منذ عام ١٩٣٦ ) تستحق كل مديح وثناء .

وكذلك قصائد الشاعر " طاغور " والشاعرة " سارو جينى نايدو " قد لا تقل فى سموها عن كثير من قصائد الشعر الانجليزى .

وبعد فهذه إلمامة خاطفة عن الأدب الهندى الحديث ، ومن شاء أن يلم إلماما تاما بهذا الموضوع فليقرأ " أدب الهند " وهو فصل ممتع من كتاب " قصة الحضارة " ( الجزء الثالث ) للدكتور زكى نجيب محمود .

اشترك في نشرتنا البريدية