١ - رابليه زعيم الساخرين كتاب من تأليف: ماري باتريشيا ويلكوكس
لقد ولي عهد العصور الوسطى قبل أن تغزو العالم قوى مختلفة كثير عديدها . ومن بين تلك القوي نذكر: الإصلاح الديني، ونهضة العلوم والآداب، ونشر العلوم والمعارف عن طريق المطبعة، ثم الكشف عن قارة جديدة، وأخيراً وليس آخراً نذكر غزو الضحك، وهو ذلك الغزو الذي لا يستطاع صد هجومه، وكأن سلاح هذا الغزو نبوت من النبابيت القوية أمسكت به يد عملاق، هو زعيم الساخرين الفرنسيين، واسمه "رابليه".
( وقبل أن نخوض في هذا الحديث نذكر أن "رابليه" (١٤٨٣-١٥٥٣) كاتب من الكتاب الفرنسيين، كان قد أبدى منذ فجر شبابه ميلا إلى العلوم، فدرس اليونانية واللاتينية، كما درس التاريخ الطبيعي، والتاريخ العام، والقانون، والرياضيات. واشتغل مدرسا للعلوم الطبية في جامعتي "مونبليه" و "ليون". وله مكتشفات معروفة في علم التشريح.
ومن مميزات أسلوبه صراحته وقدرته العجيبة على إبراز الفكرة وتوضيحها، تعينه في ذلك روح نفاذة، عنصراها السخر وقلة الاحتشام.
وقد كان لرابليه أثر أي أثر في كتابات الكتاب الساخرين من الإنجليز: " فيلدنج" و "سموليت" و " سويفت ".).
وتقول الآنسة "ويلكوكس" إن أبا "رابليه" كان محاميا، ولم يكن صاحب فندق كالظن السائد بين الناس. والرأي عندها أن هذه الأسطورة قد كان مبعثها أن البيت الذي ولد فيه "رابليه" قد صار - فيما بعد-
إلى فندق، وتضيف إلى ذلك قولها إنها لا تستمسك كل الاستمساك بقولها إن أباه كان رجلا من رجال القانون.
والصبي "فرانسوا رابليه" تلقى تعليمه في دير من الأديار وأصبح بعد حين واحدا من رهبان "الفرنسيسكان". وبقى كذلك إلى أن ركبه العار ولزمته الفضيحة، وذلك لقراءته كتباً كان لا يراد له أن يقرأها، وكان هو يصر على قراءتها. واستتبع هذا أن يترك شيعته وأن ينضم إلى شيعة "البيتديكتبين" تحت رعاية أسقف صديق.
ثم درس " رابليه الطب في جامعات مختلفة، وظفر أخيرا بالشهادة من جامعة "مونبليه" وهي الجامعة التي اشتهر علمها بالطب في جميع انحاء فرنسا وعمل زمناً كطبيب في مستشفى مدينة "ليون" مشرفاً على علاج مائتى مريض، وكانت مدينة "ليون" يومذاك مدينة المستنيرين ذوي الثقافة، وكانت ذات شهرة واسعة بكثرة مطابعها، ولم يلبث "رابليه" الطبيب أن أحيط بجماعة من ذوي الفضل الذين كانوا يحفزونه إلى التزود من العلوم والمعارف.
وفي يوم من أيام الموالد في مدينة "ليون" يبعث أول قصة من القصص الشعبية الهزلية. وكانت تؤرخ حوادث عملاق اسمه "جارجانتوا" وهو ذلك الاسم الذي أوحى إليه بفكرة كتابه الضخم الذي سماه بهذا الاسم، وهناك بدأ يكتب قصصه عن العملاقين "جارجانتوا" و "بانتاجريل". وهناك أيضا لقي الكاردينال "جان دو بللامي" الذي كان مسافرا إلى "روما" في مهمة سياسية. فدعا "رابليه" إلى أن يصحبه كطبيب خاص. واتفق أن كان لهذه المهمة صلة بالخلاف الذي كان على وشك أن ينشب بين البابا وبين الملك هنري الثامن فيها يتعلق بمسألة تطليق الملك من الملكة كاترين "داراجون".
ولم يكن الكاردينال إلا واحداً من أصحاب "رابليه" ذوي السطوة والنفوذ، وكان دائماً من كبار حماته. وكان
"رابليه" حسن الحظ في هذه الناحية؛ ذلك أنه على الرغم مما كان يقترفه من أمور تجافي الحكمة وتنافي الحياء، وعلى الرغم من مصادرة كتبه، فإنه لم يذق يوما طعم العذاب الذي ذاقه أنداد له من قبل.
وكان "رابليه" يزن بالفحش والبذاءه ولم يكن هذا مستغربا منه، وكذلك كانت آراؤه تخالف رأي الجماعة، إن لم تكن هي في ذاتها آراء زنديق، وفي ذلك تقول الآنسة ويلكوكس:
" إنه عند الكانوليك كان يحسب بروتستانيا، وعند البروتستانت كان يحسب منكرا وجود الله، وعند الجماعتين كان يحسب العدو الذي لا تلين قناته لكل فضيلة واحتشام.
ولكنه على الرغم من ذلك كله قد أوتي موهبة كبرى. هي موهبة القدرة على إضحاك الناس؟.
وقد وصفه "ولز" في كتاب من كتبه بقوله: إنه كان كالبركان الذي يقذف من فوهته سيلا من الحمم التي تدمر كل ضلالات المتحذلقين الذين ركبهم الغرور.
وكلمة "السيل" هي أنسب الكلمات لوصف تلك الفيوض من المبالغات الضخمة ومن السخرية الجافية اللاذعة التى كان يهاجم بها تلك الحماقات المتحجرة التى كانت سائدة في دنيا القرون الوسطى.
ولم يكن " رايليه " يصطنع اللاتينية في كتاباته، إنما كان يستعمل اللغة الفرنسية التى كان يفهمها عامة القوم، مثله في ذلك مثل "تشومر" عند الإنجليز، وقد كان يكتب بأسلوب العامة.
وكان " رايليه " يرى أن الضحك نافع للصحة ، وأنه علاج للسوداء، وانه خير علاج للعقول المريضة.
وكان كذلك لا يرجو للاحتشام وقاراً، ويكفي للدلالة على هذا أن يقرأ لامرء وصفه للجحيم حيث يجعل "فرسان المائدة المستديرة يعملون كماهنين وخدم، وحيث يجعل بعض الباباوات يعملون أعمالا يدوية؛ وعمل القول أنه كان لا يوقر أحداً من الناس، ولا شيئا من الأشياء.
وقلة المال عنده هي إحدى الكبر، وكان نهماً، وكان محباً للمذائذ والشهوات، وهو في تصويره لأشخاصه أشبه
الناس بوالتر ديزني. مخرج الصور التحركة المعروفة باسمه اليوم عند رواد السينما.
وفي كتابها "الفيلسوف الضاحك" تجيء المؤلفة بتحليل دقيق نافع لمؤلفات "رابليه" وهو تحليل له قيمته الخاصة لدى أولئك الذين لم يكن لهم عهد بنصوص كتبه من قبل، وهي ببراعة وصفها تصور للقاريء فرنسا القرن السادس عشر بقباقيها الخاقفة فوق أرض القرى، وبأعباد زهورها في مدينة "تولوز" وبشوارعها المزدحمة الضيفة في مدينة باريس.
ثم تجيء المؤلفة بتفصيل لسيرة " فرانسوا فيبون" شاعر الرعاع والسفلة، وهو الذي كتب عليه - وإن يكن قد تقدم به الزمن فمات قيل مولد رابليه - أن يكون رائداً له في كل ما كتب.
وكلا الرجلين كان ساخرا مستهزئاً، وكان صادقاً فيما أخذ نفسه به، وكلاهما كان يكره النفاق ويبغض التفاخر. وكلاهما قد أسكره سحر الكلمات، والفرق بينهما أن " فيبون" كان شعاره: "إني أضحك من خلال الدموع" وان " رابليه " كان شعاره "إني أضحك في غير دموع" .
ومن اسم "رابليه" اشتقت صفة من الصفات التي زادت في ثروة اللغة. وهذه الصفة هي " الرابلهية" نعتاَ للمزحة الجافية وللسخرية اللاذعة.
وقد اشتهر "رابليه" في العالم أجمع كواحد من أذكى الشخوص، ومن أشدهم غلظة، ومن أكثرهم مرحاً في تاريخ الآداب الأوربية.
ويرى البعض أن كتابي "جارجانتوا" و "بانتاجريل" إنما أراد بهما "رابليه" أن يصور آراءه في المسائل المتعلقة بالحرب، ويتعلم الأطفال، وبتنظيم حياة الأديار.
وقد نشر كتابيه هذين تحت اسم مستعار هو: " الكوفربياس نازية Alcofrbss Naaicc "وهما كلمتان اجتمعت فيهما حروف اسمه وقد "Faancois Rabclois" وقد عولجت تلك الحروف بطريقة القلب والإبدال ...
٢ - الصحيح من أخبار "لورنس" كتاب من تأليف "دافيد جارنت"
إذا ذكر "توماس إدوارد لورنس لورنس" المعروف بلورنس البلاد العربية. قالت كتب التراجم: إنه ولم عام ١٨٨٨ ومات عام ١٩٣٥، وانه استبدل اسم "شو" باسمه عام ١٩٢٧، وأنه كان من المشتغلين بالكشف عن الآثار القديمة، وأنه كان جندياً، وكان كاتباً من الكتاب، وأنه من أهل "ويلز" وانه تلقى تعليمه في جامعة "اكسفورد" ، وكان من رجال البعثة البريطانية التي أرسلها المتحف البريطاني للكشف عن مدينة "كركميش" الواقعة على نهر الفرات، وظل يعمل هناك أربع سنوات (١٩١٠-١٩١٤)، وأنه خدم في الحرب العظمي حتى عام ١٩١٧، وألحق حينئذ بمعية الجنرال "ونجت" في حملة الحجاز، ثم ألحق عام ١٩١٨ بمعية الجنرال "المنبي"، وأنه كان من قواد الثورة العربية ضد الأتراك، وهي الثورة التي وصفها في كتابه "أعمدة الحكمة السبعة" وفي المختصر من ذلك الكتاب الذي سماه "الثورة في الصحراء" وأنه دعى لحضور مؤتمر الصلح الذي عقد في باريس عام ١٩١٩، وأنه عمل مستشاراً في المسائل العربية في القسم الخاص بالشرق الأوسط بوزارة المستعمرات البريطانية، وأنه أقال نفسه من هذا العمل في عام ١٩٢٢ والتحق بفرقة الطيران كطيار عادي ، متخذا لنفسه اسم "روس"، وكان ذلك - فيما يبدو - بدافع من الرغبة في الاختفاء عن أعين الجماهير.
وأنه نشر ترجمته للأوذيسيه عام ١٩٣٢، وأنه قتل في حادث تصادم يوم ١٩ من مايو عام ١٩٣٥.
واليوم يجيء مؤلف كتاب "الصحيح من أخبار لورنس" فيقول:
نشرت صحف الأخبار أنه في اليوم الثالث عشر من مايو عام ١٩٣٥ بينما كان "توماس إدوارد شو" يقود سيارته بسرعة هائلة وهو في طريقه إلى بيته الريفي ، رأى أمامه صبين من صبية "المراسلات" يسدان الطريق بعجلتيهما فراغ إلي الجانب الآخر ليقيهما شر الاصطدام ، وتلقى هو
الصدمة، وكانت صدمة قوية فمات على الأثر، وبعد خمسة أيام أعلن نبأ وفاة "لورنس البلاد العربية، وهذا الخبر عار عن الصحة. ذلك لأن "توماس إدوارد لورنس" المؤرخ ورجل الآثار، والذي أصبح فيما بعد قائداً للثورة العربية، كان قد مات من قبل، وكان موته في اليوم الثلاثين من أغسطس عام ١٩٢٢. بينما الطيار "جرون هيوم روس" (وهو الأسم الذي قيل إن " لورنس " كان قد اتخذه لنفسه ) كان أثناء الحرب العالمية الثانية لا يزال حياً يرزق، وكان يعمل في مصلحة الدعاية البريطانية.
وقص "جارنيت" قصة حياة "لورنس" ذلك الرجل الذي راح ضحية العراك بين حياته العامة، وحياته الخاصة، مبتدئاً بصورة نسج أصدقاؤه خيوطها ، ولفقوا ثوبها لفقاً، ومعتمدا بعد ذلك على نتف اقتبسها من كتب "لورنس" وذلك ليصور للناس نفسية "لورنس" الكثيرة التعقيد.
ويقول المؤلف إن "لورنس" في صباه كان متسلقاً بارعا من متسلقي الجبال، وكان قوي البنية، وكان رياضياً ممتازاً، ولكنه ما كان يوما من لاعبي "الكريكيت" وكرة القدم اللتين بشترط فيهما اتباع أدق شروط النظام، وفي هذا ما يدل على ما كان كامناً في نفسه من الميل إلى حرب العصابات، وعزوفه عن الحرب النظامية.
وكانت هوايته دراسة التاريخ، والكشف عن الآثار، وقد حفظ عن ظهر قلب - يوم كان سبباً - كتاب "لاي يارد" عن حفريات "نينوى". وقد درس يوم كان طالبا فن بناء الحصون في فرنسا، وفي "وبار" وفي سوريا. وقد نال أول شهادة له في "التاريخ" عن بحث قدمه عن حصون الصلبيين، كما أظفره هذا البحث بعضوية بعثة "هو جارث" في حفريات مدينة "كركميش". (على نهر الفرات).
ومن دراسته لمشكلات الحروب الصلبية أتقن استراتيجية المعارك التي قدر له فيما بعد أن يخوض غمارها ضد الأتراك.
ويقول المؤلف إن "لورنس" قد رأي - يوم كان طالباً - فتى يافعاً يتعارك مع صبي صغير على الرغم من عدم تكافؤ القوتين؛ فلما راح يأخذ يناصر الصبي الضعيف أصابه كسر في مفصل القدم، ولكنه لم يشك ولم يتأوه، وصفة الصلابة هذه هي التي جعلته قادراً علي احتمال أخطار الحميات
وآلام الجروح التي أصابته فما استقبل من أيام حياته.
وقد أخذ "لورنس" نفسه منذ فجر شبابه بإتقانه اللغة العربية، وبالتعود على عيش التقشف والخشونة، ليكون في هنا كالعرب أو أشد احتمالاً، وبأن يروض نفسه على أن يعمل أي عمل يوكل إليه أحسن مما يعمل الآخرون، وأن يفطم نفسه عن كل مشتهياتها، وأن يجعلها قادرة على احتمال شدائد الحروب.
وكان " لورنس " كزميله الرحالة "شارلس مونتاج دوني" ( ١٨٤٣-١٩٢٦) متدلهاً في حب الصحراء، مسحورا بفتنتها وجمالها، ومغرماً بصمتها وسكونها، وبطريقة العيش التي فرضتها على أبنائها.
ولو لم تكن هناك حرب لفضل "لورنس" أن يعيش بين العرب كواحد منهم، على أن يقبلوه كرجل انجليزي يحبهم ويحنو عليهم، وعلى أن ينفي منهم التوفير والتكريم كرجل من جنس يخالف جنسهم.
والحرب عند "لورنس "كانت أم الرزايا، فقد كان رجلا إنجليزيا يريد لأمته أن تكسب الحرب بأي ثمن. وكان يوقر العرب، ويحترم رغبتهم في الاستقلال. وكان يعرف أكثر من أى إنسان آخر كيف يستخدم القوات العربية غير النظامية في سرعة الانقضاض على العدو، وفي تعويق سير جحافله، ووقف تقدمها.
ومراثه العقلي على رسم الخطط قد كان يملؤه غبطة وسروراً، ذلك لأنه كان يفطرته فناناً محارباً.
وقوق ذلك فقد كان يعرف أن الوعود التي قطعتها على نفسها الحكومة البريطانية هي وحلفاؤها قد كانت وعوداً جوفاء ساخرة.
وكذلك كان يعرف أن يريطانيا وروسيا وفرنسا قد بيتوا الأمر على أن يشققوا البلاد العربية تشقيقاً، وأن يخلقوا منها مناطق نفوذ، وكذلك كان يعرف أنه يتخذ من غيرة العرب وتضحيتهم بأنفسهم وسيلة يلقون بها عن كاهلهم سيداً واحداً، ليحل محل ذلك السيد ثلاثة أسياد آخرون.
وكانت كل لحظة من الزمن الذي تولي فيه القيادة تنطوي على التضحية من جانبه بنزاهته وميول نفسه في سبيل سياسة القوة التى كان يبغضها ويمقتها. فقد كان يحب الأمة التركية - التي أثار عليها ثائرة العرب - حباً قد يفوق
حبة للبلاد العربية. ولكم راعه. واثار غمه وحزنه أن يرى الشبان الأراك يلقون حتفهم وتتناثر أشلاؤهم فوق الرمال.
وعلى الرغم من أنه كان زعيماً عبقرياً من غير النظاميين فإنه كان يكره احتمال أعباء القيادة والزعامة. كما كان يكره الإمعان في التقتيل، كما كان يكره خيانة المقودين بزمامه، والمؤتمرين بأمره.
وهذه الكوارث التي أسلفنا القول عنها مضافة إلى التعب الجسماني الذي قاساه عدة سنوات، في جو مجمع بين القيظ القائظ والبرد القارص، مضافة كذلك إلى الجروح التي أصابته، وهي جروح تكفى لقتل ستة من الرجال الأقل احتمالا.
كل هذا قد أدى إلي انهيار إرادته القوية، وذلك فور انكسار حدة الحرب، وقبل انفراج أزمتها.
وقد قال واحد من المتحدثين عنه : إن "لورنس" في ساعة الخطر يري نفسه مفقوداً إلى أن يخون حتى نفسه، وذلك في سبيل إنقاذ بلاده وأمته.
٣ - كتابة التراجم الذاتية للكاتب ستيفن سبندر ( ١٩٠٩ - )
كاتب هذا الكتاب لا يعد من الغرباء في هذا الفن. فن كتاب التراجم. فجده لأبيه هو الروائي (هيولاند سيندر) ( ١٨٢٨-١٨٩٥).
وأبوه " إدوارد هارولد سيندر " (١٨٦٤-١٩٢٦ ) كان صحفيا ومن كتاب التراجم والروايات . وقد ترجم لحياة "إسكويت" و "لويد جورج". وعمه الصحفي الإنجابزي " جون ألفرد سبندر " (١٨٦٢-١٩٤٢) وكان من حزب الأحرار .
وقد قال مؤلف هذا الكتاب الشعر وهو في الخامسة عشرة من عمره. ولما دخل جامعة اكسفورد كان يرعاه الشاعر الإنجليزي " أودن". ثم ذهب إلى ألمانيا في اعقاب الحرب العالمية الأولى، ورحل منها إلى النمسا.
وعاش في مدينة "فينا" . وذاق فيها كئوس الحب مترعة. ثم خطب زوجته الأولى بعد ثلاثة أيام من اللقاء الأول. ثم تزوجها بعد ثلاثة أسابيع.
وهو يقول في كتابه : إن فن التراجم الذاتية هو أصعب
فنون الكتابة كلها. ذلك لأن شعاره القولة المشهورة: " إعرف نفسك" . وهي قوله تنسب حيناً إلى "طاليس" وحيناً إلى "صولون" المشرع اليوناني، وحيناً إلى "فيثاغورس" وحينا إلى أناس آخرين.
والذي لا جدال فيه أن كل الناس يحاولون أن يعرفوا أنفسهم ، وهم يعبرون جسر الحياة. وإن كان مما لا شك فيه أنه في نهاية العمر قد يرى كل إنسان أنه لم يبذل في سبيل معرفة نفسه إلا أقل القليل؛ ذلك لأن الناس سواء أكانوا رجالا أم نساء يكتفون في هذه الناحية بالسير وسط الطريق.
وكتاب التراجم الذاتية لا يعرفون حد الاعتدال؛ فهم يعنون العناية كلها بأنفسهم، حتى لقد يبلغون في ذلك حد الجنون، جنون الأنانية.
وإلا فما بالهم يرهقون أنفسهم بمحاولة تذكر كل شئ مر بهم في حياتهم؟ فهم يتذكرون صنوف الكفاح القديم، وهم يتكأون القروح التي اندملت منذ سنين، وهم يندبون مسراتهم التي فقدوها وظلوا على اجترارها عاكفين.
ومحاولة الكتابة - والنفس هادئة - كتابة موضوعية عما يحيط بنا من أحوال هذه الدنيا، إنما هو أمر جد عسير؛ ذلك أن الكلمات قد لا تواتي الكاتب، بل هي كثيرا ما قد تخونه، فكيف بها إذا كان موضوع الكتاب خواطر قلب الكاتب، وأحوال حياته؟
إن الكتابة في هذه الناحية إنما هي كالجنون ، أو هي الجنون بعينه، والناس لا يحاولون هذه المحاولة إلا إذا جن جنونهم، وإلا إذا أحيط بهم.
"وستيفن سبندر" لم يشذ عن هذه القاعدة ، فقد قبلي تحدي الأيام، واخذ الصراحة التامة سبيلة إلى كتابة قصة حياته.
وكان مثله في ذلك مثل الكيميائي الذي وقف في معمله ممسكا في يده بأنبوب الاختبار، وهو بنظر إلى أثر أحماض الشخصيات الأخرى، وإلى فعل قلويات الظروف والأحوال في السائل الغالي الثمين - وهو النفس - القائم في ذلك الأنبوب.
واتباعاً لهذه السنة ، سنة الصراحة ، قد صور نفسه في كتابه كواحد بين مجموعة من أنداده ولدانه . وقد أزاح نفسه عن نفسه .
وهو يقول واصفاً نفسه: " إن الانفعالات كانت تسيطر على، وكانت هذه الانفعالات غاية في القوة؛ حتى لقد غمرتني بفيضها، وحتى أعاقتني عن التفكير السليم، وعن رسم خطة لحياتي، فتولتني الوساوس، وظللت لا أستقر على حال من القلق، حتى ظفرت بالعلم والتجربة ، وبفضل هذا العلم وهذه التجربة أصبحت قادراً علي أن أنظر إلي مدى أبعد من مدى تلك الوساوس".
وهو يقول أيضا: " كان بي ظمأ شديد إلي معرفة قانون أخلاقي، وكان يتنابني خوف دائم مما تسفر عنه تلك المعرفة التي قد تواجهني بالحقائق في يوم من الأيام، وإن كنت آخر الأمر قد تولتني رغبة ملحة في أن أعرف ما هو الخير وما هو الشر.
" والشيء الذي كنت لا أطيق احتماله هو أني كنت أرى أن ليس هناك موقظ وجداني، واننا نزحف في طريقنا زحفاً، وتزحف معنا ساعات العمر ودفائقه" ونحن نخدع أنفسنا، سواء في ذلك أكنا خاطئين، أو نادمين، أو تهائين ، ولكننا لن نعرف أبدأ كيف نجيب، ولن تستطيع أبدا النظر إلي الأشياء كوحدة كاملة ..."

