الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 660الرجوع إلى "الثقافة"

مع الفكر الأوربي المعاصر, ١- العلم الفرنسي، أو دائرة المعارف الفرنسية, ٢- الضعف الإنساني, ٣ - مقالان في الاجتماع، أو : الأمبرياليزم وطبقات المجتمع

Share

في اليوم الأول من شهر يوليو عام ١٧٥١ أي منذ مائتي سنة ظهر المجلد الأول من دائرة المعارف الفرنسية، التي كانت محصولًا علميًّا لا يُبارى، وهي تلك الثمرة من ثمرات القرن الثامن عشر التي أحدثت هزة عنيفة في العقول والأفكار، ولكنها هزة لم تبلغ مداها إلا في اليوم الرابع عشر من شهر يوليو عام ١٧٨٩ يوم اقتحم الشعب الفرنسي أسوار سجن "الباستيل" فكان ذلك إيذانًا ببدء الثورة الفرنسية...

والذي لا ريب فيه أن "دائرة المعارف الفرنسية" إنما هي من وحي الإنجليز، ففي عام ١٧٢٨ كان "إفرايم تشامبرز" قد نشر دائرة معارف موسومة باسمه (وهي لا تمت بأية صلة إلى دائرة المعارف المعروفة بهذا الاسم اليوم)، فقام في عام ١٧٤٣ "ليريتون" وهو ناشر فرنسي، وقد أحس بما قد يدرُّه نشر مثل هذه الموسوعة من ربح مادي، فعهد إلى "سليوس" وهو ألماني و"جون مار" وهو إنجليزي أن يقوما بترجمتها إلى الفرنسية، ولكنهما عجزا عن الترجمة، فاستدعى " ليريتون" "ديدرو" الفرنسي وكان لا يزال كاتبًا مغمورًا ليقوم بأعباء هذا العمل.

واستعان "ديدرو" بـ"دي لامير" ثم استقر رأيه على أن يخرج للناس "دائرة معارف" جديدة كل الجدة، ولذلك فقد اختار لمعاونته جماعة من أكبر أدباء عصره، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر "فولتير" و"روسو" و"مونتسكيو".

ولكن إخراج مثل هذا العمل الضخم في زمن ساد فيه حكم الطغيان كان عملًا محفوفًا بالمكاره.

وكان أفراد مثل هذا الرعيل الذين حملوا أمانة هذا

العمل تجمعهم وحدة الرأي، ووحدة النظر إلى المستقبل، فهم في مسائل الأديان كانوا من المتسامحين، كما كانوا من المتزمتين القائلين بكفاية العقل.

وفي مسائل الحكم كانوا من القائلين بنقد الحكام، وكانوا من المعارضين في تمييز طبقة عن طبقة، ولذلك فلا عجب أن كتابهم هذا قد بدأ معارضًا هدَّامًا للكنيسة والحكومة.

وظهر المجلد الأول من تلك الموسوعة عام ١٧٥١، وقد عُدَّ ظهور نجاحًا لا يدانيه نجاح، فقد كان الوقت الذي ظهر فيه وقت تطلُّع ثقافي وبخاصة في الموضوعات العلمية، فإذا ظهر كتاب يؤدي للناس صورة إجمالية لما وصلت إليه العلوم كان لا بد له أن يرضى عنه عقول جمهرة المستنيرين.

ولكن حدث في عام ١٧٥٢ -وكان قد ظهر من هذه الموسوعة مجلدان- أن صدر قرار من مجلس الوزراء يوقفها عن الصدور، بوصف أنها ضارة بالمعاهد العلمية القائمة يومذاك.

وفي عام ١٧٦٥ جيء بالطابع وزُج به في سجن "الباستيل". وصُودرت جميع النسخ التي بيعت، والتي كانت معدَّة للبيع.

وفي تلك الفترة من الزمن كانت "مدام دي بومبادور" محظية للملك، وكانت من أصدق أصدقاء "دائرة المعارف" وكانت تلك السيدة تستطيع أن تُسدي للدائرة صنيعة من جاهها.

ويصف "فولتير" هذه الناس السعيدة فيقول:

في حفلة من حفلات العشاء في القصر الملكي عام ١٧٧٤ ظل القوم يتساءلون حول كيفية صنع البارود، وإذا بمدام "بومبادور" تتساءل بدورها: كيف يُصنع "أحمر الشفاه"، وكيف تُصنع "الجوارب الحريرية"؟.

وعندئذ قام دوق "دي فالير" يعلن أسفه على أن الملك قد صادر الكتاب الذي كان يؤدي لنا أجوبة عن

مثل هذه المسائل. فما لبث لذلك أن بعث بمن جاءه بمجموعة من أجزاء الموسوعة، فسُرَّ سرورًا بالغًا بالأجوبة التي قرأها، وقد تفضَّل من أجل ذلك فأمر بحرية تداوُل "دائرة المعارف".

ولكن أسباب القلق لدى "ديدرو" لم تبلغ منتهاها يومئذٍ. ذلك لأن الطابع، وكان قد أمضَّه ما لقيه في سجن الباستيل من شدة وعذاب، كان قد جاء بمسودات الأجزاء وحذف منها كل ما يمكن أن تفوح منه رائحة القول المثير.

وقد عرف "ديدرو" ما فعلله الطابع بطريق المصادفة، وذلك أنه رأى -وهو يقرأ موضوعًا كان هو قد كتبه- كيف اقتُضب موضوعه، وكيف حُرف فيه الكلم عن مواضعه. ولكنه وقد كان يحتفظ -لحسن الحظ- بالصورة الأصلية لذلك الموضوع فقد جاء بها، وسارع إلى تصحيح الأغلاط، وإعادة النصوص إلى أصلها.

وأخيرا وبعد أن تعاور السعد والنحس طريق ذلك الكتاب، تم ظهور المجلد الثامن والعشرين وهو آخر مجلد في "دائرة المعارف الفرنسية" وذلك عام ١٧٧٢.

وأكثر المواضيع المختصة بالعلوم الرياضية، والطبيعة كتبها "دالبو" واختص "روسو " بموضوعات الموسيقى. أما "ديدرو" محرر الدائرة، فقد كتب بنفسه اكثر ما بقي من الموضوعات.

ومما تفيد معرفته أنه كان معنيًّا العناية كلها بالكتابة عن مختلف الصناعات والحرف، ولا تستثنى أقلها وأحقرها.

وكانت هذه العناية تستحق التنويه في زمن كان التحقير والازدراء من نصيب كل عمل يدوي.

وكانت طريقته في الكتابة عن هذه الموضوعات أن يذهب بنفسه إلى المصانع الصغيرة ويرقب الصناع وهم يعملون فيناقشهم ويتعلم منهم سر صناعاتهم.

ولهذه العناية بالمسائل الصناعية دلالتها، فإن الثورة الكبرى الأخرى وأعني بها الثورة الصناعية كانت قد بدأت تظهر في الوجود.

ومن الفكاهات التي يمكن تدوينها أن "لورد شسترفيلد" كتب خطابا يردُّ به على ولده، وكان هذا قد طلب منه أن يأذن له في شراء نسخة من "دائرة المعارف الفرنسية".

كتب اللورد إلى ولده يقول: إني أتنبأ لك أنك سوف تشتريها يومًا ما، وسوف تعكف عليها، وسوف تقرأ فيها رواية "كانديد" أو "التفاؤل" لفولتير، وهي رواية فلسفية كتبها فولتير عام ١٧٥٩ وفيها يصب "فولتير" كل ألوان البلايا، وكل صنوف الزرايا على رأس "كانديد" بطل القصة و"كانديد" يحتملها كلها. وعلى فمه ابتسامة ضاحكة ساخرة.

وكان "فولتير" قد قصد بتأليف تلك الرواية أن يسخر من التفاؤل الذي كان سائدًا في القرن الثامن عشر، ولا سيما التفاؤل الذي كان ينادي به (بوب) بقوله: كل ما هو كائن فهو حق. والذي يشير إليه "ليبنتز" فيقول: "ليس في الإمكان أبدع مما كان".

وقد كتب "فولتير" على غلاف الرواية: إنها تُرجمت عن الألمانية بقلم الدكتور "رالف" وهذا القول حديث خرافة لا يمت إلى الحقيقة بسبب أو نسب...

رواية من الروايات الإيطالية تجمع بين المأساة والملهاة، وهي أحدث رواية ألفها الروائي الإيطالي السنيور "ريكاردو بانشلي".

والقصة في ذاتها بسيطة التركيب. ومفادها أن رجلًا ماكرًا محتالًا، ذا شخصية عنيفة مستبدة، قد فرض نفسه بقوة الإيحاء والتسلط على عقل رجل أبله قد تقدمت به السن، وأضلته الشهوات، فأفزعه وأثار الرعب في روعه بأن جعله يصدق أن مذنبًا هائلًا هو في طريقه من السماء إلى الأرض، وأن العالم سوف يفنى فناءً تامًّا. إمَّا بواسطة الاحتراق، وإما بواسطة الاختناق الذي لا بد تحدثه الغازات السامة التي يحتويها ذنب ذلك المذنب.

وقصاري ما كان يسعى إليه ذلك المحتال هو أن يجتذب إلى جيبه أكبر قدر من المال قبل أن تزول الدنيا ويفنى العالم. وتقوم مشاهد الرواية في مدينة من المدن الإيطالية اسمها "فيوماتستو". صوَّرها المؤلف فجعل منها مدينة

قد حيل بينها وبين الاتصال بدنيا الناس.

والمشاهد للرواية يراها أول الأمر رواية مضحكة قد بالغ الكاتب في إلباسها ثوبًا فضفاضًا من الفكاهة.

وقد أبدع المؤلف في وصف الوليمة التي أقامها في بيته ذلك الأبله "جولا سيكا" وصفًا يتحلب له لعاب الآكلين ذوي النهم. ويذكرهم بالأوصاف التي كان يجيء بها "أربيتر بترونيوس" رفيق "نيرون" ونجيّه، وخِدْن ملذاته وشهواته.

وسرعان ما يذاع بين الناس وينتشر في المدينة خبر دُنُو المذنَّب من الأرض، فيشيع الفزع بينهم، ويملأ الرعب قلوبهم، وإذا بالمحتال "بروسكانتيني" يصبح مشغولًا بالقلق الذي استولى على قلوب سكان المدينة.

وهكذا تصبح مدينة "فيومالفنتو" -وقد وقعت تحت غائلة الخوف من نهاية العالم- رمزًا للإنسانية كلها، ولضعفها وخَوَرها . كما تصبح وكأنها مركبة تحمل صورًا لتحولات السياسة وتقلباتها. كما تحمل أضابير مملوءة بالمسائل الخلقية والاقتصادية التي مرَّت بتلك المدينة منذ الحرب العالمية الأولى. ثم يأخذ المؤلف بعد ذلك في شرح حوادث التاريخ الإيطالي في الأربعين سنة الماضية. وهو يحلل أسباب تلك الحوادث ونتائجها تحليلًا دقيقًا بعيدًا كل البعد عن التهريج والمجون.

وهذه الرواية تذكِّر القارئ بالروائي الإيطالي "الكونت ألساندرو مانزوني". (١٧٨٥-١٨٧٣) الذي اشتهر بروايته التي جمعت بين الوقائع التاريخية ووقائع الحب، والتي سماها "الخطوبة".

وعسير على من يريد تلخيص رواية "الضعف الإنساني" أن يتقصى كل ما احتوته صحائفها من شخصيات ومن حوادث تجمع بين ألوان الملهاة والمأساة.

والمؤلف يصور فمها بصوِّر مشهدًا يبدو فيه الجمهور وقد احتشد في دار البلدية. وهو يطالب بجثة "بروسكانتيني" ذلك العالم الدَّعي. وإذا بالرجل يظهر -على غير انتظار- واقفًا في الشرفة إلي جوار محافظ المدينة. وإذا به يبرهن للناس -مستعينًا بما أوتي من لباقة وكياسة- بأن الخوف

من المذنَّب كان خوفًا حقيقيًّا، وأن هذا الخوف قد زال. ولكن الحكومات هي التي تريد أن يبقى الخوف دائمًا في قلوب الناس؛ وذلك لتمسك بزمام الحكم، ولتقبض على أعنَّة السلطان.

ثم لا يلبث الرجل أن يظفر بتصفيق الناس وتهليلهم وتحيتهم له كبطل من الأبطال. ثم إذا به يسارع إلى الهروب منهم بأقصى ما يستطيع. وجيوبه ملأى بما ظفر به من مال ونضار.

ثم إذا بالمدينة تستقر فيها الأمور، وتعود سيرتها الأولى.

كتاب ألَّفه جوزيف شومباتر وترجمه هينز نوردين

مؤلف هذا الكتاب هو من رجال الاقتصاد الألمانيين وقد شغل منصب أستاذ في جامعة "هارفارد" منذ عام ١٩٣٢ إلى حين وفاته.

والرجل بحكم مهنته رجل من رجال الاقتصاد كما أسلفنا القول. ولكنا إذا اردنا أن نضع اسم صنف البضاعة التي يحتويها هذان المقالان لكان الظن أكبر الظن أن نسميهما "صناعة اجتماعية".

وكلا المقالين كُتب منذ سنين عديدة. فواحد منهما كُتب في سني الحرب العالمية الأولى. والثاني لحقه بعد بضع سنين. والقراء الذين منعهم مانع اللغة من قراءتهما في أصلهما الألماني لا شك يرحبون الترحيب كله إذ يرونهما لأول مرة مجلوَّين في اللغة الإنجليزية.

والهدف الذي كان يهدف إليه الأستاذ "شومباتر" في مقاله عن "الأمبريالزم" أو سياسة التوسع الاستعماري هو معارضته للآراء الماركسية التي ترى في " الأمبريالزم" نتيجة من نتائج الدوافع الاقتصادية، وحجته في ذلك أن "الأمبريالزم" الحديثة -وهي أبعد من أن تكون وليدة الرأسمالية-

إنما هي في الواقع ميراث ورثه العالم عن العصر السابق للعصر الرأسمالي.

ويعرض المؤلف للأمبريالزم فيقول: إنها كلمة لا تؤدي معنى من المعاني، بل هي كلمة غير ذات موضوع.

ثم يجيء بعد ذلك فيدرس ألوان "الأمبريالزم" في العصور القديمة والحديثة. ويخرج من دراسته برأي يقول فيه إن الغرائز والفوائد المهنية، والدواعي الاجتماعية، هي الأسباب الأولى التي أدَّت إلى نشوء "الأمبريالزم".

وهو يصر على القول بأن من المفروض على الرأسمالية، أن تتغلب على هذه الأسباب، حتى إذا عاشت "الأمبريالزم" بعد ذلك وبقيت مرفوعة الرأس في جماعة رأسمالية كان وجودها أشبه بوحش يحتضر بعد أن أثخنته الجراح.

أما المقال الثاني فموضوعه "طبقات المجتمع" وقد عنى

فيه المؤلف بنهوض وسقوط الأفراد أو الأسر التي تتكون منها طبقة من الطبقات.

وهو ينسب الارتفاع والانخفاض عند هؤلاء الناس إلى الجلادة والعجز أو الكفاية وفقدان الكفاية، وهذا السبب العام يفسر ما يشاهد في انتقال فرد أو أسرة من طبقة معينة إلى طبقة أخرى.

وهو كذلك ينسب نهوض واضمحلال مجموعة من الطبقات إلى قدرتها أو عجزها عن الانتفاع بما ورثته من خصائص ومزايا.

وخلاصة بحث الأستاذ المؤلف هو أن الأسس الثابتة التي تقوم عليها نظرية الطبقات إنما قوامها الفروق بين الأشخاص في القدرة والكفاية...

اشترك في نشرتنا البريدية