من يقرأ الجزء الثالث من كتاب "نفح الطيب" يجد فيه على يسر - ترجمة وافية بعض الوفاء لشيخ من شيوخ لسان الدين بن الخطيب الوزير الأديب الأندلسي المشهور .. وهذا الشيخ هو الشاعر الكاتب البليغ أبو زكريا يحيى ابن هذيل . وقد ترجم له تلميذه ابن الخطيب فى كتابه "الإحاطة" الذى طبع منه فى مصر جزء قليل ، ولا يزال هذا الكتاب الجليل القدر ينتظر من أدباء العرب والمسلمين من يقدمه إليهم، وينفض الغبار عنه؛ فيخدم بذلك تاريخ الأدب الأندلسى وتاريخ أعلام المسلمين أجل الخدمات.
ويحيي بن هذيل هذا من رجال الأندلس في القرن الثامن الهجري ؛ وقد اشتغل إلى جانب الأدب والشعر بالفلسفة ، وتكلم فيما تكلم فيه الفلاسفة . حتى انهم بما يسهم به الفلاسفة عادة . وكان على رأس متهميه القاضي أبو الحسن الذي أرسل إلى لسان الدين بن الخطيب كتابا طويلا يعظمه فيه ، ويقول له بعد مسائل فقهية ودينية كثيرة (وما حملني على تبيين ما بينته الآن لكم في المسألة - مسألة الرقى - إلا إرادة الخير التام لجهتكم ، والطمع في إصلاح باطنكم وظاهركم فإني أخاف عليكم من الإفصاح بالطعن في الشريعة ، ورمى علمائها بالمنقصة ، على عادتكم وعادة المستخف "أبن هذيل" شيخكم ، منكر علم الجزئيات..)
و"ابن هذيل" هذا الذى يتهمه القاضى أبو الحسن بالاستخفاف ويرميه بعد ذلك بالإلحاد . هو غير "ابن هذيل" الأديب المؤلف الاندلسى فى القرن الثامن الهجرى أيضاً ، والذى يشترك مع يحيى ابن هذيل فى هذه الكنية المصدرة بلفظة "ابن" والذى طبع له فى مصر كتاب "عين
الأدب والسياسة وزين الحسب والرياسة " منذ سنوات والذى ألف كتابا فى الفروسية والسلاح سنتحدث عنه عما قليل . واسمه الكامل على بن عبد الرحمن بن هذيل . وهو موضوع الترجمة والحديث فى هذا المقال .
وليس لهذا المؤلف - الذى سنتحدث عما قليل عن مؤلفاته - ترجمة فيما بين أيدينا من كتب التراجم الأندلسية ، فلم يذكره "المقرى" فى كتابه الضخم "نفح الطيب". ولم يرد ذكره فى القسم الذى طبع من كتاب "الإحاطة فى أخبار غرناطة" للوزير لسان الدين بن الخطيب .
وعلى كثرة التراجم التى يزدحم بها كتابا النفح والإحاطة لم تقع العين على اسم هذا المؤلف الأديب الذواقة الذى يشترك فى الاسم مع الأديب الحكيم المتفلسف "أبى زكريا يحيى بن هذيل" الذى كان من أشهر علماء الأندلس فى القرن الثامن من الهجرة . وقد تعاصر الرجلان وعاشا فى مدينة غرناطة عاصمة دولة بنى نصر او بنى الاحمر ، وهى الدولة التى كان على أخريات عهدها نهاية المأساة الإسلامية فى الأندلس.
وقد يكون لابن هذيل هذا ترجمة فى الجزء المخطوط من كتاب "الإحاطة" أو فى "التاج المحلى" أو فى "وفيات ابن الخطيب ، الفسطمينى" أو فى غيرها من كتب التراجم الأندلسية الضائعة أو التى لم تصل إلينا لأنها لا تزال مطمورة فى بعض خزائن الغرب أو خزائن أسبانيا المسيحية.
على أن ابن هذيل قد جنبنا بعض العناء حين ذكر فى
مقدمة كتابه "حلية الفرسان وشعار الشجعان" (١) اسم سلطان بنى الأحمر الذى عاش المؤلف فى عصره . والذى ألف له كتاب الفروسية هذا اشادة بجهاده وتخليداً لذكره، ورفعه إليه . حتى تكون المواءمة أتم بين موضوع الكتاب وبين ذلك الذى أهدى إليه وقدم بين يديه ؛ ومن هذه المقدمة عرفنا عصر المؤلف على التحديد . وعرفنا اسم الملك الذى عاصره من ملوك دولة بنى الأحمر ، وإن كنا لم نعرف شيئا عن حياة هذا الأديب المؤلف ، ولا عن مشاركته للحياة الأدبية فى ذلك العصر ، ولا عن سيرته التى يسرنا أن يقفنا عليها متفضل ممن وقع لهم شئ من سيرته فيما لم يصل إلينا من الكتب الأندلسية التى ليست فى أطراف أيدينا .
ولقد كنا سنظل نضرب في بيداء من حياة هذا الأديب الأندلسي حتى فيما يتصل بشيوخه الذين تلقي العلم عنهم وهو أيسر ما يعرف عن أديب في زمان كان يهتم الأدباء فيه يذكر مشيختهم وأساتذئهم ، وكان الأمل في هذا يفلت من أيدينا لولا أن المؤلف في صفحة ٦٩ من المخطوطة الصورة من كتابه "حلية الفرسان" يروي شعرا في الرماح وينسبه إلى : (شيخنا القاضي الشريف أبي القاسم الحسنى)، فمن هو ذلك القاضي الشريف الذي تتلمذ عليه ابن هذيل ؟ .
هنا نجد كتب "نفح الطيب" و "الإحاطة" و"اللمحة البدرية فى الدولة النصرية" تسعفنا بتراجم مفصلة عن هذا الشريف الحسنى الذى كان قاضى الجماعة فى عهد السلطان محمد بن يوسف بن إسماعيل ، وفى عهد أبيه السلطان يوسف بن اسماعيل من قبله ، وكان هذا الشريف الحسنى من مفاخر الدولة النصرية - دولة بنى الأحمر - كما يقول لسان الدين ابن الخطيب . وكان من أهل مدينة "سبتة" بالمغرب ، ثم نزح إلى غرناطة عاصمة ملك بنى نصر أو بنى الأحمر ، فلقى فى رحابهم سعة وقبولا ، واشتهر
بالعلم والفقه والفضل والتخرج، وتخرج على يديه كثيرون من علماء الأندلس من أمثال الفقيه "محمد بن على بن الصباغ العقيلى" و"الإمام أبى إسحق الشاطبى" و" الوزير الشاعر الكاتب أبى عبد الله بن زمرك الذي رثاه - أى رثى أستاذه - بقصيدة مشهورة مطلعها :
أغرى سراة الحى بالإطراق نبأ أصم مسامع الآفاق
وقد أوردها صاحب "نفح الطبيب" كاملة في الجزء الثالث..
على أن أشهر تلاميذ القاضي الشريف الحسنى "لسان الدين بن الخطيب" أديب الأندلس ووزيرها المشهور ، وقد ترحم لأستاذه فى الجزء الثانى من كتابه الذى لم يتم طبعه : "الإحاطة فى أخبار غرناطة" والترجمة فى صفحة ١٢٩ من هذا الكتاب .
فى هذه البيئة الحافلة بهؤلاء العلماء والأدباء وغيرهم عاش على بن عبد الرحمن بن هذيل ، وفى هذا الجو الذى أنجب ابن الخطيب ، وابن زمرك ، والشاطبى ، ظهر أديبنا "ابن هذيل" وأسهم فى الحركة الأدبية فى الأندلس ببضعة من الكتب .
ويذكر صاحب "معجم المطبوعات العربية والمعربة" ، أن لعلى بن عبد الرحمن بن هذيل من الكتب كتاب : "البغية والنيل" وكتاب "تذكرة من انفى" وكتاب "عين الأدب والسياسة" الذى سنقف أمامه وقعة قصيرة بعد سطور
ويذكر المستشرق الالمانى الكبير "بروكمان" أن لعلى بن عبد الرحمن بن هذيل كتباً أخرى هى : "مقالات الأدباء ومناظرات النجباء" فى ملحق المتحف البريطانى تحت رقم ١١٤٤ ، وكتاب "الفوائد المسطرة فى علم البيطرة" ، الذى طبع فى مدريد سنة ١٩٣٥ .
أما كتاب "عين الأدب والسياسة وزين الحسب والرياسة" فقد طبع لأول مرة فى مصر سنة ١٣٠٣هـ سنة ١٨٨٥ م بمطبعة الاعتماد ، ولا ندرى على أية مخطوطة
اعتمدت هذه الطبعة الأولى للكتاب ! وقد طبع مرة ثانية على هامش كتاب " عهد الخصائص الواضحة " للأديب المصري جمال الدين الوطواط ، وهو ممن عاشوا في القرن السابع الهجري وبضعة عشر عاما من القرن الثامن ٦٣٢ - ٧١٨ هـ، وهذه الطبعة في المطبعة الأدبية المصرية سنة١٣١٨ هـ - سنة ١٩٠٠ م ، وآخر طبعة لهذا الكتاب هي التي ظهرت في سنة ١٩٣٨ بمطبعة مصطفى البابي الحلبي وهذه المطبعات - في مجموعها - مملوءة بالأخطاء والتحريف والتصحيف ، وينقصها كثير من التحقيق والنشر العلمي الصحيح.
أما كتاب "تذكرة من القى" فيظهر أنه مفقود من عالم الوجود ، ولم يذكره "بروكان" فيما ذكر من كتب ابن هذيل . ولكننا نري هذا المؤلف الأندلسي المجهول يشير إلى كتابه هذا في فصل من فصول كتابه : (عين الأدب والسياسة)، فيقول : (ومن المنقول في تأليفا - تذكرة من القى) ، ثم يشير غير مرة إلى كتابه : (مقالات الأدباء)، فيقول في كتابه (عين الأدب والسياسة) : "ومن المنقول في تأليفنا - مقالات الأدباء".
أنظر صفحة ١٦٥ من طبعة مصطفى الحلبى الثانية
ولا بأس هنا من أن نشير في إيجاز إلى طريقة ابن هذيل في التأليف ، ولا نجد أبلغ في التعريف بها من كلامه هو نفسه ، فهو يقول في مقدمة كتابه (عين الأدب والسياسة) : "والذي عليه في التأليف الدار ، هو حسن الانتقاء والاختيار مع الترتيب والتبويب ، والتهذيب والتقريب .. وفضيلة هذا التأليف هي في جمع ما افترق ، مما تناسب وانسق، واختيار عيون . وترتيب فنون ، من احاديث نبوية ، ومكارم أدبية ، وحكم باهرة ، وأبيات نادرة . وأمثال شاردة ، وأخبار واردة"
وقد اتسع ابن هذيل هذا النهج فى كتابه "تحفة الانفس " وشعار سكان أهل الأندلس" الذى يطبع اليوم القسم الثانى منه بتحقيق كاتب هذا المقال بعنوان : "حلية الفرسان ، وشعار الشجعان" فقد رتب ابن هذيل موضوعات الخيل ، والسيوف ، والرماح ، والقسى ، والنبال والدروع ، والترسة ، وجمع ما ورد فى كل منها من الآيات
القرآنية والأحاديث والأخبار والأشعار ، بل جمع ما فيها من الأسماء والصفات والشيات من كتب اللغة والأدب . وبهذا أثبت القديم وقدمه فى ثوب جديد ، عملا يقول ابن فارس صاحب " مجمل اللغة " الذى ينقل عنه ابن هذيل قوله: ( لو اقتصر الناس على كتب القدماء لضاع علم كثير ، ولذهب أدب غزير ).
(للكلام بقية)

