الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 138 الرجوع إلى "الثقافة"

مع الكتب الجديدة :

Share

١ - محمد فريد

هذا الكتاب الجديد للأستاذ عبد الرحمن الرافعى بك ، يضع ظهوره حدا لما طال تردده على ألسنة من يذكرون جهاد فريد فى سبيل مصر .

وإذا كان الانتظار الطويل لتخليد ذكرى محمد فريد ، ينتهى باصدار ذلك العمل الجليل عن ترجمة حياته ، فهو بلا شك انتظار لم يذهب عبثا . ذلك أن هذه الترجمة المدعمة بالمستندات والوثائق تكشف - إلى جانب ما تظهره من نواحى التاريخ المصرى الحديث - عن بطولة نادرة لرجل كان فى مكنته أن يعيش مرتاح البال موفور الصحة ، ولكنه آثر على ذلك أن يضحى بالراحة والصحة ، ورغد العيش ، فى سبيل فكرة آمن بها وهي حق مصر فى الحرية بطولة فدائية ما أحوجنا إلى ذكرها وتقديرها ونرسم خطاها .

ولقد تناول الرافعى بك فى كتابه ، محمد فريد منذ نشأته إلى وفاته ، فمعرض صورة لكفاح الحزب الوطنى فى سبيل الدستور والاستقلال فى مصر والخارج ، ووضحت فى الكتاب شخصية مؤلفه ، رجل القانون الذى لا يخطو خطوة إلا وفى يمينه وثائقه ، وفى يساره الوقائع ، يسردها ويحللها ويكشف عن مقدماتها ثم يسوق نتائجها . ووثائق هذا الكتاب عبارة عن رسائل من المرحوم محمد فريد بك وإليه ، ومقالات دبجها قلمه ، وخطب ألقى بعضها فى مصر وبعضها فى براين وبروكسل وباريس . ويزيد من روعة العرض التاريخى أن كثيرا ممن وردت أسماؤهم فيه أحياء أو قريبو العهد بالحياة ، مما يسبغ على هذه الترجمة حياة الواقع وحرارته ، فهى إن لم تفرق فى التحليل الذى تتقصاه أساليب التراجم الحديثة ، فقد زخرت بمواد التحليل من أعمال وتصرفات وأقوال ورسائل . ولا

يملك القارىء بإزاء ذلك الفيض الزاخر من الوثائق ذات القيمة فى تاريخنا الحديث إلا أن يعجب بذلك المجهود ،

وإلا أن يرى فيه مواد لأكثر من كتاب بوضع عن شخصية ذلك الزعيم العظيم ، الذى لم تقتصر روح الوطنية والتفانى عليه وحده ، بل امتدت إلى أهل بيته ، فجعلت ابنته تكتب له وهو فى أوربا والحكومة فى مصر متربصة عودته ، لتدفع به إلى محاكمة لا تجهل نتيجتها ، قائلة : (( ولنفرض أنهم يحكمون عليك بمثل ما حكموا به على الشيخ عبد العزيز جاويش ، فذلك أشرف من أن يقال إنكم هربتم وما تحملتم الهوان فى سبيل وطنكم )) ، ثم تتوسل إليه (( باسم الوطنية والحرية التى تضحون كل عزيز فى سبيل نصرتها أن تعودوا وتتحملوا آلام السجن )) ! !

وتلك صورة من شتى الصور الرائعة للوطنية الصادقة التى تكشف عنها صفحات الكتاب . وكم فى الكتاب من صور وذكريات لفترة مجيدة من تاريخ الوطنية المصرية .

٢ - أرواح شاردة

(( هذه الأرواح الشاردة فى تيه المرح والعذاب والحب )) . . ما أشبهها بالطيور الضالة التى تهبط طورا

حتى تتلوث من أوحال الأرض ، وتسمو حينا حتى لتكاد تسمع حفيف أجنحة الملائكة ، وحتى تطالع الانسانية بومضات من النور تبدو خلال الأوحال العالقة بأجنحتها . والناس بعد ذلك محيرون فى الحكم على هذه الطيور أو تلك الأرواح . ولا زالت الحيرة تسود التفكير كلما عرضت روح منها لشئون الفكر .

أجل . فما زال الأمر فى (( بودلير )) أمر اجتهاد فى التحليل والحكم حتى اليوم . فمن النقاد من لا يرى إلا النور المنعكس على صفحات شعره ، ومنهم من يرى تلك الأوحال العالقة ، والتى تزكم الأنوف لكثرة ما تحمل من الخطايا والأدران . وما زال فيرلين يعانى بين الحين والحين ناقدا يثير جرح نفسه الدفين ، فينبش مأساته دون رحمة ، متوهما أنه لا بد ملق على تلك المأساة ضوءا جديدا يبدو من خلاله الشاعر أقل خطيئة وأنقى صفحة مما تركه غيره . وهؤلاء وأولئك لا يتعدون فى نظرتهم إلى الشاعر اختلاف الوضع ، فكل منهم يراه من زاوية ، والشاعر هو هو ، الروح الضال الشارد الذى يهبط حينا ويعلو آخر .        وبودلير وفيرلين هما الروحان اللذان اختارهما صديقنا الشاعر على طه لكى يقدم بهما كتابه الجديد (( أرواح

شاردة )) وما أجمل أن يكتب شاعر عن شاعر ؟ وما أحوج هذين بالذات ، فيرلين وبودلير ، إلى ريشة الشاعر : إنها لأرفق بهما من أقلام النقاد التى لا تتورع أن تنقلب مشرطا إذا دعا الأمر . وأين من ذلك ريشة الشاعر التى تكسو الخطايا ألوانا زاهية فتخطئها العيون حتى لتسمها جمالا ؟

أنظر إلى الشاعر يلتمس الأعذار للشاعر فيقول : (( إن هذا الشاعر المسكين (بودلير) كان يحب المرأة ، ولكنها لم تكن تحبه ، وإنه كان ينشد الحفاوة عند النساء ، ولكنه كانت سىء الحظ لديهن ، وهذا ما دفع به إلى تحديهن بالشر والكنود ، حتى أصبح يرى فى الشيطان المثل الأعلى للجمال . . . ))

ثم انظر بعد ذلك إلى نفس الشاعر حين يحاول أن يكون ناقدا يكتب بالقلم ويلجأ للمشرط : (( وأرى من العبث الدفاع عن بودلير ، كما أن من السخرية القول أنه لم يكن واقعا فى الخطيئة أو متصلا بها اتصال هؤلاء الذين لا تشعرهم الطبيعة بفضيلة الايمان )) .

ثم يمضى فى سبيل النقاد ، فيسرد لك آراء ارثر سيمونس وألكوك فى بودلير ، وإذ يتحدث عن فيرلين

لا يكف عن إثارة ذلك الجو اللذيذ الذى يرتاح إليه من يدافعون عن الشاعر ويخففون من وقع مأساته ، فإذا ما خلف المأساة الاخلاقية محاطة بالغبار الذى يحلو للرمزية أن تحيطه به ، فقد مضى فى دراسته عنه كما كان عند بودلير متأرجحا بين حزم الناقد وحنان الشاعر .

وليت الأستاذ على طه مضى فى هذه الدراسات حتى نهاية كتابه ، فعرض بعض دراسات أخرى . وما نشك بهذا الرجاء فى قيمة ما ترجمه من شعر بعد ذلك ، وخصوصا ترجمته لقصيدة شنلى الخالدة (( القبرة )) وما نقمط حق ذكرياته الأوربية عليه ؛ فالكتاب بأقسامه الثلاثة : الدراسات ، والشعر المترجم ، والذكريات الأوروبية ، جدير بالاحتفال والعناية ، تكاد وحدة الصدر فيه كله ، وهى الثقافة الأوربية ، تلهى القارىء عما يفوته من وحدة الموضوع .

٣ - ويك عنتر

لما احتدم الطعن والنزال بين أتباع عنتر وأعدائه فى مكان ما بالبادية ، وأحس الأولون برجحان كفة أعدائهم ، أهابوا بعنترة الفوارس أن يقبل ، فلم يبق لها إلا هو . ولقد أقبل وحل المشكل ، وفر الأعداء ،

أو قتلوا ، وسجل عنترة فى شعره ذلك الحادث ، فقال : ولقد شفى نفسى وأبرأ سقمها

قيل الفوارس ويك عنتر ! أقدم        وذهبت مثلا ، كلما جد الجد افتقد ابن بجدتها بتلك الصيحة : (( ويك عنتر )) حتى جاء الشاب الأديب الأستاذ عادل كامل المحامى ، فاختارها عنوانا لمسرحيته ، وذهب الناس فى قراءة هذا العنوان وفى تفسيره شتى المذاهب ، فمنهم من قرأه كما تقرأ اللفظة الأجنبية (( ويك إند )) ، فإذا بها معنى (( عنتر الضعيف )) ، ومنهم من فهمها حين قرأها فى الاعلانات على أنها اسم لمستحضر طبى ؛ وتلك لعمرى أولى مغريات القصة .

أما عنترة الذى يبحث عنه المؤلف فى قصته ، فهو الرجل عموما ، الرجل الكامل الرجولة ، الذى شح مثاله فى هذه الأيام بين الشباب ، على ما يرى المؤلف ذلك الشباب الذى يرى فيه أنه أصبح خاملا ، حتى ليرى (( فى مسح ذقنه ماء الكولونيا بعد الحلاقة مجهودا شاقا )) ! . .

وبذلك يعرض المؤلف طائفة من الناس تمثل نواحى الضعف فى المجتمع الذى تفتقد فيه الرجولة ؛ فذلك رب الأسرة الكسول يبلغ من تراخيه أن يشفق على نفسه من أى مجهود حتى مجرد السيطرة على أسرته ؛ وهؤلاء ثلاثة شبان من أصدقاء الأسرة ، كل منهم يمثل طائفة من شباب هذا الجيل المتراخى الضعيف الذى يفزع حتى من مجرد الجهد الذى يبذله فى مجرد التفكير فى مسألة ما ، يتحركون فى القصة إجابة لرغبة المؤلف ، حتى يخيل للقارىء أنهم دمى ، لولا الحركة المسرحية لأمكن التعبير عنهم بصورة لبعض واجهات المحال التى تعرض أزياء الرجال عرضا جميلا .

وعلى عكس هذه الشخصيات تبدو الشخصيات النسائية فى القصة ، فهذه أم ذات سلطان يخشاها الجميع ،

تبحث بكل الوسائل عن أزواج لفتياتها الأربع ، وهؤلاء فتياتها يلعبن (( بأبطال )) القصة من الرجال ، وينصبن لهم الأشراك التى تخيب ، لا بدافع فطنة الرجال أو ذكائهم ، وإنما لمجرد . . الكسل . . الإعياء الذى يمنع هذه الأشراك من أن تطبق عليهم .

ولأن القصة تأخذ صورة النقد الاجتماعى ، فقد طغى عليها طابع الاصلاح الاجتماعى ، وهو الاغراق فى تصوير المساوىء ، وفاتها طابع الاصلاح الاجتماعى أيضا ، وهو إيضاح سبيل الاصلاح ، فالأمل قد اختفى من هذه القصة رغم صيحته البادية فى العنوان .

وبعد . فلقد يخرج القارىء من هذه القصة بمتعة يثيرها فى نفسه الحوار اللبق الرشيق فى أغلب مواضع القصة ؛ ولقد يخرج منها متأمل بعض ما غمض من تعبيرات المؤلف وآرائه على لسان شخصياته ، قد يخرج منها بذلك أو ما يشابهه ، ولكنه لن يخرج بما يخالف صيحة المؤلف فى إهابته بعنترة ، فمن الحق أن عنترة مطلوب ، وأن صوت الفوارس وأشياء الفوارس قد مج فى النداء عليه .        ولا شك ، وهذا أول عمل للأستاذ عادل كامل ، أن هناك توفيقا ينتظر هذا الأديب ، إن أخذ نفسه

بأساليب الاعداد للمسرح من دراسة وتأمل ؛ ولقد تبدر آثار هذه الدراسة على صورة واضحة فى الصفحات الأولى من الحوار فى مسرحيته .

المهرجان الأدبى الثالث

يحتفل السودانيون كعادتهم فى كل عام بالمهرجان الأدبى الذى سيقام هذه السنة بنادى الخريجين بأم درمان ، فى أيام عيد الفطر المبارك ، حيث يعرض ما تنتجه العقلية السودانية فى ميادين الآداب والعلوم والفنون .

والسودانيون الذين تربطهم بمصر روابط لا تنقصم عراها ، والذين يستمدون ثقافتهم منها كم يسرهم أن يلبى رجال الفكر وقادة الرأى وحملة الأقلام دعوتهم ، ليسعدوا برؤية من يستطيع زيارة السودان فى ذلك الحين ، وليتذوقوا ما تخطه تلك الأقلام القوية فى مختلف الأبحاث        وليت أبناء الكنانة عاملون على تحقيق تلك الرغبة التى سيكون لها أثرها الخالد فى تدعيم الصلات بين القطرين الشقيقين . .             الأمين التوم                                  سكرتير المهرجان

اشترك في نشرتنا البريدية