الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 657الرجوع إلى "الثقافة"

مع الفكر الاوربي المعاصر, ١- علم النفس ونزلاء السجون، أو الستة المذنبون, ٢ - معالم الطريق في تاريخ التعليم, ٣ - أرض الصوماليين، أو الصومال الإيطالي سابقا

Share

كتاب من تأليف دكتور دونالد بول ولسون

هذا كتاب رزين رصين . جم الفائدة جزيل النفعة ، على الرغم مما يبدو لقارئه وكأنه اقصوصة من الاقاصيص ، وعلى الرغم مما تخيلته من كلمات عامية أمريكية .

وقد مؤلفة - وهو استاذ من أساتذة علم النفس - ليعمل طبيبا في إحدى الإصلاحيات منذ عشرين عاما ، ولبحث في علاقة الإجرام بمادة الإدمان على المخدرات . وظل في تلك الوظيفة ثلاث سنين . واستعان في عمله الذي كان قوامه جمع البيانات وترتيبها ترتيبا إحصائيا بسنة من المذنبين من نزلاء تلك الإصلاحية.

والكتاب في جملته ذو ثلاث شعب : القصص المتعلقة  بأشخاص هؤلاء السنة المذنبين ثم حوادث السجن العادية، ثم المعلومات الخاصة بمثل هذه الموضوعات ، كنظام العقاب عند الأمريكيين وكعلاقة علم النفس الطبي بمشكلة المخدرات .

ولم يكن علاج تلك الأدواء هدف مؤلف هذا الكتاب، انما كان همه ووكده البحث والدراسة.

والرجال المذنبون الذين كانوا يعملون معه هم - نسبيا - على قدر حال من الذكاء ؛ ذلك لان المعروف ان السجناء هم - في الحد الأوسط - قلبا والذكاء .

وقد استفار هؤلاء الستة بسبب العمل مع هذا الباحث النفساني ، الفوائد التي ما كانت تتاح لهم لو ظلوا سجناء عاديين ، ومن تلك الفوائد إحساسهم بأنهم قد أصبحوا يؤدون عملا نافسا وقد أنتج هذا الإحساس فائدة ثانوية . وهي أنهم تعلموا شيئا قليلا من علم النفس . وهذا القليل من العلم قد أعانهم على القدرة على فهم نفاسهم ، فأصبحوا بعد ذلك قوما صالحين .

وهذه النتائج مضافة إلى نجاح الآراء التي أبداها " دكتور ولسون" ومنها اقتراحه - يوم اضرب السجناء - أن تكون لهؤلاء السجناء لجنة تحكم فيما شجر بينهم وبين رجال السجن من خلاف . كل أولئك كان بمثابة حكم قاس على الأنظمة العادية للسجون الأمريكية

وقد القى نظام العقاب في أمريكا هجوما عنيفا على يدي المؤلف . وهو يري في انظمة العقاب في انجلترا مثالا يحتذى وقدوة يقتدي بها .

وقد كانت قطائع القرون الوسطى ترتكب في سجون امريكا حتى عام ١٩٢٩ . فواحد من الرجال الدين عرفهم "دكتور ولسون" عذب تعذيبا شديدا بأن ربطت إصبعاء الإيهامتان . وعلق منهما تعليقا . فلما نزل كانت الإصبعان قد تشوهنا .

وفي ذلك العام - عام ١٩٢٩ - كونت لجنة فأوصت بالتغيير والتبديل في تلك الأنظمة ، فأنشئ ديوان للسجون ، وأدخل نظام تعليم موظفي السجون وتدريبهم . ولكن نظام سجون الدرجة الثالثة قد بقى على حاله او "الدكتور ولسون" يصوره في صورة من صور الجستابو (نظام البوليس السري السياسي في عهد النازيين وقد انشئ عام ١٩٣٣ . وكان زعيما جورنج ثم همار).

ولا يزال حراس السجون في أمريكا يحملون اسلحة نارية، وعلى باب الإصلاحية ركبت مدافع سريعة الطلقات .

أما ما يحدث بين جدران "الإصلاحية" فقد يبدو غريبا جدا لدي الأنجليز . فإن حياة موظفي السجون في أمريكا وحياة السجناء غير المحبوسين هي حياة محفوظه بالخطر ؛ وذلك لما يقوم دائما بين الفئتين من عراك .

والبغايا يهربن إلى داخل السجن كما تهرب الأشياء الممنوعة . والأشجار التى تثبت المواد المخدرة تزرع في أرض السجن . واللغة السرية بين السجناء وأصحابهم في الخارج منتشرة انتشارا كبيرا ، حتى إن السجناء كانوا يعرفون

موعد زيارة "دكتور ولسون" قبل أن يعرفه رجال السجن ورؤساؤهم .

وقد تمكن بعض نزلاء السجن من سرقة سيارة قدموها هدية لدكتور ويلسون إثر اعتزاله الخدمة ، ووضعوها بأنفسهم في أحد مستودعات السيارات ...

ويقول "دكتور ولسون" ويصر على هذا القول إصرارا : إن المجرم الفاشل هو الذي تضمنه جدران السجون في أمريكا ، أما المجرم الخطر غير الفاشل فهو يرتكب جناياته وهو مطمئن امن . وهو قرير العين ناعم البال .

ودكتور ولسون لا يرضي عن تلك القوانين التي تخلق من الناس مجرمين لجهلهم إياها ، أو التي ترسل بهم إلى غيابات السجون لأنهم اتبعوا سنة القائلين بأن كل ممنوع لذيذ .

وفيما يقصه في كتابه عن المخدرات ، التي لم يعرفها الغرب إلا منذ قرن ونصف قرن ، يرينا دكتور ولسون أن علاج مدمنيها لا يجب أن يكون في العقوبات البدئية ، بل يجب أن يكون العلاج طبيا ونفسانيا .

وهو يرينا كيف أن مدمني المخدرات لا يستطيعون أن يرتكبوا أية جريمة ذات خطر .

وهو يذكر في كتابه أن الاختلاط الجنسي الشاذ ليس إلا أثرا من آثار عزل الناس في مكان واحد عزلا يجافي طبيعة الأشياء .

وهو يعقد فصلا في كتابه عن فائدة التنويم المغناطيسي في علاج مرضي المخدرات . وكذلك في الكشف عن آلامهم وآمالهم المكبوتة .

وهو يرينا في هذا الفصل كيف حالفه التوفيق في علاج رجل كان يشكو علة في القلب ، وذلك على أثر كبته لأمر جريمة وقعت منه ، وهي انه كان قد قتل حارسا من حراس السجن ، ثم ألقي التهمة على سجين آخر ، فلقى هذا حتفه مصعوقا على الكرسي الكهربائي .

وهو يضمن كتابه قطعة مسلية عن منجم زنجي كان يصنع الأعاجيب في تنويم الآخرين ، وفي إخضاع نفسه هو لحالات الغيبوبة ..

تأليف ت. ل. جارمان

هذا كتاب يري فيه القائلون بنشر التعليم وترقيته كتابا أقرب إلى السطحية . ويري فيه القراء العاديون النهومون في القراءة أنه قد أوفي على الغاية ، وأن فيه ما يشبع نهمهم .

والكتاب فيه فجوات من النقص غير خافية ؛ فهو قد خلا من أية اشارة إلى تعليم البنات . ولكن كتابا ألفه صاحبه وسود فيه من الصحائف ثلثمائة . وبدأء بتاريخ التعليم في "أثينا" القديمة . وطاف يقارله على معالم العصور الوسطى وعصر النهضة . ودار به دورته حتى أشهده قانون التعليم الصادر في انجلترا عام ١٩٤٤ .

إن كتابا كهذا ليس ينتظر منه إلا أن تبدو في مراحله المختلفة مثل هذه الفجوات ، وهي قليلة .

ومن أقوال المؤلف إنه يستحيل على قارئ التاريخ ، تاريخ بروسيا وفرنسا وسويسرا ، أن يغض الطرف عن تلك العلاقة التي تكاد تلمس باليد بين نظام التعليم القائم على دعائم ثابتة من الحزم والدقة، وبين قوة الأمة واقتدارها .

والمؤلف قد جعل لكتابه عنوانا آخر هو (التعليم الإنجليزي كجزء من التقاليد الأوربية). وقد أتاح له هذا العنوان أن ينظر نظرات خاطفة إلى مملكة بروسيا فيذكر أن "فريدريك الاكبر" قد وضع الخطوط الأولى لنظام مدارس الدولة . كما يذكر أن السياسي البروسي البارون قون هنريك فريدريك كارل سنين ( ١٧٥٧-١٨٣١ ) قد صارح قومه بأنه لكي تسترد الأمة عافيتها يجب عليها أن تعتمد أكثر ما تعتمد على تعليم الناشئة وتربيتهم .

وقد أخذت "بروسيا " بما تصح به هذا السياسي ؛ فما إن جاء عام ١٨٤٠ حتى كانت مدارس التعليم الأولى قد انتشرت في أنحاء البلاد البروسية ، وحتى لقد بلغ عددها ثلاثين ألفا، وكان برلمان انجلترا قبل ذلك التاريخ بسبع سنين قد أرصد للتعليم مبلغا تافها ضئيلا هو عشرون ألفا من الجنيهات .

ولا يخطئ الباحث في شئون تلك المدارس الأولية أن يرى فيها الأسس التى قامت عليها قوة ألمانيا وعظمتها ، وإن

يكن في تلك الأسس ما يثير الحزن ويبعث الأسى .

ولقد كانت تلك المدارس المصادر التى انبعثت منها الدقة والإتقان المذان يبدوان للعيان في منشآت السكك الحديدية الحربية، وفي كل ما أنتجته الصناعات الألمانية فيما بعد .

ومما لا يمل القول فيه أن التعليم له الأثر البالغ في كفاية الأمة واقتدارها . والملاحظ في انجلترا أن نهضة إصلاح التعليم هي في الأغلب الأهم مقودة بوساوس الأوهام ولذلك فهي قد فقدت عطف الرجال أصحاب العقول المستنيرة .

ومن المقتبسات الكثيرة النافعة التي تفيض بها صحائف الكتاب قول قاله (فرنسيس بلاس) ، (سياسي انجليزي متطرف كان يحترف خياطة الملابس . توفي عام ١٨٥٤ ) وهو : " إن الرأي الذي أدين به هو أن يسير نظام تعليم الأطفال - بصفة عامة - على وتيرة واحدة ، بعيث إذا قامت على تربيتهم إدارة حكيمة كانوا هم كذلك حكماء فضلاء".

ولا يزال مثل هذا الرأي سائدا ، ولكنه رأي لا يظفر بالرضا من جانب الرجال الذين يفكرون تفكيرا عمليا، ومن محاسن هذا الكتاب أنه ينظر إلى طرفي كل الأمور نظرة الشك والأرتياب .

تأليف : ا. سيلفيا بانكهرست

ولدت مؤلفة هذا الكتاب عام ١٨٨٢ وهي ابنة السيدة (إميلين بأنكهرست) ( ١٨٥٨-١٩٢٨) التي كانت تطالب بمنح النساء حق الانتخاب . والتي دخلت السجن مرارا بسبب تلك المطالبة . ولم يفرج عنها إلا بعد إضرابها عن الطعام .

آما مؤلفة هذا الكتاب فقد كانت تناهض فكرة الحرب . فلما اغارت إيطاليا على الحبشة وغزئها ، كانت أكبر المدافعين عن القضية الأثيوبية .

وهي اليوم بتأليفها هذا الكتاب قد أحسنت صنعا بجمع المواد المكونة لتاريخ جزء من العالم قل من يعرفه .

ولا شك أن أرض الصوماليين هي من اجدب بقاع الأرض وأكثرها تأخرا عن ركب الحضارة في أفريقيا إن لم يكن في العالم كله .

وهي منذ حوالي قرن من الزمان قد قسمت أقساما أربعة . ورفرفت على بقاعها أعلام أربع دول وهي : بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وأثيوبيا .

والأقوام الصوماليون في الأمم الأغلب أقوام رعاة . بل إنهم ليحسبون من البدو الرحل . ولذلك فإن تقسيم البلاد إلى أربعة أقسام ، وتحديد الحدود الفاصلة بين كل قسم وقسم كان بدعة مضالة.

ولقد رحبت غالبية الصوماليين بمنع تجارة الرقيق ، وبسيادة أحكام القانون والنظام ، وبالشيء القليل من العلم ومن التجارة . والعناية بالشئون الصحية . وهم - على الرغم من ذلك - يرون أن حرفة الرعي عندهم قد أعاقتها تبعيتهم إلى اكثر من دولة واحدة . وذلك كلما أرادوا الانتقال من مكان إلي مكان ارتيادا للكلا .

ولقد ساءهم أنهم ألقوا أنفسهم في عام ١٩٤٠ مطالبين بشن الغارات على أبناء عشائرهم بعد أن زودوا بأحدث أنواع الأسلحة التى جاءت بها الحرب المتحضرة .

أما نصيب الصوماليين الذين عاشوا في الصومال الإيطالي فكان أشمس وأشد بؤسا ؛ فهم لم يكفهم العذاب الذي كانوا يلاقونه بسبب سوء الإدارة الإيطالية . بل قد رأوا أنفسهم متخلفين عن ركب إخوانهم الذين كانوا تحت حكم الإنجليز.

والأنسة بانكهرست تكتب دائما كصديق وفي ، وولى حميم لأثيوبيا . وقد أدى بها وفاؤها وولاؤها أن تخالف عن رأي العارفين الذين جابوا أرجاء تلك البلاد القصية . وعرفوا مابها من تخلف عن ركب الحضارة . ولا يزال هذا التأخر يقض مضاجع الحكومة للمركزية في "أديس أبابا"

والأنسة بانكهرست تسائل نفسها : كيف تأسس وكيف تتقدم الصومال. وهي تلك البلاد الممتدة الرقعة ، وهي

تلك البلاد الفاحلة الجرداء التي تكاد الصحراء تغطي نصف أرضها ؟

وهي تسائل نفسها أيضا : هل من الممكن بلوغ مرحلة من التقدم الاقتصادي تكفي لتمويل القائمين بالأمر دون أية مساعدة خارجية ؟

وتجيب الأنسة "بانكهرست" على أسئلتها بالنفي ، ثم تستطرد فتقول : إن إثيوبيا يجب أن تكون العون الخارجي للصومال .

ويري بعضهم أن الآنسة قد أخطأت في ظنها أن "إثيوبيا" تسير في سبيل التقدم دون عون من الخارج . فإن الثابت أن "إثيوبيا" قد تلقت معونة أمريكية مقدارها عدة ملايين من الدولارات لإنشاء الطرق .

وفي الاتجاه الحبشية حيث تقوم مساحة كبرى من الأرض التي قد تكون صالحة للزراعة ، تلقت "إثيوبيا" معونة إيطالية في شكل طرق وبنايات ومطارات.

و"إثيوبيا" قد تلقت كذلك أثناء الحرب العالمية عونا بريطانيا بالغا في صورة مساعدات حربية واقتصادية ، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر . وذلك لكي نستطيع أن تنهض من كبوتها.

والآنسة بانكيرست لقول: إن الصوماليين مسلمون،

وهذا ما أدى بغير واحدة من الدول المسلمة أن توصي بتحديد زمن الوصاية باعوام قليلة لكى نستطيع الصومال أن تظفر باستقلالها إذا ما انقضت تلك الأعوام القليلة .

والدول المسلمة على حق في هذا . بل هم أصدق حكما من أولئك الذين جعلوا من الصومال رهانا يتراهنون به في السياسة العالمية . والذين قرروا مصير تلك البلاد دون أن يحسبوا حسابا لسعادة أهلها ورفاهيتهم.

ويبدو أن المؤلفة ترضي بالحكم الإيطالي على ما به من مستوي غير  مال وذلك اجتنابا لحاجة إلى معاونة أوربية أخري.

وهي تقول: لقد كان من أهداف الإدارة البريطانية منذ عهد لورد "لوجارد  ( ١٨٥٨-١٩٤٥) . وقد كان من الحكام البريطانيين في شرق أفريقيا) أن تتوسع في إنشاء وترقية المعاهد الأهلية للتعليم بقدر ما تسمح به طاقة البلاد المالية ، وأن تقر القانون والنظام ، وان تعنى بالشئون الصحية .

وتري المؤلفة أن خير ما ينفع تلك البلاد هو النهوض بالتعليم بأوفي معاني تلك الكلمة ؛ وذلك لضمان بلوغ حد القدرة الإدارية حتى إذا جاء عام ١٩٦٠ أصبح الصومال الإيطالية (سابقا) دولة حرة مستقلة.

اشترك في نشرتنا البريدية