١ - أسطورة كومنيوس أو قصة حياته
كومنيوس هي الصيغة اللاتينية لأسم المؤلف ، أما اسمه الأصلي فهو : أموس كومنسكي ( ١٥٩٢-١٦٧٠ ) ، وهو رجل من أمة " التشك " كان من رجال الدين ، وقد نذر نفسه للعلم والدرس ؛ فقضى عمره ، دارسا ومعلما ، وقد ذاع صيته لتجديده في طرائق التعليم ، وبخاصة ما كان منها متعلقا بتعليم اللغات ، وهو أول من عمل كتابا لتعليم الأطفال مزودا بالصور .
وحياة " كومنسكي " قد قصتها في سطور قليلة " الآنسة دوروني براني " في المقدمة التى كتبتها لهذا الكتاب ، وهي تقول : " إن قليلا من الناس من رأي البؤس والشقاء كما رآهما كومنسكي " .
وهي تقص علينا نبأ اليتم الذي أصابه وهو صغير ، وتقول : إن أباه كان نجارا في " موراقيا " وإن المترجم له قد فقد بيته ومكتبته أثناء فظائع حرب الثلاثين سنة . ثم تنبئا أنه فقد بعد ذلك زوجته وأبناءه
ثم تحدثنا أنه لما كان في " بوهيميا " مشي في ركاب " الأمير شارل " وانه لما نزل في بولندة نادوا به رئيسا للأساقفة ، وهناك أيضا خسر بيته ومكتبته بتحريض من رجال السوء .
واستدعته انجلترا في عام ١٦٤١ للاستفادة من خبرته وتجاريبة في مسائل التعليم وأجزلت له الوعود ، ولكن زيارته لم تدم طويلا فقد غادر انجلترا عام ١٦٤٣ على أثر هياج وشغب .
واستقر المقام آخر الأمري بهذا اللاجئ العجيب في مدينة أمستردام عاصمة " هولندا " وكان ذلك أثناء اشتداد الخلاف المذهبى .
وقد تنبأ هو بأنه لن يجييء عام ١٦٧٢ حتى يبعث الله من مراقدهم بعضا من الشهداء يحكمون العالم مع السيد المسيح . ولكن عجز هو من أن يمتد به العمر حتى ذلك الحين لكي يعرف أن أملا آخر من أماله العديدة قد خاب ولم يكتب له التوفيق .
ويبدو أن شهرته في انجلترا قد قامت على ولعه بمسائل التعليم وعلى أنه صاحب فكرة تكافؤ الفرص لكل راغب في العلم ، وانه صاحب نظريات أخرى في مسائل المجامع العلمية ، وانه كانت له اليد الطولي في إنشاء الجمعية الملكية .
وفي الكتاب الذي بعث به الشاعر " ملتون " إلي صديقه " سمويل هارتليب " ، ) وهو كذلك صاحب رسائل في مسائل التعليم ، توفي حوالى عام ١٦٧٠ ( ينعي على كومنسكي - في غمز خفيف - آراءه النقدية .
وأحسن كتب كومنسكي وأبدعها هو كتابه الذي سماه " التيه أو المفازة " وقد كتبه باللغة البوهيمية عام ١٦٢٣ ونشره عام ١٦٣١ ، وبقي في لغته الأصلية حتى ترجمه إلى الإنجليزية في عام ١٩٠١ " الكونت لتزو " ، وقد أعيد طبعه هذه الأيام طبعا أنيقا مصورا .
ويقول العارفون إن هذا الكتاب يذكر القارئ بكتاب اسمه " رؤيا لانجلاند " نعي فيه كاتبه على أهل زمانه شرورهم ونقائصهم .
" ولانجلاند " هذا رجل ولد ومات في القرن الرابع عشر . وكذلك يذكره بكتاب رحلة الحاج " لجون بنيان ( ١٦٢٨-١٦٨٨ ) ، وفيه يقص بنيان قصة رجل أثقلته ذنوبه وأخافه وعيد يوم الحساب فارتحل إلى مدينة صهيون أو أورشليم ، وهي التي يسميها بنيان في كتابه " المدينة السماوية " وهناك بعد عناء كثير وبعد أن لقي كثيرا من الخاطئين ، وبعد أن عبر نهر الموت فتحت له المدينة المقدسة ذراعها تستقبله .
ويقولون أيضا إن هناك شبها قريبا بين ما جاء في هذا الكتاب من سخرية وتهكم وبين سخرية سويفت وتهكمه . وكومنسكي يخاطب القارئ بقوله في مقدمة ديوانه :
أيها القارئ . . إن ما تقرأه في هذا الكتاب ليس شعرا وإن كانت فيه من الشعر مشابه وملامح .
ثم يستطرد فيقول : إن في هذا الكتاب مادة قوامها الصدق ، فإذا أحسنت الفهم أيقنت أني لا أنطق عن الهوي .
ورحلته التي ضمنها كتاب التية أو المفازة تنتهي في الجنة التي أزلفت للمتقين حيث لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما . .
٢ - صحفي عجوز يقص قصة الايام الخالية في كتاب عنوانه " أول من أمس "
هذا الصحفى العجوز هو " روبرتسون سكوت " . وهو اليوم في الخامسة والثمانين من عمره . وقد بدأ يعمل في الصحافة يوم كان عمره عشرين عاما ، وهو يعني أكثر ما يعني بالكتابة في الموضوعات الخاصة بالريف .
وقد جعل لكتابه هذا - من باب التواضع - عنوانا مكملا هو " مذكرات رجل من الأميين " وجعل في صدر الكتاب صورته يوم كان يرفل في ملابس الطفولة .
وقد كان أبواه من قوم اشتهروا برجاحة الرأي وأصالته ، فشب الولد مهذبا قوي البنية ، وكان فرق ذلك وسيما قسيما أما أسلافه الأقدمون فكانوا سلالة آباء من البستانيين والرعاة والزراع ، فورث منهم حب الزراعة والأرض وأصبح حجة ثقة في كل موضوع يتصل بالرعي والأرض والزراعة
وهو لم يذق الخمر أبدا ، ولم يدخن يوما من الأيام وكان نباتيا لا يأكل اللحم إلا إذا اضطر غير باغ .
وقد بدأ الكتابة وهو ما يزال طالبا في المدرسة فكان يكتب مقالا قصيرا في مجلة أسبوعية لقاء نسخه مجانية من تلك المجلة .
وظلت الكتابة في الصحف والمجلات هوايته المحببة ، بل هوايته الوحيدة . وقد أوني أذنا " إخبارية " تلقف كل ما يهمس به الهامسون . وقد درس طبائع الناس كلهم في مشارق الأرض ومغاربها . فقد عاش زمنا في الولايات المتحدة الأمريكية ، وفي اليابان ، وطاف حول الأرض مرتين .
وهو يصور لقارئ كتابه - فيما يصور - الحياة في قرية هادئة منعزلة يوم كان يستطيع ان يشتري ثماني عشرة بيضة بشلن واحد . وهو يقفي على ذلك بقوله : ومن حديث الاكل يرجع المرء ، أو يتقدم ، إلى حديث الشراب في تلك الأيام ، أيام الخشونة والجلافة ، أيام كان الناس المثقفون ذوو المناصب والرياسات يشربون الخمر بالكبير وبالصغير ، ولسان عربيدهم يقول :
إسقني قهوة بكوب كبير ودع الماء كله للحمير
وأيام كانت مدينة " جلاسجو " تقوم الخمارات فيها في كل زاوية وركن ، وأيام كان عدد السكاري في تلك المدينة لا يقلون ليلة الأحد عن خمسة عشر ألفا ، ويوم كانت لا تعقد الصفقات إلا على رنين الكئوس . ويوم كان الكاتب الإنجليزي شارلس ديكنز " يبدأ يومه بكأس من " الروم " وهو ما يزال في سريره . فإذا انتصف النهار شرب النبيذ الإسباني ، وشرب خمر " شمبانيا ( عند الأصيل ، وأما قبيل النوم فكل خمر تحب .
وهو يقول إنه لما كان في الثامنة من عمره كتبت إحدى المجلات النسائية تقول إنه لا حرج على المرأة أن تشرب الخمر على أن لا يزيد المقدار عن ثماني كئوس كل يوم .
وكان رعاش السكاري مرضا شائعا يومذاك . وكان مرض السل ثمانية أضعافه اليوم .
ومن الغريب أن إحدى شركات التأمين قد رفضت أن تؤمن على حياة أحد الأفراد بحجة أنه كان لا يذوق الخمر .
وقد عقد المؤلف فصولا من كتابه على الأزياء والعادات التي كانت شائعة يوم كان شابا ، فيصف المرأة في ثوبها المنتفخ ، وهو ما قد يجوز تسميته بالنقية أو " العظامة أو الحشية " وهو يقول إن المرأة التي تحرص على حسن سمعتها ونقاء سيرتها ما كانت تجرؤ أن تركب بمفردها في عربة مقفلة ذات مقعد خلفي للسائق .
وهو يقول إن الرجال كانوا يتخذون من شعور نسائهم سلاسل لساعاتهم .
وفي فصل عقده عن ذكرياته في أيام الدراسة يقول : إن تعلم " الخط " كان عنده أمرا عسيرا غاية العسر ، وإن مدرسا من المدرسين كان مرذول السيرة فانتهى به الأمر إلى أن يصبح كاتبا في مغسلة من المغاسل ، وإن التلاميذ في زمانه كانوا يربطون حول أكفهم بعض شعرات من شعر الخيل على أمل أنهم إذا ضربوا تكسرت العصى ، أو على الأقل فقدت الضربة حدتها
ثم يستطرد فيقول : إنه لم يتعلم في المدرسة نظم القوافي ، وهذا ما جعله لا يتذوق طعم الشعر فيما استقبل من سنى عمره الطويل .
وفي الفصل الذي عقده عن أضواء الأيام الخالية يحدثنا عن قطارات السكك الحديدية ، وعن المطاعم التي تقدم " المرق " ولا شئ غير " المرق " وعن الرسائل الغرامية المنمقة المعطرة ، وعن الجلادين الذين كانوا يتولون
شنق المذنبين ، وعن " عمال النور " وعن السادة الأمجاد الذين كانوا لا يرون بأسا في امتطاء الدراجات . وعن عدم اختلاط الجنسين في حمامات الشواطئ . وهو يقول : إن كل امرأة كان حتما عليها أن ترتدي رداء يغطى جسمها من الرقبة إلى الركبتين ، وذلك فوق سراويلات قصيرة . وكذلك كان حتما على الرجال أن يرتدوا رداء" كاملا إذا نزلوا البحر يستحمون .
وهو يقول : إن ذلك العصر كان عصر وقار واحتشام بالغين إلا عند أفراد الطبقة الدنيا .
وهو يقول : إن نساء العلية من القوم قد حرفن مسودات كتاب " دليل النبلاء والأشراف ذلك لان ذلك الدليل قد نشر تواريخ ميلادهن ) والمعروف اليوم كما يقول مؤلف الكتاب - أن هذه التواريخ تنشرها مجلات يوم الأحد نقلا عن أقرباء أولئك السيدات )
وهو يروي حكاية لطيفة عن جماعة من رؤساء الأساقفة في انجلترا تقدموا إلي الملكة بشكاية يعلنون في نهايتها أنهم لن يستطيعوا أن يكونوا في حضرتها في حفلة افتتاح مهرجان قصر البلور ) الذي اقيم عام ١٨٥١ ( إلا إذا غطيت جميع التماثيل العارية تغطية كاملة شاملة .
وهو يقول : إن النساء في القرن التاسع عشر كن ينزلن للعمل في المناجم وهن مقيدات بالسلاسل ، وإن الأطفال كانوا يعملون كذلك في المناجم وهم في سن الخامسة أو أقل .
وكان رؤساء منظفي المداخن يدلكون أيدي الصبية بماء شديد الملوحة لتخشن جلودهم قبل أن يسمحوا لهم بالصعود إلى فم المداحن . وكانوا إذا تسلخت ركبهم غطست في الماء الشديد الملوحة مرة أخرى . ولكن الأحوال تحسنت تدريجيا بعد ذلك بفضل مساعي المصلحين .
وهو يقص على القارئ أن " جون رسكن " كان ينعي على السكك الحديدية وجودها . فقد كتب رسالة إلى واحد من أصحابه وذلك عام ١٨٨٧ ، وهو العام الذي احتفل فيه بيوبيل الملكة فكتوريا يقول :
لست أريد أن اكتب أكثر مما كتبت عن السكك الحديدية ، فإن نفسي لتغني كلما مر ذكرها مخاطري وهي أسوأ عمل عمله الشيطان ، فهي زلزال متنقل وهي المدمرة لكل جمال بالغت الطبيعة في خلقه وإبداعه
وهي عندي ليست تزيد عن عربات تحمل أرواحا ملعونة في طريقها إلى قبورها ، أو في طريقها إلى جهنم . .
وفي فصل من أواخر فصول كتابه يقول : إنه تعلم فن الاختزال وإنه لقي " سير إيزاك بنمان " صاحب طريقة الاختزال المعروفة باسمه . وقد كان مثله نباتيا ، وقد أهداه كتابا له يعتبر أهم مرجع في فن الاختزال .
وهو يقول إن هذا الكتاب قد أفاده فائدة كبرى يوم كان يعمل تحت إمرة الصحفي المجاهد الجريء " وليم توماس ستيد " ) ١٨٤٩-١٩١٢ ( الذي كان من أنصار السلام العالمي ، ومن دعاة الإصلاحات التشريعية ومن المصدقين بمناجاة الأرواح ، والذي غرق مع اللذين غرقوا في الباخرة تيتانك " .
٣ - لست استعذب طعم القعود كتاب من تاليف " وبلارد بريس "
اختار المؤلف لكتابه هذا الاسم ، ذلك لأنه يرى نفسه كأنه خلق موكلا بفضاء الأرض بذرعه ، وهو يقول : إنه لا يعدم في تطوافه أن يرى مشهدا يستحق وصفه أن يدون ، أو قصة مستملحة تقص وتروي .
وهو رجل كأنه خلق لملاقاة المخاطر ومعاناة المشاق ، وكأنه أوتي القدرة على أن يجعل من أية خيوط يلقاها ثوبا جيد الحيك . وليس كتابه هذا بقصة رحلة إلى إقليم بذاته أو إلى بحر بعينه ؛ إنما هو مجموعة من الذكريات دونها . وقد جلس في بيته جلسة يجتر فيها مامر به من حادثات في كثير من أنحاء الدنيا مذ كان طفلا
والكتاب كذلك ليس ترجمة ذاتية وإن كان ينحو هذا النحو . وقد كان المؤلف صحفيا تخصص في كل فرع من فروع الصحافة . بعث مرة ليرتاد صحراء جوبي " في " منغوليا " وارتحل مرة إلى جزيرة " سومطرة ، وسافر مرة ليلقي المهاتما غاندى . وركب مرة " فلوكة في النيل من بلاد النوبة .
ورجل هذا شأنه إذا جلس يوما يشرب الشاي في ركن هادئ من أركان حديقة بيته كان أمره عجبا .
فإذا فتحت فصلا آخر من هذا الكتاب لم تعرف أين طاف بك المؤلف وأية طريق سلك ، حتى تفيق على وصف
