الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 673الرجوع إلى "الثقافة"

مع الفكر الأوروبي المعاصر, ١ - ابن سينا, ٢ - صورة من الحياة في باريس

Share

العيد الألفي لمولده : لكاتب أوربي The Millinery of Avicenna

قال الكاتب :

لم يبلغ أحد من رجال الفكر المسلمين ما بلغه ابن سينا " من قوة الأثر في عالمي الشرق والغرب ، وهو ذلك العالم الذي يحتفل اليوم بمرور ألف سنة على مولده ( ولد ابن سينا سنة ٣٧٠ هجرية وتوفي سنة ٤٢٨ ) . وهو ذلك الرجل الذي لم يبلغ شهرته أحد ، ولم يحي حياته المليئة بالحوادث أحد . فقد كان طبيبا وفيلسوفا . وكان نديما من ندماء الملوك ، وكان شاعرا من الشعراء . وشارك في أمور السياسة مشاركة فعلية . وكتب نيفا ومائة وستين كتابا ، وعاقر الخمر ، وأولع بالنساء ، حتى لقد قال واحد من أخلص خلصائه إن الخمر والنساء قد عجلت بموته .

وقد سئل ابن سينا " مرة : كيف يسرف في صحته وشبابه هذا السرف . فقال - كما روى الراوون - إنه يريد بذلك أن يحيا حياة تقاس بالعرض لا بالطول .

ولما كان " ابن سينا " قد ولد بقرية من قرى " بخارى" فقد ادعاه الترك . أما وقد أصبحت بلاده تابعة لروسيا فقد قام الروس يدعونه . ولما كان " ابن سينا " قد عاش الجزء الاكبر من حياته في "إيران " وقد ضمت رفاته أرض " همذان" فإن الإيرانيين يفخرون بانتسابه إليهم ، ولما كانت تآليفه تكاد تكون كلها باللغة العربية فإن العرب يصرون على أنه واحد من علمائهم . ولو كان " ابن سينا " اليوم حيا لضحك ملء شدقيه من تزاحم الأضداد .

أما قومه فلا مراء في أنهم كانوا قوما يتكلمون الفارسية ، وليس غريبا أن يتسمى قوم فارسيون بأسماء عربية ، ولكن قد يكون أمرا ذا فائدة أن يعرف الناس لماذا سمي " ابن سينا " ؛ " أبو على حسين بن سينا " ، وهو الاسم الذي

اصطلح اليهود على تحريفه فجعلوه " أفيسينا " .

أما أبوه فكان من اتباع " الطريقة الإسماعيلية " ولكن ليس هناك ما يدل على أن " ابن سينا " كان من معتنقي ذلك المذهب .

وكان " ابن سينا " متضلعا في علوم القرآن وفي الآداب العربية . وقد تتلمذ على عالم من العلماء المتجولين ، كان أبوه قد استضافه في بيته ، ولكن "ابن سينا " سرعان ما فاق استاذه .

وقيل إنه لما بلغ السادسة عشرة من عمره كان قد برع في الطب ، الذي يقول عنه هو إنه ليس بالعلم العسير تعلمه . ثم درس الفلسفة دراسة واسعة ، وخصص ، دراستها عاما ونصف عام ، فكان يقل النوم ، ويطيل السهر ، وقد كان يستعين بالخمر على طول السهر !

وقرأ " ابن سينا " مؤلفات " أرسطو " التي تبحث فيما وراء الطبيعة أربعين مرة مستعينا على فهمها برسالة واحدة للفارابي الذي كان أستاذا لابن سينا ومرشدا له ، ثم دعي لتطبيب أمير " بخارى " هو الأمير نوح بن منصور الساماني ( فكانت هذه فرصة ظهرت فيها براعته كطبيب ، كما كانت هذه الفرصة بدء حياته العامة ، فقد أذن له هذا الأمير في الدخول إلي دار كتبه . وكانت تحوي كل ثمين وغال من الكتب ، ويحدثنا "ابن سينا " في ذلك - وقد بلغ به الزهو مبلغه - فيقول : إنه فرح أشد الفرح بهذه الفرصة التي أتاحت له قراءة كتب لم يسمع بأسمائها أحد .

ولما بلغ الحادية والعشرين من عمره بدأ يكتب ويؤلف وظل كذلك حتى وافته منيته . والمتتبعون لسيرته لا يعرفون إلا القليل عن سياحاته في إيران حيث كان يذهب في طلب الرزق ، وكذلك لا يعرفون إلا القليل عن حياته السياسية في بلاط البويهيين ، وكل ما يعرفون عنه أنه كان وزيرا لأمير همذان ، وهي قصة في حاجة إلى من يجلوها ليعرف الناس

أي دور قام به هذا الفيلسوف كواحد من أهل الشورى عند السلطان .

ويبدو أن " ابن سينا " لم يكن يلقى في اشتغاله بالسياسة توفيقا كبيرا ، فقد احتمل في سبيل سياسته الكيد والأذي والسجن ، وكاد يقتله الجند الثائرون . ولكنه من ناحية أخرى لقي أحسن العاملة عند علاء الدولة أمير أصبهان . وهو الذي أمره بتأليف كتاب في الفلسفة باللغة الفارسية . وقد نشر هذا الكتاب في الهند وفي طهران .

وكان من عادة " علاء الدولة " أن يدعو إلى مجلسه ليلة الجمعة من كل أسبوع جماعة من خاصة المتعلمين يحاضرهم " ابن سينا " في الموضوعات العلمية ، وكانت هذه الفترة من حياته هي الآونة التي نعم فيها بالطمأنينة ، والتي صعد فيها نجم عظمته ومجده .

ولما مات " ابن سينا " في الثامنة والخمسين من عمره كان قد وهن عظمه . وأنهك المرض جسمه .

والعلماء الثقات يعدون " الرازي " أقدر طبيب بين الأطباء المسلمين . ولكن "ابن سينا " قد فاقت شهرته شهرة " الرازي " . وقد يرجع ذلك إلى أن كتابه " القانون " قد جمع خلاصة ما كان يعرفه الناس في عصره من المعلومات الطبية التي جاء بها علماء الإغريق والفرس . وزاد من قدر الكتاب وجعله المرجع الوحيد الذي جب ما قبله، ما أضافه إليه هو من تحقيقاته

وكان هذا الكتاب من أول الكتب التي عرفت طريقها إلى مدارس الغرب ، والتي ترجمت إلى اللغة اللاتينية . فتدارسه الطلاب في جامعات أوربا ، وظل يتدارسه إلى وقت قريب طلاب جامعتي " مونبلييه " و"لوفان" . وهو لا يزال يدرس في بعض بلاد الشرق ، وقد يحتمل أنه ليس هناك كتاب آخر قد ظفر بمثل ما ظفر به هذا الكتاب من ذيوع ومن قراء كثيرين .

ومن مؤلفات " ابن سينا " التي يشك في أمر نسبتها إليه رسالة موضوعها " النبض " ، وهي رسالة نشرت في طهران .

و" ابن سينا " هو صاحب مذهب فلسفي اختص هو به وسماه "المعقولات " . وقد أعد العالم المستشرق الفرنسي

كونت "جوزيف جوبينو " ١٨١٦-١٨٨٢  وهو صاحب النظرية " الجوبينية ، التى تقول بتفوق الجنس الآري أو التيوتوني  على كل الأجناس الأخرى ) قائمة بأسماء من دان بمذهب " ابن سينا " الفلسفي من بين الإيرانيين من القرن السادس عشر إلى العصر الحديث ، وكذلك نجد من بين أتباع مذهبه الفلسفي العالم المصري " الشيخ محمد عبده " وهو آخر من يمثل الرأي الإسلامي في مصر ، وهو مدين لابن سينا بالشيء الكثير

أما في أوربا ، وفي أيام القرون الوسطى ، فإن شهرة " ابن سينا " تقوم على كتابه " الشفاء " وعلى كتابه الذي جعله موجزا لهذا الكتاب وسماه " النجاة" .

وهذا الكتاب الضخم يعتبر دائرة معارف فلسفية تجمع بين المنطق والطبيعيات ، وعلم ماوراء الطبيعة ، ولكن المشارقة يفضلون كتابه " الإشارات " الذي قال عنه أحد تلاميذه  إنه كتب في زمن متأخر ، وإنه يحتوي زبدة آرائه وليس كذلك كتاب " الشفاء " .

وهناك كتاب آخر من كتبه آثار كثيرا من الجدل يوما ما ، وهذا الكتاب هو " منطق المشارقة " ويقول العلامة " تللينو" إن هذا الكتاب هو جزء من كتابه " فلسفة المشارقة " الذي خلفه " ابن سينا " قبل أن يتمه .

ولما كان " ابن سينا " قوي الصلة بالفلسفة الإغريقية فقد عد واحدا من أولئك القوم الذين سماهم " المتكلمون " أو " المفكرون اللاهوتيون " بالفلاسفة ، وهي تسمية أريد بها الحط من قدر أولئك " المتكلمين " .

وبينما كان أولئك الفلاسفة - الذين لم يستنكروا هذه التسمية - معنيين باستخدام الحجج والأسانيد الفلسفية لدعم الدين . كانوا في الوقت نفسه يطمحون في القيام بمحاولة للتوفيق بين الدين والفلسفة . وفي هذا الميدان الفكري تبدو أصالتهم ومكانتهم الممتازة .

والفكرة عند " ابن سينا " هي أرسطوطالية في شكلها وصورتها ، وأفلاطونية في موضوعها ومادتها ، وأفلاطونية حديثة في أهدافها ومقاصدها .

وقد ساعد المنطق على الإعلاء من مكانة أرسطو ، وجعل الناس يسمونه " المعلم الأول " .

ولابن سينا أيضا مؤلفات مشهورة في التصوف ، وهذا

ما دعا بعض الناس إلى حسبانه صوفيا مفكرا ، وكذلك كان " ابن سينا " ذا مواهب في الأدب ، ورباعياته باللغة الفارسية قد وجدت طريقها فانبثت في رباعيات " عمر الخيام ، المشهورة .

وقد أمد ابن سينا العلوم الطبية والفلسفية ، بمفردات في اللغتين العربية والفارسية . فعلى الذين يريدون الاستزادة في هذه العلوم أن يدرسوا هذه المفردات ليجنوا منها أكبر الفائدة .

و ابن سينا " عند المسلمين هو في المقام الثاني بعد " الفارابي الذي كان مقلا ، ولكنه كان ذا عقل قوي نفاذ

كتاب من ترجمة إيتن ولكنز A Picture of life in Paris Translated By  "Eithne wilkins"

المؤلف الذي يدور حوله موضوع هذا الكتاب هو " الفونس دوديه " ( ١٨٤٠-١٨٩٧ ) وهو روائي وشاعر فرنسي ولد في مدينة " نيم " إحدى مدن الجنوب في فرنسا ، وجاء باريس للعيش فيها عام ١٨٥٧

وذاق طعم النجاح يوم اصدر كتابه المسمي " رسائل إلى طاحونتي ، وله عدة مؤلفات اخرى ، وديوان شعر .

وكانت امرأته " جول روزال سيلست" تعاونه  كثيرا وقد تفردت هي بديوان شعر لها ، وبكتاب حوي مذكراتها .

يبدو " الفونس دوديه " لأول وهلة المثل الكامل للكاتب الذي أضر به الترف والتأنيس ؛ وهو قبل أن يبلغ الثلاثين من عمره ، كان قد كتب كتبا ثلاثة ، تفيض بالفكاهة وتعبر عن ذاتيته . وقد تنبأ له المتنبئون يومذاك بانه سوف يكون " ديكنز " الفرنسي وان يكن خصومه - والحق أولى أن يقال - قد اتهموه بالسرقة من "ديكنز الانجليزي"

ولكن ماذا في هذا ؟ ألم يقل القائلون إن " شكسبير " قد سرق من (مارلو) و ( كريسوفر مارلو ، روائي إنجليزي ١٥٦٤-١٥٩٣ ، كان أبوه إسكافا ) .

وعلى هذا فليس بالناس حاجة إلى أن ينكروا على " دوديه " نسبة كتبه الأولى إليه بسبب بضع سرقات .

ونحن إذا ذكرنا " دوديه " فأول ما يخطر بالبال كتابه المسمى " رسائل إلي طاحونتي " أو روايته المسماه " تارتاران

التاراسكوني " ) وهو رجل من شيمته الفخر الكاذب والمباهاة الباطلة . فقد كان يدعي أنه ملك الصيادين في إقليمه ، ولكنه لم يصطد في حياته - على الرغم من محاولاته العديدة - أى صيد ، اللهم إلا أسدا اصطاده في بلاد الجزائر بعد أن تكلف في سبيله ما تكلف ، وكان هذا الأسد أسدا نحيلا ، قد وهن العظم منه ، وقد بلغه الكبر وحطمته السنون ، وكان أسدا مستأنسا ، بل كان أسدا أعمى

ونعود إلي " دوديه " فنقول إنه بينما هو قد أصدر فيما بين الثلاثين والخامسة والأربعين من عمره تسعة كتب ، فقد كانت تلك الكتب توحي لقارئيها بأسماء مؤلفيها الأصليين . كيانزاك أو " فاوبير " أو " نورجنيف " أو " زولا " وإن يكن غير خاف أن نجاح  هذه الكتب هو الذي أدى إلى أن نجد كتبه الأولى قراء ومشترين .

ولكن الزمن قد دار دورة عكسية ، فنحن اليوم إذا وجدنا عشرة يقرأون كتابيه " رسائل إلى طاحونتي " و " تارتاران " فإننا لسنا واجدين من سمعوا بكتبه الأخرى ( سافو ونواب وجاك )غير اثنين .

أما التغير فقد حدث فور زواجه . وصاحبنا " دوديه " يوم جاء " باريس " كان في السابعة عشرة من عمره  (١٨٥٧). وكان يعيش عيشة انفرادية ، كما كان بوهيميا في حياته .

وفي عام ١٨٦٠ أذاقه "دوق دي مورفي" طعم الرفاهية ، وذلك بأن جعله صاحب دخل ثابت يوم سعى له فعين في قصر " بوربون " . ولكن الفضل أكبر الفضل يرجع إلى " جوليا دوديه " التى جعلته يحيا حياة الطبقة الوسطى . والتي بفضلها طلق " دوديه " حياة الثرثرة طوال النهار في القهوات ، وبفضلها عرف الاكل في مواعيد منظمة رتيبة ، وبفضلها عرف الدؤوب والعكوف على العمل ساعات طوالا ، وبفضلها عرف صحبة الكتاب من ذوي المكانة في الأدب ، بدلا من أولئك الكتاب الهواة الدين كان يمشى في ركابهم . وبفضلها أصدر الكتاب يتلو الكتاب في سرعة الآله الميكانيكية

واستقر " فتى الجنوب " في بيت ريفي على شواطئ "السين " . وكانت " مدام دوديه " من أوفى الزوجات

إخلاصا ، وأكثرهن صبرا على نسخ المخطوطات لأزواجهن وإذا كانت هي قد أفسدت "دوديه " بإزاقته طم الترف فإنها - على الأقل - قد جعلته هانئا سعيدا .

هذا رأي من الآراء . ولكن الباحث المتقصي للأمور يري صورة أخري تختلف عن تلك الصورة التي أسلفنا بيانها والباحث المتقصي يري أن تغير الحال عند " دوديه " لم تجمع المصادفة بينه وبين زواجه بل إن هذا التغير يرجع إلى حصار باريس ، وهذا الحصار هو من الحوادث الجسام التي تحيل كل كاتب إلى صورة من الجد ، وإلى التعمق في النظر إلى الأمور ؛ وقد تدعمت هذه الحالة عند " دوديه " بمصاحبته لأولئك الكتاب الذين يحسبون سدتة وشراحا للمذهب الواقعي ، وهم " فلوبر " و " جونكور " و " زولا " .

وإذا كان كتابا " دوديه " اللذان سبقا كتبه الأخرى قد لقيا اكثر الرواج ( والمقصود بذينك الكتابين " رسائل إلى طاحونتي و " تارتاران ") فلم يكن ذلك إلا لأنهما اتخذا وسيلة إلى تعليم الأطفال اللغة الفرنسية .

و " دوديه " - على أية حال - تنقصه الآصالة الفكرية ، والقدرة الموهوبة ، والشخصية المتسلطة المتحكمة ، وهي الصفات والمواهب التي يمثلها "فكتور هوجو" . وحتي مدام " دى ستايل " ( ١٧٦٦-١٨١٧ ) - على ما تلاقيه بعض كتبها من قلة الإقبال - فإنها بقوة شخصيتها لا تزال إلى اليوم تسيطر على عقول قرائها .

وهناك كتاب آخرون من أمثال " ستندال" ( ١٧٨٣-١٨٤٢) وتولستوي ( ١٨١٧-١٨٧٥) كانوا يعملون في تآليفهم وفي نظرية منظمة لا تعرف التخلخل ، ولذلك فقد كانت آراؤهم في الحياة آراء أناس ثقات .

ولكن " دوديه " لم يوهب ما وهب أولئك الأفذاذ . ولقد جعلته رغبته في إرضاء قرائه والترفيه عنهم أشد الكتاب قابلية لآثار العقول القديمة . وقد كان هو على الرغم من ذلك كله له ذوق في الأدب ، إذ كان قادرا على أن يخلق مواقف وشخوصا وأن يصف تلك المواقف ، وأن يرسم تلك الشخوص ، في أسلوب هو غاية في الدقة ، وآية في

السلاسة والوضوح . وأقرب كتبه تمثيلا لمذهبه هذا هو كتاب " رسائل إلى طاحونتي " . فقد سار فيه على سجيته لولا أنه كان أقل تشبثا بالخيال ، وأكثر حيلة ودهاء .

وكان " دوديه " لا يلقي بالا إلى المسائل السياسية ، بل قلما كان يقرأ صحيفة من الصحف التى تدور موضوعاتها حول تلك السائل .

و " الفونس دوديه " يتناقض مع الكتاب الواقعيين . ذلك لأنهم قوم لا يعرفون غير العمل المضني ، ولا يعرفون إلا التعمق في الدرس ، وإلا الاهتمام بكل شئ مهما يكن دقيقا أو ضئيلا ؛ فلا فرق عندهم بين الكتابة عن مناجم الفحم مثلا ، وبين الكتابة عن الرسوم اليابانية . وإنه لمن اليسير على من أراد وصفهم أن يلخص عاداتهم ، من أن يأتي بتعريف لمبادئهم ؛ ذلك لأن صفة الواقعيين قد لحقت كتاب هم جد مختلفين ، حتى لقد أصبحت تلك الصفة كالقاعدة النحوية التي كثرت فيها الاستثناءات .

وقد كان " فلوبير " يكره أن يلقب بالواقعي ، وهو الذي كان يسميه " زولا " بموسى الواقعية . وكان " زولا " نفسه يتسمى " بيهوذا الواقعيين " . وأحد هذين الكاتبين يتابع الفن ويقتفي آثره . وذلك حبا في الفن لذاته ، والآخر يتابع الفن من أجل العلم لذاته ، وكلاهما - فيما يبدو - كانا متفقين على أن يحاولا وصف الحوادث وصفا موضوعيا كما يراها شخص سليم العقل ، غير منفعل باثر من آثار تلك الحوادث .

وكان " دوديه " يحسن الإحسان كله إذا كتب في الموضوعات التي يألفها ، سواء أكانت تلك الموضوعات تقوم على تجاربه الخاصة ، أو علي الحوادث التي تجري في باريس بين سكان بلاد الجنوب ، وهي البلاد التي أنجبته ، والتي لم يزرها بعد أن تخطى الشباب إلا قليلاً.

والحق أن باريس كانت عند " دوديه " الملجأ والملاذ التي تؤوي كل الأقوام الأذكياء والتي يلقى فيها الناس الرفاهية الحقة والعيش الرغيد . فإذا جاء دوديه " وأثنى مرة على بلاد الجنوب ، فإنه إنما يقصد بهذا إلى الحط من قدر باريس ؛ وذلك عندما تنتابه نوبة من نوبات الغضب على تلك المدينة ...

اشترك في نشرتنا البريدية