الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 655الرجوع إلى "الثقافة"

مع الفكر الاوروبي المعاصر

Share

١ - كتاب بنت عن أبيها

كتبت الأنسة " ليلياس " بنت " سير ريدر هجارد " الروائي الإنجليزي المعروف ) ١٨٥٦-١٩٢٥ ( ومؤلف الروايات ذات الأسماء الموسيقية : " هي أو عائشة و " كنوز الملك سليمان وغيرها .

كتبت كتابا عن أبيها وسمته : The clock left  وروايات و سير ريدر هجارد " كانت في اواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن تلتهم التهاما . فكانت تقرأ في الليل وفي النهار . وكانت تقرأ في البيت وفي الطريق ، بل كان الناس يتخذونها نقلا وفاكهة على موائد الطعام

ومن العجيب أن ) سير ريدر " وهو من وصفنا ، وهو من تغلغلت اراؤه في نفوس شباب جيله ، ثم يترك في هذه الدنيا إلا دويا غير بعيد المدى

ومما لاشك فيه أن " ريدر هجارد " كان كاتبا ذا حظوة لاحد لها ، وذلك في العصر الذي كتب فيه كتبه ، يوم كان الناس يرون في روايات " ستيفنسون و " كيفنج و وإيمان و " كونان دويل " أنها تنفخ في الفن من روحها .

ولقد كتب " سير ريدر " ترجمة لحياته نشرت بعد وفاته ، ويمكن أن يقال إنه بعد نشر هذه الترجمة جر النسيان على صاحبها ذبوله ، ويمكن أن يقال أيضا - ولا نكران للحق - إن كتبه قد أهملت إهمالا ، وإن كان لا يزال للبعض منها قراء ومعجبون .

من أجل هذا كان كتاب الأنسة " ليلياس هجارد " عن أبيا قد جاء في الوقت المناسب ، يذكرنا بحياة رجل كان  لكتبه الآثر البالغ في الأخذ بيد كتاب كانوا في عهده من شداة الأدب ، فأصبحوا اليوم - بفضل اقتفاء خطواته والمشي بنوره - من أرسخ الكتاب قدما ، وأبعدهم صوتا ، وأعمقهم اثرا .

والأنسة " ليلياس " لم تحاول في كتابها أن تنشدنا قصيدة من قصائد المديح والثناء  بل كانت - إذا دعا داعي الحق - تصور لنا أباها في صورة عابسة قاتمة .

والآنسة الكاتبة تهب القول في الأثر الذي أحدثته في نفس أبيها وفاة ولده  الوحيد ، وهو ما يزال طفلا ، وقد مات هذا الولد يوم كان أبوه وأمه في رحلة لهما إلى المكسيك ، وكأنه يموت هذا الولد - كما تقول الكاتبة -

قد ماتت بضعة من نفس والده .

وقد عرف الأهل كلهم ما كان يحدثه تذكر هذا الولد أو الحديث عنه من قريب أو بعيد ، من ضيق وغم في نفس ابيه .

وهذا الشرح يفيد الباحث عندما يريد أن يعرف العوامل النفسية التي كان يصدر عنها هذا الكاتب .

ومهما يكن من شئ فإن " ريدر هجارد " يستطيع أن يفاخر و يباهي بأنه كان من بناة الإمبراطورية البريطانية ذلك بأنه هو الذي رفع بيده علم بلاده في ميدان " بريتوريا " ) عاصمة الفرنسفال ( ، وكان ذلك في عام ١٨٧٧ يوم كان المترجم له لم يجاوز العشرين من عمره إلا قليلا .

وفوق ذلك كله فقد كان الكاتب يؤمن الإيمان كله أن الفضائل التى فصلها على قد شخوص رواياته هي الفضائل التي يجب أن تكون لها السيادة على نفوس الناس أجمعين .

٢ - كتابان عن العدالة السوفيتية وهما :

(ا)  كتاب حركة التطهير في روسيا واقتلاع الاعترافات غصبا وقهرا . وهو من تأليف الكاتبين " بك و " جودن " .

( ب) كتاب دعوة إلى موسكو وهو من تأليف الزعيم البولندي Zstypikowski

كلمة العدالة هي النغمة التي تسود أجواء العالم الغربي أكثر مما تسوده نغمة الحرية والديمقراطية . والحرية والديمقراطية كلمتان يصعب تحديد معناهما ، وحتى إذا امكن ذلك التحديد فانهما تبدوان أنهما شيئان غير ضروريين لكل الناس على السواء .

ولكن " العدالة " وهي التي تقوم على مبدأ أن لا يقبض على إنسان في غير جريمة ، وأن لا يسجن إنسان بغير محاكمة ، وأن لا يحاكم إنسان بغير أن يتاح له دفع التهمة عن نفسه . العدالة التى تقوم على هذه الأركان هي كالقضية الرياضية التى تقول إن اثنين واثنين أربعة . وهي العدالة التي ليس لها في سائر بقاع الأرض غير معنى واحد لايحتمل التغيير والتبديل . وإن كثيرا من الناس لم يبغضوا النظام السوفيتي ويقاوموه إلا لأن ذلك النظام ينكر العدالة الإنكار كله ، كما يتبين من حركات التطهير الشاملة ، ومن المحاكمات الصورية ، ومن

الاعترافات التي تؤخذ أخذا وهي بعيدة كل البعد عن التصديق ، ومن الألاف المؤلفة من المعتقلين الذين يساقون سوق إلى المعتقلات في صيربيا وآسيا .

ومن الصور السوفيتية التي تحدث راعيها عن الغلظة والفظاظة ، صور الاعترافات الى تقتلع من المعتقلين السياسيين غصبا وقسرا ، وإن تكن تلك الوسيلة ليست من الظواهر الطارئة في التاريخ .

وإذا ارتاب مرتاب في صدق هذه الأقوال فليس عليه إلا أن يقرأ ترجمة هذين الكتابين . ومترجمو الكتابين هم ممن خاضوا غمرات العذاب . عذاب التحقيق بين يدي رجال البوليس الروسي .

فالمسيو " ستفيسكوسكي " واحد من الستة عشر زعيما الذين كانوا يزعمون الحركة السرية البولندية . والذين دعوا مقابلة الماريشال تروكوف في شهر مارس من عام ١٩٤٥ لا لشئ سوى أن يروا أنفسهم معتقلين ، توجه إليهم تهمتا التخريب والتعاون مع الألمان .

أما المستر " بك و المستر جودين فهما اسمان مستعاران . وأولهما مؤرخ سوفيتي . وثانيهما عالم من علماء الألمان . وقد قاسيا كثيرا من العذاب في حركة التطهير التي تمت بين عامي . ١٩٣٩،١٩٣٦

أما الرغم البولندي فلم يزد على أن يقص قصته هو . وقد فصلها تفصيلا ، والبسها لونا من ألوان الحياة النابضة . وأما الآخران فقد جمعا بقدر المستطاع كل ما عرفاه بالمشاهدة بين الأسداد والأصفاد في مختلف السجون .

ويقول الزعم البولدي إن طريقة إعطاء مخدر للحصول على اعترافات هي طريقة غير مستعملة . وكذلك طريقة الضرب ليست من الطرق المقررة رسميا . وإن كان يلجا اليها أحيانا ، وكذلك يلجأ أحيانا إلي طريقة التعذيب بإضعاف مقاومة المعتقلين . وذلك بإنقاص طعامهم ووسائل دفئهم . وكذلك بتسهيرهم ، وتحريم النوم على جفونهم .

ومن وسائل التعذيب التي لم يستطع مقاومتها أكثر الرجال جرأة وأشدهم جلدا واحتمالا هي طريقة الاستجواب بلا انقطاع زمنا قد يطول أسابيع وشهورا بل أعواما . والاستجواب لا ينقطع ليلا أو نهارا ، يظل المعتقل أثناءه واقفا ساعات طوالا .

والزعيم البولندي يقرر أنه استجوب واحدا وأربعين

ومائة مرة ، وقد ظل مرة واقفا أربع عشرة ساعة .

وقد بلغ من قسوة هذه الطريقة أن واحدا من المحققين أنفسهم قد نال منه الإعياء فبكى

وهناك أكثر من سبب معقول في أن يعترف المعتقل الروسي . ذلك لأنه يعرف أن معاملته أثناء الاستجواب ستكون اسوأ معاملة . بل إن معاملته بعد الحكم عليه سوف تكون أقل سوءا ، وهو كذلك يعرف أن اعترافه لن يقدم أو يؤخر في تشديد الحكم أو تخفيفه

وهو كذلك يعرف انه باتباعه ما يوحى به المحققون من اعترافات ، له كل الأثر في عدم إلحاق الأذي بأهله وعشيرته .

أما الصعوبة التي تقف حجر عثرة في طريقه فهي معرفة ما يريد المحققون أن يعترف لهم به . وفي أن يلفق حكاية يرضى عنها المحققون دون أن يكثر من اتهام الأبرياء من الأحياء .

وفي أثناء حركة التطهير كان المعتقلون يتعاونون في تأليف الأساطير .

وكانت غرف المعتقلين ملأي بقوائم تتضمن أسماء أناس ليس من الخطر اتهامهم ، وذلك إما لأنهم قد فارقوا هذه الدنيا ، وإما لأنهم ممن سبق اعتقالهم .

أما كراهة المحققين لقول الحق فكراهة لاحد لها والكتاب على الرغم من هذا كله لا يخلو من قصص فكاهية ، كقصة ذلك الشيوعي الأجنبي الذي جمع مؤتمرا صحافيا ينفي فيه أمام الصحافة الرأسمالية . . أنبأ القبض عليه .

ولم يلبث هذا الشيوعي الأجنبي أن ألقي القبض عليه في اليوم التالي ...

٣ - الحرب الصليبية الأولى كتاب من تأليف س . د . ج برانت

كل كتاب جديد يبحث في تاريخ الحروب الصليبية لابد له من أن يدعو القارئ إلى المقارنة بينه وبين كتاب " تاريخ الحروب الصليبية " للكاتب الفرنسي Cirousset .

والأستاذ " برانت " نفسه بيدي شكه في فائدة كتابه بالإضافة إلى ذلك المؤلف الضخم الذي كتب في هذا الموضوع ،

كما يبدي شكه - بصفة خاصة - في فائدة الإعادة لقصة سبق أن قصها قصاص بارع هو زميله الفرنسي .

ولكنه يقول إن شفيعه في تأليف هذا الكتاب أن العلماء الهولنديين لم يشاركوا إلى يومنا هذا في الكتابة في هذا الموضوع من التاريخ . وانه يرجو ويأمل أن الدراسة المستقلة المجددرة المصادر القديمة والحديثة - وهي التي استند عليها عند تأليف كتابه - تكون يوما ما ذات ثمر لدى الإخصائيين ولدي القراء العاديين على السواء .

وهو يقول أيضا : إن استغراقه في هذه الحقبة البعيدة من التاريخ قد أراح عقله من التفكير في الاحتلال الألماني لبلاده .

ولا شك أن تجارب المؤلف الشخصية في شئون الحرب والأثر الذي أحدثته شدائد الحروب وويلاتها قد أضفت على هذا الكتاب الرزين ثوبا من الحياة

وإن مؤرخا من المؤرخين يشير في تزمت المتزمتين - إلى كل مصدر من مصادر كل حقيقة من الحقائق التي يوردها . ويدلي دليل يؤيد كل فرض من فروضه . إن مؤرخا كهذا لا مفر له من أن يبدو جافا غير مستساغ على الرغم من علمه وأستاذيته

ولكن كتاب " البرفسور برانت " هو أبعد ما يكون عن الجفاف . وكذلك فإن كتابه هذا ليس نسخة معادة مكررة من كتاب Cirousset" وإن كان لا يختلف عنه من وجهة الوقائع التي ذكرت في كتابه .

وإن القارئ لكتاب " برانت " ليجد أفكار زميله المؤرخ الفرنسي مثبتة في ثنايا الكتاب ، وهو مقر بصحتها .

وكتاب " برانت " وإن كثرت فيه الملامح التي تشبه ملامح كتاب Cirousset هو اشبه بصورتين لشخص واحد صورهما مصوران مختلفان

وكتاب " برانت " بعد أن بحث فيه مؤلفه مسألة غزو الإسلام لأوربا الغربية ، وبعد أن درس فيه الموقف في حوض البحر المتوسط في القرن الحادي عشر قد قصر البحث فيه على الحرب الصليبية الاولى وجعل خاتمته فتح بيت المقدس .

والأقول أن يستأنف " برانت " ابحاثه فيحدثنا عن الحروب الصليبية الآخري . وعن المستعمرات التي أقامها الفرنجة في الشرق الأوسط . .

( عن الانجليزية )

اشترك في نشرتنا البريدية