قال الكاتب :
إقليم دارفور " هو من بين أقاليم السودان كلها الذي قل رواده وعارفوه حتى من بين موظفى حكومة السودان .
وليس يعرف الناس من أسماء أماكن ذلك الإقليم سوى " نيالا " و كتم " و " زالنجى " و " الجنينة " وإلا " جبل مرة " . ولكن جبل " ميدوب لا يعرفه الأ من سيرته الحكومة المركزية ليشغل منصبا من مناصها في " دار فور " .
ولقد أقمت في مدينة الفاشر عدة أيام - وهي عاصمة ذلك الإقليم - وذلك قبل أن أسمع عن تلك الفتن . وبخاصة تلك الفوهة العجيبة ، وتكوينها الذي جاوز المدى في الغرابة . وهى التي تسمى " فوهة الملحة . وهى تقوم إلى شمال ذلك الإقليم واسمها في الخرائط عندهم " بير الملح " .
وإذ أنا أتأهب للصعود صوب " ميدوبا " ألقيت نظرة على مدينة الفاشر وهي الموطن القديم للسلطان " على بن دينار " وهو الذي أزيح عن ملكه عام ١٩١٦ لأنه كان ضائعا مع الاتراك .
وقصره يحتله اليوم مدير اقليم دارفور " وهو قصر تحيط به الابهه ، وتحف به الفخامة . ولقد راعني وملاني اعجابا تلك الآيات القرآنية المسطورة فوق الأفاريز .
وإذا صعد الصاعدون إلى أعلى القصر رأوا منظرا محببا لمدينة " الفاشر " وهي مدينة بنيت على حافتى واد عريض وهي تستقي من آبار حفرت في مجري النهر . وكانت أيام زيارتي في موسم القبضان . ولكن النهر يومئذ كان قد غاض ماؤه بسبب الجفاف الذي كان قد حل بذلك الإقليم في
شهر أغسطس وهو - في العادة - من أشهر المطر الغزير
وتقوم إلى جانب من جوانب القصر دور الحكومة ، وثكنات الجنود ، ثم المستشفى ، ثم بيوت الموظفين . ويقوم إلي الجانب الآخر مسجد بنى بالأجر ، وهو بناء يملأ العين نهاية وجلالا .
ثم سرت في طريقي فلقيت الأسواق المعتادة . وهى مجموعات مبعثرة من دكاكين صغيرة جوها خانق . وفيها تباع السلع الصغيرة كعقود الخرز المون والخفاف . ومنها الأحمر والأصفر ، ثم البسط النسوجة من الغزل غير الملون ، ثم التوابل بمختلف صنوفها .
ويقوم إلى جانب تلك الأسواق قصر قديم من قصور سلاطين دارفور السابقين . واسم هذا القصر خير خناقا وقد بنيت مقصوراته وأبهاؤه باللبن . وقد اخذته الحكومة اليوم سجنا من سجونها . وفي جوسق من جواسقه قامت طيلة كبيرة منعت أسطوانتها الضخمة من نحاس . وقد صبت تلك الأسطوانة في استانبول . وغطيت جوانبها بجلد ثور من ثيران " البقارة " . وكتب علي تلك الجوانب : " من أملاك " على بن دينار . وعليها تاريخ ١٣٢٤ هجرية وقطر تلك الطبقة يبلغ ست عشرة قدما .
والطيلة عند زعماء القبائل تعد كنزا من الكنوز ، فقد كانوا يتخذونها قديما في التحميس للحرب والقتال .
أما مساحة إقليم دارفور فتبلغ١٤٠,٠٠٠ ميل مربع ، وأما عدد سكانه فربع مليون ، وبلاد الإقليم من بلاد المراعى وقومه أقرب إلي البدو الرحل .
وقد كانت مطبقتنا - صاحب وأنا - عربية ثقيلة وزنها ثلاثون قنطارا . وقد سارت بنا في طريق فيه وعورة الصخور ، وفيه وعوثة الرمال . وهو طريق كان يصلح لسير القوافل أيام " على بن دينار " حيث كانت الجمال هى المطايا التي ينقل عليها العاج والصمغ والعبيد وريش النعام من دارفور إلى بلاد الوجه القبلي في مصر . ثم تعود منها محملة بالثياب وبالسلاح .
وبعد أن قطعنا أربعين ميلا بلغنا مدينة " مليط " في وادي بيضا ، وهو واد قد جفاه الغيث فاستعين على هذا النقص بإقامة خزان يحجز وراءه مليون طن من الماء . ثم عبرنا السد الحاجز . وكان طوله سنين باردة . وكان ارتفاعه ثلاثين قدما
وفي جميع أرجاء هذا الإقليم وأنحائه تعود أصحاب قطعان الماشية ، وهم أقوام من أشباء البدو الرحل ، أن يستقوا من الآبار المحفورة في مجرى النهر أو في أحد الجداول التي يدور حول نقاء مائها الجدل الكثير كالجدول المسمى " مادو " .
وجدول " مادو " هذا مجرى ماء قد شق في الصخر شقا ، وقد استغرق شقه عدة سنين .
ولما جاوزنا تلك البقاع تبدى لاعيننا واد متسع الأرجاء يكسو أرضه بساط فضى اللون تخالطه زرقة . واسم ذلك الوادي " بياض " .
وهذا البساط ترقطه أشجار قصيرة شديدة الخضرة . وتجئ الظباء فتخضم الحشيش الأخضر . ثم تجيء الطيور المائية الطويلة الساقين من جنس ، اللقالق " فتطير في الجو باحثة عن الجراد .
وقامت أمام ناظرينا سلسلة من الفتن في ألوانها المختلفة ، من سمرة دكناء إلى حمرة قاتمة ، وهي تمثل الأهرام في ضخامتها .
وتلك الفتن تقوم على مسافة مائة وخمسين ميلا في شمال شرق العاشر . وعلى مسافة أربعمائة ميل غرب الخرطوم
وفي أيام حكم السلطان " على بن دينار " كان جنود السلطان مأمورين أن يقتلوا كل غاد ورائح في طريق تلك الفتن من أفراد قبيلة " ميدوب " .
واليوم تعيش تلك القبيلة عيشة الرضا في مراعيها . وهى في حمى زعيمها " ملك محمد الصياح . وهو يقيم في " أدرور وقد تغدينا - زميلي وأنا - على مائدته .
وقد قال لي ذلك الزعيم إن عدد رعاياه يبلغ خمسة عشر ألفا ، وإنهم جميعا مسلمون على الرغم من خلو بلاده من المساجد ، ومن علماء الدين .
وكذلك قال لي : إن بعض ما يمارس في بلاده لا يتفق وما تقضى به أوامر الدين ونواهيه ، كاللجوء إلى النساء السواحر ، وكبعض الطقوس التى تؤدي ، والقرابين التى تقدم ، وكالاحتفال بعيد الحصاد في شهر أكتوبر من كل عام ، ولكنه يعلم أن الإنسان في كل مراحله منذ خلق قد
عبد الله على طريقته . ووفقنا لما أوحت به بيئته .
وفي " ميدوبيا " تقوم الطبيعة واسطة بين الناس وربهم ذلك لأنهم يعيشون أكثر أوقاتهم في الخلاء ، وهم يرعون إيلهم وضأنهم .
ولهذا الزعيم كاتم سر هو أحد القلة من الذين يعرفون القراءة في قبلته .
ولما قلت للزعيم إننا نقصد الذهاب إلي فوهة " جبل ملحة ، نقل إلينا المترجم جوابه إذ يقول : إن الفوهة قد تخلفت عن انفجار هائل في الأرض ، وإن قومه قد أقاموا حولها ، واستقرت بهم النوى بعد كثرة تطوافهم في الصحراء .
وطلب إلينا الزعيم ونحن في طريق عودتنا إلي الفاشر أن نصحب معنا واحدا من أشياخ قومه ، وقال لنا إن هذا الشيخ قد جمع من المال ثلثمائة جنيه ليستعين بها على حج البيت ، وأضاف إلى ذلك قوله لنوليه جميلا محل عن الشكر إذا صحبنا الشيخ في طريقه إلى مكة
وسألت صاحبي ونحن في الطريق : كيف استطاع صاحبنا الشيخ أن يدخر هذا المال كله ؟ فقال ان القوم في "مبدوبيا " موسرون . فهم يغدون بقطعانهم إلى أم درمان " وهى رحلة تقتضيهم ثلاثة اسابيع عبر الصحراء ثم يبيعون ماشيتهم بثمن ربح في سوق اللحوم
ونزلنا في طريقنا في محلة من المحلات ، فقدموا لنا قعابا من الحليب . ثم اررونا مكانا تنجي منه عين ، ماؤها بارد عذب ، فروينا منه أكثر مما روينا من اللبن . وكان طعم الماء أحلى وأشهى .
ونساء القوم - وهن من حوريات الماء - إذا رافك هذا الوصف يغتسلن ويغسلن ثيابهن في ذلك الماء .
ثم ساألنا القوم : هل لهم صلة بالحاكمين؟ قالوا : نعم ! وإننا المستشفى الاخبار من طبيب الحكومة المقيم في مستوصف مدينة " الملحة
وهذا الطبيب يزورهم مرة واحدة في الأسبوع ، وهو الطبيب المقر الذي يحثهم بأسطوانة ملأى بمسحوق ال " د . د . ت " يعفر بها ضانهم وحمالهم . وهم يسمون تلك الاسطوانة " قنبلة "
ولماسألناهم : هل يستطيعون هم أن يطلقوا تلك القنبلة أجابوا : نعم . إنا لقادرون . ولكن طبيب الحكومة يأتي أن ينزل عن سلطانه ؛ ذلك لأن القنبلة تحتوي علي مسحوق من مساحيق الحكومة ،

