الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 632الرجوع إلى "الثقافة"

مع رجال الأندلس المجهولين :, ٢ - على بن هذيل، الأديب الأندلسي المجهول

Share

كنا بلغنا في القسم الأول من هذه الترجمة لذلك الأديب المؤلف المغمور أنه ألف كتابا بعنوان : "تحفة الأنفس ، وشعار سكان الأندلس " . وهو في قسمين : القسم الأول في الجهاد عامة ، والقسم الثاني في الحيل والسلاح . وهذا القسم الثاني من الكتاب يتفق تمام الاتفاق مع مخطوطة أندلسية بعنوان : " حلية الفرسان وشعار الشجعان " لم يذكر عليها اسم مؤلفها ، وقد عثر عليها قبيل سنة ١٩٢٢ المسيو " لويس مرسييه " ( Louis Mercier )  قنصل فرنسة في المغرب عند المسيو " م . س  . بيارني "( M.S.Biarnay ) مدير مصلحة التلغراف الشريفية بحكومة المغرب .

وقد وقعت للأستاذ ( M.Nehhf ) مدير المدرسة العليا للغة العربية وآدابها في مدينة " رباط " نسخة من كتاب ابن هذيل المعروف " بتحفة الأنفس " فتبين للأستاذ مرسييه عن طريق المقابلة بين مخطوط ومخطوط أن " حلية الفرسان وشعار الشجعان " المجهول اسم مؤلفها هي بعينها القسم الثاني من كتاب " تحفة الأنفس " لعلي ابن عبد الرحمن بن هذيل الأندلسي . ومن هنا جزم الأستاذ لويس مرسييه بأن مخطوطة "حلية الفرسان " هي لعلى بن هذيل ، ولا سيما أن " الحلية " أحدث نسخا من " التحفة "

على أن الأستاذ لويس مرسييه لم يكتف في الكشف عن هذه المخطوطة ببلوغ هذا الحد ؛ بل ذهب بنفسه إلي مكتبة الإسكوريال في مدينة مدريد ، وراجع ما عنده من النسختين على مخطوطة الإسكوريال فاقتنع بأن " حلية الفرسان وشعار الشجعان " هي لصاحبنا ابن هذيل

الأندلسي . ومن هنا أبقي عليها اسمها الذي وجده على مخطوطة مسيو " بيارني " . وشرحا بطريقة " الفوتوليب " المصورة بخط ناسخها الأصلي ، ثم أضاف إليها ست عشرة صفحة من التصويبات التى أفادها عن نسخة الإسكوربال. ويقول ابن هذيل في مقدمة " حلية الفرسان " : ( إن من أعظم الفوائد قدرا ، وأشرف المعاني ذكرا ، أن يرفع فن من العلم نبيل ، إلى مقام ملك جليل ، فذلك هو الذي أوجب على العبد تأليف هذا الكتاب وتلخيصه ، وتهذيبه وتمحيصه ، فهو يشتمل على جلاد وكفاح . وخيل وسلاح ) .

ويقول في موضع آخر من المقدمة : ( ومولانا - نصره الله - ملك الدنيا الذي وقع عليه الإجماع والإصفاق ، والتأم الاتفاق ، وتحدث بسيرته الجميلة الرقاق ، فنشوفت إليه الشام والعراق ؛ واليمن مكتف بسلطانه . والظفر مبتسم عن سنانه ، والنجح عاقد لوائه ، والحمد نسج ردائه . . فجعل الله سبحانه شعاره الجهاد ، وشيمته سلوك سبيل الرشاد ، وعادت به جزيرة الأندلس في حرز من نزعات الفتن ، وحفظ من لزبات الإحن ) .

ومن هذا الكلام في المقدمة نعرف أن تأليف كتاب " حلية الفرسان " في الخيل والفروسية والسلاح وعدة الحرب كان استجابة لدواعي الجهاد ، وتلبية لنداء الكفاح والغزو في ذلك العصر .

والحق أن بلاد الأندلس في ذلك العصر الذي عاش فيه ابن هذيل - أعني القرن الثامن الهجري - قد تعرضت لأحداث جسام طيلة ذلك القرن كله . . ففي عهد السلطان " يوسف أبي الحجاج الأول " كثرت غزوات النصارى

لبلاد المسلمين في الأندلس ، وكانت وطأتهم شديدة عليهم . مما جعل السلطان الأندلسي يستنجد بالسلطان " أبي الحسن " ملك المغرب . ولكن المسلمين - على أي حال - لم يسكتوا على غزوات أعدائهم ، وظل الصراع بين الجبهتين إلى أواخر القرن الثامن الهجري ، حتى انتهى في أواخر القرن التاسع الهجري إلى ذلك المصير المشئوم ، والأجل المحتوم الذي كان متوقعا لبلاد الأندلس .

ومن هنا لا نعجب إذا رأينا أديبنا " ابن هذيل " يستحبب لظروف العصر ، ويصيح لدواعي النصر ، فيكون أدبيا عمليا واقعيا ، لا خياليا ، ويتخذ من الأدب دعوة للجهاد في سبيل الله والوطن . . ويضرب في أسفار اللغة والشعر والأدب والتاريخ . . كما يضرب في أسفار الفروسية من قبله ، فيجمع من ذلك كله مادة كافية لتحميس تلك النفوس العربية المجاهدة ، وتبصيرها بعدد الشجاعة والحرب عند العرب ، وإمدادها بألوان من المعارف الجليلة حول الخيل ، والفروسية ، والسيوف ، والرماح ، والدروع ، والقسى ، والسهام ، ثم نراه يصف لنا كيفية استعمال هذه الآلات ، وكيفية الضرب بالسيف والطعن بالرمح ، وهيئة الركوب على الخيل - سواء أكان ذلك على السرج أم على العري - ثم نراه فوق ذلك يحبب إلي الناس الشجاعة عن طريق تذكيرهم بأوامر الله المتصلة بالجهاد ، وإعداد المستطاع من القوة . . وبأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقتتاء الخيل ، وتقلد السيوف ، واتخاذ الدروع ؛ وبأشعار العرب في العزة التي تصونها السيوف ، ولا تخيفها المنايا والحتوف .

والسلطان أبو عبد الله محمد الذي أهدى إليه كتاب " حلية الفرسان " تولى ملك دولة " بني الأحمر " سنة ٧٩٧ ه بعد موت أبيه السلطان يوسف ، الذي قيل إنه قتل مسموما وكان أكبر وزرائه الوزير " ابن زمرك " الكاتب الشاعر الأديب ، الذي كان وزيرا لجده " محمد المشهور بلقب الغني بالله " . وقد حارب هذا السلطان مملكة قشتالة الإسبانية المسيحية التي كانت مطامعها في الفردوس الإسلامي المفقود لا تقف عند حد . فقد نقض ملكها " هنري الثالث " العهد بينه وبين السلطان أبي عبد الله محمد ، فاضطر هذا

إلي غزو ولاية " الغرب " الإسبانية والاستيلاء على حصن " أيامونت " . واستمرت المعارك بين الفريقين حينا من الدهر .

وقد ذكر " معجم سركيس " أن السلطان الذي ألف " ابن هذيل " كتاب التحفة بإشارته هو السلطان " محمد الخامس بن يوسف بن إسماعيل بن نصر أحد ملوك غرناطة الذي ملك سنة ٧٥٠ ه إلى سنة ٧٦٤ ه ".

وهذا كلام يحتاج إلى التصحيح من جهتين : فإن السلطان محمد بن يوسف بن اسماعيل قد تولى السلطنة سنة ٧٥٥ ه . لا سنة ٧٥٠ ه .

وليس هو الذي عمل كتاب " التحفة " بإشارته ولا أهدى من المؤلف إليه . . فقد كان متقدما على السلطان محمد بن يوسف بن محمد بن يوسف بن اسماعيل . . وبينهما اثنتان وأربعون سنة . . ودليلنا على ذلك هو كلام " ابن هذيل " نفسه في مقدمة كتابه . فالسلطان الذي قدم إليه كتاب " التحفة " أو " الحلية " هو الحادي عشر من ملوك الدولة النصرية ، على حين أن السلطان محمد بن يوسف بن اسماعيل الذي يذكره صاحب " معجم المطبوعات العربية " هو الثامن في ملوك هذه الدولة . وقد دخلت الشبهة من اتفاق الاسمين ، على بعد ما بين العهدين . .

ويعترف " ابن هذيل " في مقدمة كتابه  "الحلية " بأنه جمع الكتاب من جملة تواليف ، وانتقاه من أكثر من تصنيف . . وذكر طرفا من هذه المصنفات التى جمع منها مادة الكتاب . وما كان له أن يصنع غير هذا في كتاب يعتمد على كتب اللغة من ناحية ، وعلي المأثور من شعر العرب من ناحية اخرى . ولم ألاحظ أن عبارة "ابن هذيل" وحده تتفق مع عبارات الكتب الآخر التى نقل منها وأخذ عنها . . . بل لاحظت في أثناء المقابلة بين الراجع الأدبية واللغوية أن أساليبها جميعا تكاد تتفق في الخبر الواحد ، أو في التعريف اللغوي . . ففي " باب الخيل " مثلا من كتاب " حلية الفرسان " لابن هذيل نجد الحكاية الواحدة بعبارة واحدة تقريبا في " عيون الأخبار " لابن قتيبة ، و " العقد الفريد " لابن عبد ربه الأندلسي ، و " كتاب الخيل " لأبي عبيدة ، و " أنساب الخيل " لابن

الكلبي المعروف بابن السائب . . وهي مراجع قديمة . . ثم لا نلبث أن نجدها بعباراتها الأولى تقريبا في مراجع أحدث من التي ذكرنا قبلا مثل كتاب " فضل الخيل " للإمام شرف الدين الدمياطي المصري المتوفي سنة ٧٠٥ ه ، و " نهاية الأرب " للنويري المتوفي سنة ٧٣٣ ه . ثم لانلبث أن نجدها عند ابن هذيل في القرن الثامن الهجري . . ثم نجدها من جديد بعد ذلك في كتاب " رشحات المداد ، فيما يتعلق بالصافنات الجياد " للإمام محمد البخشي الحلبي المتوفي سنة ١٠٩٨ . ومن ذلك كله نعرف أن ابن هذيل لم يجر فيها صنع على غير ما جري عليه العلماء والأدباء قبله وبعده . . وليس يعيب الكتاب أن يكون جمعا لما تفرق في عدة من الكتب على غرار التصنيف العربي . . وخاصة في عصور الجمع . على أن مما يشفع لابن هذيل في هذا أنه لم ينفرد وحده بشئ في هذا السبيل . . وأنه - فوق ذلك - أشار في المقدمة إلي جمعه للكتاب . . بل زاد فذكر بعض المصادر التي جمع منها . ومن سوء الحظ أن تكون أغلب مصادره التى ذكرها في المقدمة مخطوطة لم تطبع ، أو مفقودة لم يعثر عليها . ومن هذه المصادر " يقظة الناعس ، لتدريب المجاهد الفارس " وكتاب " تهذيب الإمعان " في الشجاعة والشجعان " و " راحة القلوب والأرواح ، في الخيل والسلاح " و " رسالة الفرس " وغيرها .

ويمتاز على بن عبد الرحمن بن هذيل في كتابه " حلية الفرسان " انه استطاع أن يتحدث عن الخيل وعدة الحرب كلها في كتاب واحد . فلم يجعل كتابه في الخيل وحدها كما فعل " أبو عبيدة " في كتابه المطبوع بحيدر أباد الدكن وكما فعل الإمام شرف الدين الدمياطي في كتابه المطبوع بسورية . ولم يجعله في انساب الخيل العربية وحدها كما فعل ابن السائب في كتابه الذي أخرجته دار الكتب المصرية بتحقيق المرحوم أحمد زكي باشا ، ولم يجعله في السلاح وحده . . وإنما جعله مزيجا من ذلك كله . ولم يتعرض للناحية الفقهية والأحكام الشرعية في سقوط الزكاة في الخيل ، وفي أحكام السباق عليها والمراهنة بها ، لأن غرض الجهاد والفروسية كان الغالب عليه في أثناء تأليفه للكتاب ...

أما اللغة . . وأعني المادة اللغوية لأعضاء الخيل وألوانها وثيانها وصفات العتق والجودة فيها ، وأسماء أجزاء السيف

والرمح والدرع والترس فقد أطال فيها ابن هذيل حتى كاد يكون كتابه معجما لغويا في هذه الناحية ، ولا شك عندي أنه استعان بكتاب " أدب الكاتب " لابن قتيبة ، و " فقه اللغة " للشمالي . . فقد وجدت في أثناء تحقيق الكتاب أن كثيرا من عباراته في بعض المواطن تتفق وعبارات هذين الكتابين ...

ومزية أخري عند ابن هذيل الأندلسي في كتابه " حلية الفرسان وشعار الشجعان " فإنه لم يكتف بوصف أدوات القتال . . بل كثيرا ما نراه يصف طريقة العمل بها ، وكيفية إدارتها والتعلم بها . . كما فعل في تعلم الضرب بالسيف والطعن بالرمح والرمي بالقوس الإفرنجية التي كانت مستعملة في بلاد الأندلس بدلا من القوس العربية التي كانت تستعمل في المشرق . . وأمل هذه القوس الإفرنجية لم توصف في كتاب مما بين أيدينا كما وصفت في " الحلية " لابن هذيل ، وكثير من أجزاء القوس الإفرنجية وأسمائها مما لا عهد لنا به في الكتب التي تتحدث عن السلاح العربي وأدوات القتال ؛ وفي هذه الناحية بالذات يذكر لنا ابن هذيل الأندلسي أشياء مما لم يذكره المشارقة ، ويذكر لنا في أسماء الخشب الذي تتخذ منه القسى ، والحديد الذي تصنع منه السهام ما لم يذكر في كتب أهل المشرق . . فشجر " النبع " المعروف عند العرب والمذكور في المعاجم العربية كلها كان يسمي في الأندلس العربية المسلمة باسم " الطخش " وهي لفظة معرفة عن اللاتينية " Taxus" وشجره "الزنبوج " و " الشير " مما تتخذ منه القسي الأندلسية ، وهما مما ليس في أيدينا من الكتب والمعاجم .

ونري ابن هذيل - فوق ذلك - حين يستشهد بالشعر لا يكتفى بالمشهور المتداول من شعر المشارقة .. بل يروي - بالطبع - لشعراء من الأندلس ليست أسماؤهم متداولة لدينا  ... كشيخه القاضي الشريف أبي القاسم الحسني ، وكابن الزقاق البلنسى - لا البلقيني كما في جورجي زيدان - الذي تعينا في الحصول على ترجمة موجزة له من كتاب " شذرات الذهب " لابن العماد الحنبلي ، وهو - أعني ابن الزقاق - من شعراء أواخر القرن الخامس والربع الأول من القرن السادس الهجري .

بل نري ابن هذيل - فوق هذا - ينسب الشعر

المجهول القائل إلى قائله . كالأبيات الراثية الى قالها محمد بن مسلم يمدح رجلا بالشجاعة ويقول فيها : -

يلقي السيوف بوجهه وبنحره

               ويقيم هامته مقام المغفر

ويقول للطرف : اصطبر لشبا التقا      

               فعقرت ركن المجد إن لم تعقر

فهي في " ديوان المعاني " لأبي هلال العسكري منسوبة

" لبعض الإسلاميين " وفي كتاب " الأمالي " للفالي منسوبة لغير قائل . . ولكن صاحبنا ابن هذيل بنسبها ويردها إلى صاحبها محمد بن مسلم.

رحم الله هذا الأديب الأندلسي الذي حاولنا أن نكشف بعض القناع عنه . ولعل الزمان - الذي لا ينسي - كفيل بأن يزيح عن مؤلفنا الأندلسي كل القناع . .

اشترك في نشرتنا البريدية