{والعهدة علي صاحب الوثيقة الذي زعم أنها بخط يد الأديب الكبير جحا نفسه ....... }
ولدي عجيب من تلاميذ العصر الحديث الذين يعتقدون انهم ناشئة عهد تقدم وذكاء وعلم ؛ وهو مثل إخوانه وابناء جيلة ، يسيئون الظن بجيل آبائهم بقدر إحسانهم ظنهم بأنفسهم . ولم لا يفعلون وذلك أمر نقضي به سنة الكون منذ خلق الله الناس جيلا بعد جيل ؟ كل جيل بهذا في تحصيل المعرفة ، فيظن أنه قد أوجد المعارف بنفسه ، وكلمنها يذوق أول طعم تجارب الحياة ، فيكون كل شئ عنده جديدا ، فيحسب أنه قد كشف شيئا
جديدا لا عهد لأحد به من قبله ؛ فلم لا يكون ابني كذلك ؟ لست ألومه علي مثل هذا الوهم ، فهو أمر طبيعي ؛ وكلما رأيته منتفخا بأوهامه تبسمت وتذكرت أحوالي إذ كنت في مثل سنه ، وأرد له الدين الذي كان لأبي في عنقي . هكذا نحن نسدد ديون الآباء للأبناء
ولو كان عجيب ابني يكتفي بسوء ظنه بالجيل القديم لوافقته واستحسنث صنعه ، فقد عاشرت هذا الحيل القديم وعرفته معرفة لم تتح لأبي ، وكلما مرت بي الأيام زاد يقيني ان هذا الجيل القديم خلقة شاذة ، وما أبري نفسي فأنا كذلك خلقة شاذة ؛ بل لقد بلغ في الشذود عن الطبائع إلي الذروة ، فأنا شاذ في جيل شاذ ولكن الداهية ان ابني يحسن الظن بنفسه وبأهل زمنه ، على حين اني لا أري إلا زيادة متصلة في التخليط والخبط وقد ولع ابني بما يسميه الأدب ، واستهتر به استهتارا ، حتى بلغ به الأمر أن اشتري قاموسا صغيرا وضعه في جيبه
وكلما وجد فراغا من وقته فتحه وأخذ يحفظ من ألفاظه كل ماشذ واستعجم ، ثم تعود بعد ذلك أن يستعمل هذه الألفاظ في كتابته ومناقشاته ؛ وزاد به الأمر حتى ولع بعبارات بجمعها في قراءته من كل ما هب ودب من كتب هؤلاء المساكين المخدوعين ، الذين يحسبون أن الأدب لا يزيد على أن يطمسوا الصور ويلقوا على الألفاظ سحبا سوداء من الغموض ، فيضطر القارئ الذي لم يدرك لقولهم معني أن يتهم فهمه ، ويدفعه اليأس إلي التسليم بأنهم نوابع في الأدب ، وطالما صدع رأسي بما يقذفه عليه من عبارات هؤلاء البائسين ؛ وطالنا سمعته يتغني بالضوء الذي يداعب أعطاف السماء ، وبالنشوة التي تتمشي في الظلال الراقصة ، وبالسحر الذي يتموج فوق مجالي النبضات اللانهائية ! وكنت منذ ليال قلائل جالسا وحدي في الحديقة اتمتع بضوء القمر الزاهي ، فسمعته يتغني بأبيات مما يسمونه شعرا . وكان لا بد لي أن أسمع عناءه وإنشاده ، لأن الليل كان ساجيا ساكنا ، ليس فيه ضجيج أحتمي فيه ؛ ولا أزال إلي اليوم أقشعر كلما مرت هذه الأغنية بخاطري وعادت أصداؤها إلي ذاكرتي . كانت شيئا لا معنى له ولا وزن ؛ ووالله لو كان ذلك شعرا لاستطاعت كل عنز أن تكون شاعرة ! كان يتغني قائلا شيئا مثل هذا :
الشجر والطير والسحاب والنور والحب والضباب
فلما زاد بي الالم على قدر طاقتي صحت به أن يسكت ، ولكنه أقبل نحوي في حماسة شديدة ، وجعل يرجمني رجما متصلا بإنشاده ، حتى أوشكت أن يغمي على .
من أجل كل هذا عرف عجيب ابني بالنبوغ بالأدب يبين لدانه وتمكن منه الوهم فاعتقد أنه أديب وهب الله له من فضله ، وجعل يسألني عن اسماء شياطين الشعراء ليختار له واحدا من بينهم ظريف الاسم كريم السابقة وكثيرا ما افضي إلي بأمله في أن يكون كبير الأدباء
في جيله ، فتأخذني الشفقة عليه ، فأهز رأسي صامتا واتركه يقول ما يشاء ، فالزمن وحده هو الكفيل بحل كل مشاكل الحياة ، ولا فائدة في المناقشات ، لأن تيار الحياة يحمل الإنسان في سبيله كما يريد هو لا كما يريد الإنسان . ولست أدري لعله حقيقة بصير إلي ما أراد ، ويتحقق أمله في أن يصبح كبير أدباء عصره ، فإن الزمن - كما قدمت - سائر إلى فساد بعد فساد ؛ فلعل هذا الأدب الممسوخ يكون في العصر المقبل آية الإبداع في أنظار أبنائه ؛ والعبرة بأهل ذلك الزمان لا بنا نحن - ومع ذلك فإني لم أتمالك نفس يوما من أن أخوض مع ولدي في مناقشة صاخبة ، عند ما سمعته يتحدث عن الأدب في حماسة حمقاء ، فقد قلت له عند ذلك ناصحا : - ماذا تريد من ذلك الذي نسميه الأدب ؟ حقا أن اسمه مغر لكم معشر الأبناء ، لأنكم داغا تسمعون منا أن الأدب محمود ؛ ولكن الأدب الذي نقصده شئ آخر .
فقال لي غاضبا : أتظنني لا أعرف معني الأدب ؟ إنني أعرف عن عظماء الأدباء أكثر مما تظن
فضحكت وقلت له : - عظماء ! يا خبر ! فقال وقد نفخ صدره ؛ - بلا شك ! عظماء وخالدون أيضا . وسأكون أحد الخالدين
فقلت له : - إذن مت جوعا . وما كان أشد عجي عند ما سمعته يجيب معاندا : - وماذا علي لو فعلت ؟ إنها ضريبة العظمة ، إنها ثمن الخلود فنظرت إليه طويلا ، وهززت رأسي آسفا . وكان
أسفي شديدا ، لأنني أنا والد هذا الفتي الذي سببت له بغير قصد أن يوجد في هذه الحياة .
ولست أدري من ذا الذي يلقي مثل هذه الأوهام في عقول هؤلاء المساكين ؟ أم لعل هذه الأوهام تثبت في الرؤوس بغير أن يلقي أحد بذورها كما تنبت الحشائس على جانبي المساقي .
أما إذا كان لا بد من إلقاء الذنب على أحد ، فإن هذه الخديعة البارعة لم يقترفها إلا تجار الكتب ، فإنهم بلا شك يحبون أن يفتتن الحمقي بهذه المعاني الجوفاء ، ومن مصلحتهم ان تشيع بين الناس مثل هذه العقيدة . يا خبر ! عظاء ؟ من هؤلاء العظماء ، وما معنى عظمتهم ؟ إن نصف أصحاب هذه الأسماء التي تملأ كتب الأدب قد ماتوا جوعا ، لأنهم ألفوا ما لم يفهمة احد في عصرهم ، فكانوا كمن يلقي الحواهر إلي مراود البقر . هؤلاء ماتوا جوعا ، وكان حقا عليهم أن ينتهوا إلي تلك النهاية المرة ! ولست أشك أنه عزاء قليل لهم أن يقال عنهم بعد موتهم إنهم عظماء . وإذا كان أحد يجني ثمرة من تقديسهم بعد الموت فهم تجار الكتب . هذا أمر بديهي .
وأما النصف الثاني من أصحاب هذه الأسماء ، فهو جماعة تسنموا الناس في الحياة ، لأنهم كانوا تجارا مهرة ، عرفوا كيف يبيعون للناس ، وكيف يضحكون على ذقونهم . وهؤلاء قد أنصفوا أنفسهم بغير شك ، ولست أضن عليهم بالإعجاب والإ كبار ، ولكنهم على أي حال لم يكونوا عظماء ، ولم يعبأوا بمثل هذه الألقاب السخيفة التي تخدع الأغرار . فقد امتلأوا من الحياة كما يمتليء الطفيليون من الولائم ، ثم خرجوا بعد أن أصابوا من أطايبها ، وهم مشيعون بالغيظ والسخرية ولكنهم خرجوا أسعد خلق الله وأسمهم وأطيبهم نفسا .
نسبت أن أذكر السبب الذي دعاني إلي كتابة هذه الكلمة اليوم ، فقد مر بي ولدي عجيب وأنا جالس في
الحديقة عند الساقية ، وكان يقرأ في قاموسه ، ولما قرب مني نظر إلي بإسما ابتسامة خبيثة ، ولكنها كانت حلوة في خبثها . وكان في هذا اليوم رفيقا في ، فلم يعرج على ، ولم ينشد لي شيئا من محفوظه ولا من تأليفه . ولما بعد عني جلست وحدي وتواردت على خاطري هذه المعاني التي أنبتها في هذه الكلمة . وبعد حين جاء صديقي أبو النور فجلس إلي جواري وأخذنا نتحدث ، ومال بنا السمر إلي ذكر ولدي وما أرجو له من عمل في مستقبل أيامه ؛ فأفضيت إلي صديتي يا يساورني من المخاوف من أجل ما داخله من حب هذه الصناعة التي يسمونها الأدب . فسألني أبو النور في سذاجة :
وهل فكرت له في صناعة أجدي عليه ؟ فاندفعت قائلا في شيء من الغضب :
- ماذا تقول يا رجل ؟ لقد حسبتك أعلم بالحياة من ذلك ، إن كل صناعة أخري وكل تجارة غير هذه المحنة أجدى على أي شاب له عقل . فليكن طبيبا إذا شاء ، فإنه سيكون شيئا له معني ، ولن يزاحمه إلا من كان له شئ من العلم بصناعة الطب ؛ فإن الناس يفتحون أعينهم ويسألون عن مبلغ علم الطبيب الذي يسلمون إليه أبدانهم ؟ او فليكن ففيها ، فإنها تجارة رابحة رائجة ، ولن يزاحمه فيها إلا من كبد مشقة الحفظ وتحصيل العلم ؛ أو فليكن خبازا ، فالناس لا يتدسون بين الخبازين ، إذا لم يكونوا قادرين على صناعة الرغيف الطيب . فيسكن اي شئ من هذا او غير هذا ، لأنه عند ذلك يصبح صاحب حرفة محدودة معروفة ، لها قيود وعليها أسوار تمنعها وتحميها . ولكن لا يبلغن ، السفه أن يدخل برجليه إلي تلك الرملة الخوانة التى يسمونها صناعة الأدب .
وقد نسيت وأنا أقول هذا القول ، فحسبت انني أحدث نفس ولا يسمعني احد ، ولكني شعرت فجأة بقرصة في ساعدي ، فتنبهت ، فإذا أبو النور يقول لي :
- أما تسمع ؟ فسكت ونلفست حولي ، فطرقت أذني صرخة مكتومة كأنهما خارجة من بطن الأرض ، فقمت مع صاحبي مسرعين ، وحملنا نركض باحثين عن مبعث الصوت في أنحاء الحديقة ، فلم يجد شيئا ، وأتهمنا أسماعنا ، وعدنا مرة أخرى إلي الساقية بعد أن درنا بالحديقة كلها ، ووقفنا نلقف أنفاسنا لحظة وهممت أن أسأل صديقي عن رأيه في الأشباح التي ترتفع أصواتها في الليل هل يمكن أن تظهر في وضح النهار ؟ وإذا بالصراخ المكتوم ينبعث مرة أخري كأنه يصعد من تحت أقدامنا . فنظرت إلي صديقي قائلا :
- بسم الله الرحمن الرحيم
ولكني رأيته يذهب إلي شفة البئر التي تحت الساقية : فسرت وراءه وأطلت برأسي ، فاذا رأيت ؟ هناك كان رأس ولدي عجيب فوق سطح ماء البئر ، وهو يحاول أن يسند نفسه واضعا يديه على الجدار الأملس ، ويضطرب برجليه في الماء ، وسمعته يصيح
- الوهس الوهس ! الوحي الوحي الجدار المتملس يداعب كفي ، وسراب الماء يراود أنفاسي ! وكان يريد الاستمرار فخشيت عليه وصحت به : - اخرس ماذا الوهس وماذا الوحي ، وماذا يداعب ، وماذا يراود ؟
فرفع رأسه نحوي متحديا وقال : لقد رأيت (الوهس )قبل سقوطي ، ومعناه الجري السريع ، وأما الوحي العجل ، وأما الجدار المتملس الذي يداعب فهي عبارة رائعة نقلتها عن الأديب الكبير . . وأراد أن يستمر فلم أجد ردا إلا أن صحت به : - دع هذا وقل لي أين الحبل ؟ أين الحبل الذي كان هنا علي شفة البئر ؟ فلما أحس الولد الجد مني قال في انكسار :
- هو الذي انقطع بي وأهواني في تبج وكاد يستمر لولا أن صحت به مرة أخري :
- اخرس
ثم نظرت حولي لأجد شيئا أنقذه به ، فوقعت عيني على عمامة صديقي ، فأسرعت فنزعتها عن رأسه ، وساعدني الرجل الطيب علي أن أبرمها ؛ ثم دليلناها إلي الولد حتى أمسك بطرفها ، وتعاونا علي رفعه حتى اخرجناه من البئر وهو مثل القط الغارق
وأخذ صديقي عمامته فنشرها وهو صامت ، وأخذت ولدي إلي البيت خوفا عليه من إصابة البرد ، ودفعته إلي أمه قائلا :
- أصلحي أمره ، واعتني به حتى لا يفجع الجيل الجديد في كبير أدائه !
ورجعت إلي صديقي فوجدته لا يزال يهز أطراف عمامته ليساعدها على أن تجف ؛ فداخلني إشفاق عظيم عليه ، وقلت له في حرارة :
- أشكرك ! فلولا عمامتك لهلك كبير أدباء الجيل الناشئ
ثم لم أدر ماذا حدث ، ولكني رأيت الضحك يغلبني ، وكان ضحكا طويلا معديا بلا شك ؛ فما مضت لحظة حتى كان أبو النور يضحك ضحكا طويلا مثله ، وهو لا يزال بهز أطراف عمامته بيديه لكي تجف .
طبق الأصل

