ا سياحة حول غرفتى ب أرواح بادية للعيان
هذان الكتابان هما من الكتب التى لا تبلى جدتها ألف الكتاب الأول الكونت زاقيه دي مبستر ١٧٦٣ ١٨٥٢ وهو كاتب من الكتاب الأذكياء ونصير من نصراء الملكية فى فرنسا
وكتابه هذا مجموعة لطيفة من المقالات النصار صقلت فتألفت كلا لي العقد النضيد واستمد عنوان كل مقالة من تلكم المقالات من وحى الأشياء التى تحتويها غرفته
أما زمن الكتاب ومكان تأليفه فكان أيام أن سجن اثنين وأربعين يوما قضاها مقبوضا عليه في سجن مدينة ثورينو وكان يومئذ ضابطا من ضباط الجبش الروسى
وهو يحسب الأشياء التى كانت تحيط به في غرفته كأنها مجموعة من الاستعارات المجازية يقرأ فيها صورا كاملة من صور الحياة الإنسانية
وهو يصف وصفا ممتعا فوائد هذا النوع من الرحلات التى سماها رحلات إلى جانب الوقد وهو مستغرق فى حالات ثلاث من حالات الفراغ فراغ الذهن وفراغ القلب وفراغ الحبيب وهو يرى القارئ مدى ما ينعكس في مرآة روحه من متعة ولذة باستمتاعها بوصف الأشياء التى تزخر بها غرفته كالسرير وصيوان الكتب وبذلة السفر وأدوات التصوير وآلات الموسيقى
وهو يصور لنا السرير كأنه العالم ونهايته وصوان الكتب كأنه إطار بديع حوي أعظم المثل العليا فى هذه الدنيا
وهو يطيل التأمل فى صورة من الصور التى يحتويها ذلك الإطار وهى صورة إبليس كما وصفه الشاعر ملتون وهو إذ يتحدث عن بذلة السفر يرينا أثر الملابس فى أخلاق الناس ثم يصور لنا الأثر الذى تحدثه زيادة مجمعة
من النجوم فى بدلة ضابط من الضباط وأثر ذلك فى حالته النفسية
وهو إذا تكلم عن الجسد جعل لهذا الفصل عنوانا هو الحيوان وهو يعرف ذلك الجسد أو ذلك الحيوان بأنه خادم الروح وتابعها وهو يصف الروح بأنها تلك الحظية التى تتأى أحيانا عن ذلك الخادم وتمنحه الصدود وذلك حين يكون العقل مستغرقا فى حالة من حالات الشرود وحينئذ تمسك يد ذلك الحيوان فى غير انتباه بالمسمار المحمى فيصيب الاحتراق تلك اليد
وأدق الصور التى جاء بها الكاتب فى كتابه هى صورة تلك الحسناء الفاتنة التى تتبع عيناها كل من يرنو إليها ولكن المحب الذى يظن أن هاتين العينين إنما ترنوان إليه وحده إنما هو محب قد فقد عقله ذلك لأن كل متطلع إلى مفاتن تلك الحسناء يرى نفسه أنه هو الحبيب المرموق المرموق مهما كثر عدد أولئك المحبين ومهما توحد زمن التطلع
أما الكتاب الثانى أرواح بادية للعيان فقد ألفه جماليل برادفورد ١٨٦٣ ١٩٣٢ وهو كاتب أمريكى اختص بكتابة التراجم
وكتابه هذا سلسلة من الصور الوصفية لطائفة من الأدباء الذين اشتهروا بكتابة الرسائل وبذلك أتاحوا للمؤلف أن يظفر بالدلائل التى تدل على طبيعة نفوسهم
وكل أولئك الكتاب قد عاش حياته عزبا إذا استثنينا إدوارد فتزجيرالد ١٨٠٩ ١٨٨٣وهو الشاعر الإنجليزى الذى ترجم رباعيات الخيام فقد تزوج فى أخريات أيامه والمؤلف يعنى العناية كلها بذكر عاداتهم وهم يعملون وبذكر ميولهم من ناحية المال والشهرة وبشرح علاقاتهم الغرامية والسياسية والإخوانية
وهو إذا تكلم عن فولتير اتخذ دليله ومرشده حب ذلك الرجل للإنسانية عامة وولمه برفع مستوى أفرادها
و فولتير فى نظر المؤلف هو فى زمنه أبعد رجال
العقل صوتا وأكبرهم أثرا وقد كان معاصروه من الطبقة المحافظة يصمونه بأنه كان هداما بينما كان المادحون والمعجبون به يستطيعون سخريته اللاذعة بالمجتمع الفاسد الذى ولد فيه
أما الشاعر الإنجليزى توماس جراى ١٧١٦ ١٧٧١ ذلك الراهد الناسك فكان رجلا خحولا وكان يقضى أيامه في القراءة والتفكيروقد امتاز أسلوبه بالبساطة وكان جراى يشكو التفاهة التى لا حد لها تلك التفاهة التى يرى هو أنها من صفات الأقوام الذين يوصفون بالعظمة . وكان ينعى عليهم أعمالهم التى يصفونها بخلاف القدر
وهو وإن كان المرض لم يقعده إلا قليلا فإنه كذلك لم يتمتع بالعافية إلا قليلا وقد يكون ذلك راجما إلى إجهاد معه وإلى قلة رياضة بدت فأصابته من جراء ذلك حالة من الانقباض والغم
وكان يكره ما كان يسميه العزاء الموحش وإن كان يقول إن انتفاضة لذيذة كانت تملك عليه مشاعره كلما نعم بمشاهدة أمجاد اسكتلندة أو مشارف جبال الألب
وكان يرى المتعة كل المتعة فى حديقة يمشى بين نبتها وزهرها وفى الطيور وقد كتب لها الإياب من مهاجرها وفى الفصول وقد تتابعت بين ربيع وصيف وخريف وشتاء كما كان يرى المتعة في مشاهدة آثار والفن الايطالى وآثار العمارة على الطرار القوطى
ولما رفض أن يكون شاعر الدولة قال فى أسباب رفضه إن الثناء الذى يعتز به ويفاخر إنما هو ذلك الثناء الذى يحبثه على لسان القلة من قضاة الأدب الحقيقيين الذين تفرفوا في أقطار هذه الدنيا
أما الكاتب الانجليزى هوراس رالبول ١٧١٧ ١٧٩٧ الذى كان أبوه رئيسا للوزارة فقد كان وسيطا بين دنيا الأدب وبين دنيا العمل وكان كأنه يمسك بيده امرأة تبدو فيها صور الأخطاء والحمالات وألوان الفتنة التى يفتن بها من يسمون بالأقوام السريين وقد كان همه ووكده أن تظل تلك المرأة دائمة الصقل واللسان
وقد كان أبوه كما أسلفنا القول رئيسا من رؤساء الوزارة التابهين وذلك فقد عانى ولده فى جو
حيق جبير الملوك وبلاط الملوك وكان يعيش حياة ناعمة مترفة فكانت رسالتة أشبه برسائل فولتير فى التعبير عن روح عصرها وكان يصور ممثلى أدوار تلك الحياة كما كان يصور مشاهد تلك الحياة في صورة قصة ذات طلاوة
وقد عاش حياته كلها مولعا بالفنون الجميلة ولكنه ولع الهواة لا ولع الدهرسين المتصنفين فكان يأخذ الأمور من أقرب مواردها وذلك لعجزه عن أخذها من أعمق مواردها
ويوم كان فى الرابعة والعشرين من عمره كان يقول إنه لا تستبيه العيون التى في طرفها حور ولا يدلهه الهيام ومصداق هذا القول أن حبه المقدام دى دفان قد طاف بقلبه طائفه يوم كان هو فى الخمسين من عمره وكانت هى في السبعين من عمرها وكان غرامها به غرام كداب فى السادسة عشرة من عمرها
وأما الشاعر الإنجليزى كوير ١٧٣١ ١٨٠٠ فكان مثالا للشخصية المزدوجة فهو فى إحدى ناحيته سيد رقيق الحاشية ذو خلق رضى يهوى اللهو البرئ وله القدرة إذا شاء على الابتسام بل على الضحك
وهو فى الناحية الأخرى رجل متزمت في مسائل الدين وقد جاءه هذا التزمت من ناحية كيانه العليل ومن ناحية عقيدته الدينية التى جعلته من القانطين من رحمة الله والتى كانت تصور له أنه غير ناج من العذاب وأن مصيره إلى سواء الجحيم
أما الكاتب والناقد شارلى لام ١٧٧٥ ١٨٣٤ فكان طوال حياته حليف الوساوس والأوهام ويرى المؤلف أن لام يمثل شخصية المهرج التى جاء بها شكسبير فى رواياته فهو يجمع بين المرح والسخرية وهو يجمع كذلك بين رقة الشمائل وبين الحب والحكمة
وكانت الحمر عدوه الطبيعي بل كانت أعتى عدوله ذلك لأن عقله غير القرن كان من السهل أن يطيح به قليل من الحمر
وكان لام فوق ذلك من أكثر الناس حفظا لعهود إخوانه القليلين الذين كان عليهم وهو يرى أن لغز هذا العالم لا يحل طلاسمه إلا الحب والضحك
وكان تاكيراى يسميه القيديس شارلى وكان كينس يرى فيه إنسانا عاقلا رزينا وليس خياليا ولا حالما وانه قد أوتى قدرة على الإبداع لا حد لها كما أوتى جنون العباقرة
والشاعر كينس هذا الذى مات فى السادسة والعشرين من عمره كان يقول عن نفسه إن أبالغ فى كل الأمور ولست أومن بأن خير الأمور الوسط فانا إذا غضبت غضبة كافة تطور الأمر فى خمس دقائق فأصبح مشكلة من المشاكل الكبرى ليس من يحلها غير من كان فى قدرة الشاهد اليونانى سوفوكليس ٤٩٥ ٤٠٦ ق م
أما حب كينس ل تانى برون فقد حال المرض دون أن يبلغ الحب مداه وقد أحال هذا الحب ساعاته الأخيرة إلى جحيم وأنكال
ويرى المؤلف أن كينس إنما قتله الحب والمجد ولو أنه كان قد عاش عيش الحمقى الجهال لما عرف مرض السل الطريق إليه
وأما الروائى الفرنسى فلوير ١٨٢١ ١٨٨٠ فيرى المؤلف أن مثله العليا قد جعلته يدقق في اختيار أصلح الكلمات وأوفاها بالمعنى المراد فقد كانت جملة من الجمل تكلفه ساعات بل أياما من العناء والجهد وكان الفن عنده هو الحياة وروايته مدام يوقارى وهي دراسة نفسية لامرأة طبيب من أطباء الريف اضطرت إلى الانتحار إثر حوادث غرامية غير موفقة يعتبر نصيرا مؤزرا لفن فلويير أقار سالته فتعتبر نصرا له كرجل من رجال الفن .
أما الشاعر الإنجليزى إدوار دفترجيرالد ١٨٠٩ ١٨٨٣ فكان رجلا واسع الخبرة ولكنه لم يحسن الانتفاع بخبرته ذلك لأنه كان رجلا بليدآ وكان يقول هو عن نفسه إنى لأظنى أستحق اللعنة أشد اللعنة على ما أنا فيه من الركون إلى البطالة والكسل
كتاب من تأليف و ر لى فانى
منذ نيف ومائتى عام ولد هذا الطبيب الذى اخترع المصل المضاد لمرض الجدرى وما شاد الناس بذكر هذا الطبيب من قبل مثل ما يشيدون بذكره اليوم ذلك لان المترجمين لحياته لم يعنوا العناية الواجبة بدراسة تلك الحياة
وأول أولئك المترجمين كان جون بارون وقد نشر كتابه الذى سماه حياة إدوار جينر فى جزءين ولكنه عجز عن استساغة وهضم المصادر التى استقى منها مادة كتابه فما استطاع أن يحمل منها غداء كاملا
ثم جاء بعده كروكشانك فاصدر في عام ١٨٨٩ كتابا سماه حياة ورسائل دكتور جينر وكان هذا الكتاب دسيسة خسيسة على المترجم له فقد كتبه كاتبه بقصد التشنيع والتعيير
ثم ظهرت بعد هذين الكتابين كتب أخرى نشر بعضها في حياته ولكن أكمل الكتب وأحقها بالثقة لم يكتب بعد واليوم يرى أن خطوة إلى الأمام تنبئ بالخير قد خطاها مؤلف هذا الكتاب الذى نحن بصدده ذلك لأنه وهو مدير مكتبة كلية الجراحين الملكية بانجلترا قد أتيح له الإطلاع على كل ما ييسر له الدراسة ويمكن له فى البحث
وهو يقرر عن يقين وصدقي اقتناع أن الدكتور جينر كان طبيبا لا يشق له غبار وكان كذلك عالما حجة من علماء العلوم الطبيعية وليس كما تقول الأسطورة إنه كان طبيبا مغمورا من أطباء الريف قد واناء الحظ المحابى فعرف دواء يقى الناس شر العدوى بمرض الجدرى وكان الناس فى زمنه متلهفين التلهف كله على هذا الدواء
وفى الفصل الذى عقده المؤلف على تجارب الدكتور جينر ومشاهداته يؤكد أن جينر مدين بنجاحه لأستاذه الدكتور جون هنتر الذى ظل يسترشد بآرائه ويهتدى بهديه زهاء ثلاثة وعشرين عاما قضاها متنفذا عليه
والدكور هنتر هو الذي قال له جينر في عام ١٧٧٥ قولته المشهورة وهى ولماذا فكر ولماذا لا تحاول أن تجرب وكان ذلك بمناسبة البحث في درجات الحرارة التى تكون عليها أجسام القنافذ في أيام السبات الشتوى والدكتور هنتر هذا هو الذى كتب لجينر يوم متى الأخير يفشل في قضية من قضايا الحب لا تبال بهجرها فاتى موكل إليك موضوعا سوف يملك عليك ليك وقوام هذا الموضوع هو دراسة القنافذ
وكانت عادات الطائر المسمى بالوقوق هى من المسائل التى كانت تشغل خاطر هنتر وتلميذه وقد حدث انه بعد أن قدم جينر خلاصة بحثه عن عادات هذا الطائر أن أبح له أن يكتشف كيف يتخلص الوقوق من بيضه وفراخه وكيف يزيحها من عشه ولذلك فقد طلب هو أن تعاد إليه رسالته المخطوطة ليزيد عليها تتمة أبحاثه
ويقول صاحب كتاب معجم الحيوان إن الوقوق هو طائر على قدر الحمامة يشبه الباشق كثير الصوت وقواق وهو لا يحضن بيضه بل يلقيه خلسة في عش طائر آخر فإذا خرجت فراخه من البيض زقها الطائر الآخر صاحب العش أي أنه يسرق تعب غيره
هذا وقد يبدو غريبا أن التحقيق فيما تم على يدي جينز من أعمال سوف تبقي على الدهر قد كان مصدره كلية الجراحين الملكية بدلا من كلية الأطباء الباطنيين
وربما كان هذا راجعا إلى أن جمهرة الوثائق القيمة التى خلفها جينر تحتويها اليوم مكتبة كلية الجراحين ومنها تلك المخطوطة التى عنوانها تحقيق في التاريخ الطبيعى لمرض ظهر في مقاطعة جاوسترغير وعرف باسم جدرى البقر
وهذه الوثيقة قد حصل عليها من عائلة جينر سير جيمس باحت فأهداها إلى كلية الجراحين في عام١٨٧٩
وقد نشر لأول مرة الكتاب الذى ألفه جينر بصوره الجميلة الملونة عام ١٧٩٨ ثم أعيد طبعه عام ١٨٠٠ بعد أن أضيفت إليه زيادات
وسرعان ما ترجم هذا الكتاب إلى اللغات الفرنسية
والألمانية والإيطالية والبرتغالية فذاع صيت المؤلف فى أوربا كلها
ولكن طريقة العلاج التى ابتدعها لم تجز القبول فى أى مكان ولا نستثنى البلاد الإنجليزية
وفي عام ١٨٠٢ تقدم الدكتور جينر إلى البرلمان يطلب الاعتراف باكتشافه فمنحه البرلمان منحة مالية مقدارها عشرون ألفا من الجنيهات
ومما تقيد معرفته أن الطبيب سير رونالد روس ١٨٥٧ ١٩٢٣ تقدم إلى البرلمان الإنجليزى في عام ١٩١٣ بطلب مماثل عن اكتشافه لطفيليات مرض الملاريا وعن دراسته لتطورات تلك الطفيليات ولكنه لم يظفر بتقدير البرلمان
ومات الدكتور جينر وهو فى الرابعة والسبعين من عمره مات وهو عارف لقدر نفسه مات وهو عارف أنه واحد من كبار الذين احسنوا إلى بنى الناس
