( أما أنا فليس في فقط ماض قريب ... أمامى ان انقذ ايضا إلى ذلك الماضي السحيق الذي كادت تدرس معالمه تحت رمال الزمن .. وان أتخذ الى سماء المستقبل من خلال غيوم الحاضر ) " توفيق الحكيم "
كانت الساعة العاشرة والنصف حينما وصلت إلي دار الكتب المصرية . ولم أكد أخطو بداخلها ، وتحتويني جدرانها . حتى أحسست بأنني لم أعد غريبا على هذا المكان مثلما كنت أشعر من قبل . فمديرها رجل أديب فنان يعرف قيمة الثقافة ويشارك في المعرفة ، ويضيف إلى كتب الدار كتبا هي عصارة فنه وفكره . . فليس حسبه أن يأتي لها بالكتب من الخارج .
ولم أكد أطل عليه برأسي من وراء باب مكتبه حتي قام محييا باسما وقال : إنك لم " تكذب خبرا " فاسرعت لأخذ الحديث . قلت : والله خشبت أن " تنسى " اتفاقى معك قال : وهل لديك أسئلة معينة ؟ قلت : آمل في ذلك لولا خشيتي من مزاجك الشخصي . قال : إذا فابدأ . قلت : هل يذكر الأستاذ مقالا كتبته في مثل هذا الشهر من العام الماضي في " الثقافة " تحت عنوان " الأسطورة في الأدب العربي" فقد جاءت فيه عبارة خاصة بك إذ قلت " لقد حاول الأدباء أن يتخذوا من القرآن مثلا أعلي في أعمالهم وجعلوا يقتبسون منه الحكاية تلو الحكاية من أجل أن
يقصوها على طريقتهم وحسب ما تمليه عليهم أفكارهم العصرية ، ولكنهم لم يستطيعوا ان يأخذوا الإذن بالتصرف الذي يوائم اتجاههم الفنى . ومن ثم أخفقت الأسطورة في الأدب العربي سواء في رسالة الغفران لأبي العلاء وأهل الكهف وسليمان الحكيم و " محمد " لتوفيق الحكيم " فماذا تري في قولي ذاك ؟
وهنا حلقت عيون توفيق الحكيم في أرجاء الغرفة . ثم في النافذة التي يدخل منها الضوء إلى حجرة مكتبه وقال : لماذا لا تحاولون التماس تيار خفي للكاتب يجري من تحت هذه الظواهر التي تبدو أمام أعينكم في العمل الفني . فأنا مثلا لم أقصد أن أتبع اتجاها أسطوريا صرفا أو قصصا بحتا . ولكن عنيت بأن أرسم في داخلية هذا الاتجاه خطأ متصلا ينبع من فكرة معينة بالذات ، يمكن للناقد البناء أن ينشئ عليها عمله . . ولكن هذا الخط قلما يلتفت إليه أكثر الباحثين . ذلك لأننا لم نزل في عهد لم يظهر فيه بعد - إلا نادرا - تلك الطبقة من كبار النقاد الذين يعكفون على ادب بلادهم ، كما يعمل النقاد في أدب الأوربيين ، ليخرجوا منه الإتجاهات ويخلقوا النظريات ، ويصلوا الأدب العربي الحديث بأرضه وماضيه وما يحيط به من مؤثرات وحضارات حتى يصبح ادبا مدروسا مبحوثا كالآداب الكبرى .
هذا هو السر في أن معظمنا يسأل قبل أن يبحث ! إنك تسألني عن رأيي في قصصي القائم على الأساطير ؟ . الجواب الصريح نجده في كتابي " تحت شمس الفكر " . ولأجنبك المشقة ، أقول لك الآن بسرعة : إني أومن بوجود رواسب الآلاف من السنين باقية في أعماقنا دائما ، وما عملي في ناحية الأساطير سوى مجرد محاولة لمد حبل يربط حياتنا الروحية والفكرية في أطوارها
المختلفة ، كما يربط الانسان طفولته بصباه بشبابه بكهولته في كائن واحد وروح واحد ، إن روحنا الكامن لا يتغير تتغير الأزمان ولا يختلف كثيرا باختلاف العصور والأدبان . لقد جاء على لسان إيزيس في تمثيلية " شهر زاد ( : " أنا كل ما كان ، كل ما يكون . كل ما سيكون " ! .
لقد رأيت صلة خفية بين إيزيس الفرعونية وشهرزاد التي ظهرت في العصور العربية . واقتبست من القرآن الكريم أفكارا رأيت لها حقيقة غائرة في فلسفة مصر القديمة . بل كنت فيها بذرة عن الوجود والعدم تتصل بمذهب الوجودية ، كما لاحظ بعضهم ، قبل أن تظهر الوجودية نفسها بسنوات . . فالماضى والحاضر والمستقبل يمكن أن تتحد في تفكيرنا وروحنا على هذه الأرض وفي هذه البلاد ، على الرغم من اختلاف العصور والأساطير والأردية والأزياء . . إن مصر قد جاوبت الزمن منذ الأزل . وإنها لتنتصر دائما على الزمن بروحها للتجدد . . إن مصر هي البعث الدائم لروح خالد . هذا الروح أو هذا القلب الدائم المتجدد ، هو الذي أوحى إلي بريكا أن تقول في " أهل الكهف " : القلب قهر الزمن
ربما كان هذا أيضا هو ما رأيت أن أجعله أساسا للتراجيديا العربية ، إن التراجيديا على وجه العموم هي التعبير عن صراع الإنسان ضد قوي اخري . . وهذا سر من أسرار أهميتها . . هذا الصراع عند الإغريق يقوم بين الإنسان وآلهته ، وعند الأوربيين مثل (كورني وراسين) ، يقوم بين الإنسان وعاطفته . ولقد رأيت أن الصراع في التراجيديا العربية أو المصرية يجب أن يقوم بين الإنسان وزمنه . .
الصراع بين الإنسان والزمن . . وما أدى إليه من فكرة البعث واللجوء إلى التسلح المادى بالتحنيط والتشييد عند المصريين القدماء ، والتسلح الروحي بالإيمان بجنة الخلد في المسيحية والإسلام . هذا الصراع بين الإنسان والزمن . . أي عوامل الفناء التي تهدد كيانه وتحلل شخصيته وتحطم بنيانه . ألا يجوز أن نتخذ منه أساسا لنا في إقامة ، تراجيديا مصرية عربية "
وسكت توفيق الحكيم . .
وهنا أفقت لنفسي قليلا . وأخذت أتأمل في هذا الوجه المحمر بوقدة الفكر وفي ذلك الجسم الذي لا يكف عن
الحركة مع ألفاظه وكلماته التي يخرجها في تقطع يشعرك بأنه يرسم الحديث الذي يلقيه ولا يكتفي بسرده .
وسألته قبل أن يتمادي في صمته من جديد سؤالا آخر . قلت : ألاحظ حقا - خصوصا علي مسرحياتك الفلسفية أنها تسير في هذا الاتجاه ؛ فالملاحظ أنك لا تؤلف المسرح ، لمجرد إثارة العواطف السطحية ، بل لمتابعة فكرة تؤمن بها في أعماق نفسك وتبنى عليها عملك . . ولكن هل يستطيع مسرحك أن يصل إلى الجماهير الحاضرة ؟ .
- ينبغي ملاحظة أنني بدأت العمل للمسرح كرجل مسرح فقط ، وحاولت تقديم شئ للجمهور أيام فرقة عكاشة التمثيلية منذ أكثر من ربع قرن . وأنتجت حينذاك رواية العريس وعلي بابا والمرأة الجديدة وخاتم سليمان . وكانت على بابا وخاتم سليمان أوبريت ، أما تمثيلية المرأة الجديدة والعريس فقد أردت بهما معالجة مشاكل اجتماعية . ولا تقس أن المراد من وراء تلك المسرحيات كان مجرد تسلية الجمهور المقبل على المسارح في ذلك الوقت . ولكن عندما أردت وضع المسرح على أساس جدي متصل بثقافتنا الأزلية وجدت أن حالة المسرح في مصر حتى اليوم لا تشجع على تمثيل هذا النوع من الروايات . ذلك أن اللون الغالب على مسارحنا الناجحة اليوم هو السيطرة على غرائز الجماهير بإغراقها في هذيان من الضحك أو سيل من الدموع . وقد أدت هذه النزعة التجارية الاستغلالية لغرائز الشعب إلى تخلل قواه الكامنة وتحطيم شخصيته الواعية وسلب إدراكه للمعاني والأهداف العليا التى يجب أن ينشط لها ويتهذب بها ليقفز ويثب إلي أعلى . . فالمسرح باعتباره أداة لإيقاظ عقل الشعب وتنبيه إدراكه وترقية فكره وتهذيب روحه وتكوين شخصيته لم يسخ عليه أحد بالمال والجهد ليؤثر في الشعب تأثيرا فعالا . ولكن المال أنفق وينفق بسخاء في تأسيس دور اللهو التي تخدر أعصاب الشعب . وهذا هو سر النجاح الحالي الجارف للملاهي الاستعراضية وما هو على شاكلتها من مسارح الترفيه . لذلك اعتقد أنه لم يحن الوقت بعد لتمثيل روايات من النوع الذي نتحدث عنه . وعندما تكثر وتعم المسارح بمعناها الذي نفهمه وتقدم غذاءها النافع إلى الجماهير . . فإن من المحتمل
أن هذه التمثيليات تلعب دورها ؛ علي أن هناك رواياتي الاجتماعية وخصوصا في كتاب " مسرح المجتمع ، الذي يضم أكثر من عشرين مسرحية ، مستوحاة من مشكلات مجتمعنا الحاضر ، وما يجري فيه من أطوار حياتنا اليومية الزاخرة بشتي الصور والأوضاع والاتجاهات المصرية ، خصوصا بعد الحرب الأخيرة . . هذا التصوير لحياة الشعب في حاضره له فائدة كبرى في الكشف عن حياته الماضية . ولأسق لك مثلا صغيرا : بعد أن ترجم كتابي " يوميات نائب في الأرياف " ونشر في الخارج ، وصلني خطاب من عالم أوربي في الآثار يخبرني دهشا أن علاقة الحكام بالحكومين في الريف المصري الحاضر كما صورت في كتابي تكاد تطابق تلك العلاقة نفسها في حياة الفلاحين في مصر القديمة ، وإن طريقة قيامهم بالشكوي والتظلم من حكامهم مشابهة لما حدث منهم قبل البلاد بألف عام !. . من
ذلك يتضح أن التصوير الصادق لحياة الشعب الحاضرة يمكن أن يكشف النقاب عن حياته الماضية ، كما يمكن أن يتم عن اتجاهات حياته المستقبلة . . هذا الربط بين الماضي والحاضر والمستقبل في حياة الأمة وروحها هو من أهداف الأدب التي اعتنقتها وحاولات تحقيقها . . ذلك أن شخصية الأمة هي وحدة لا تتجزأ تضم أمسها ويومها وغدها . . والأدب في عقيدتي هو المنوط به عملية الكشف والربط والبعث والدفع لهذه المراحل في شخصية الأمة . وعبارة أخرى أقول لك :
" الأدب كائن له عين تكشف الغطاء عن روح الأمة ، ويد تربط بين أجزاء شخصيتها ومراحل تطورها ، وقدم تسمى بها إلى غد أرقي ومستقبل أعدل . .
وعندئذ قمت وافقا وحييت الرجل تحية إنسان يشعر بما لهؤلاء الكبار من حق في رقابنا نحن الشباب .

