أريد أن أعيش في عالمى الذي لا يشاركني فيه الناس ، ولكن الناس يأبون على ذلك ويريدونني علي أن أعيش في عالمهم برغمي . فهم يحاولون أن يحملوني علي أن أكون مثلهم ، وأن أفكر مثل تفكيرهم ، وأن أسلك في الحياة مثل سبلهم ؛ فإذا أنا أبيت أن أفعل ذلك ، أو بقول آخر إذا أنا لم أستطع أن أكون كما يريدون سخروا مني وضحكوا ، وأذاعوا عنى في أركان (ما هوش )، أنني رجل ضحكة لا أصلح لشئ غير أن أكون مسلاة لهم . بل أراهم أحياناً يتعمدون أن يتعرضوا لي لكي يروا كيف أفعل وكيف أتكلم ، ويلتمسون في أفعالى وأقوالي أنواعاً من الفكاهة . يا لهم من مساكين ! إنهم لا يعرفون أنني أضحك وأسخر في قرارة نفسى ، وإن كنت لا أقول لهم ذلك قولا صريحاً . فينصرفون عني بعد أن يصيبوا ما شاءوا من التندر والتفكه ، وقد امتلأت رؤوسهم الجوفاء بالغرور إذ يحسبون أنهم يرون رجلا أحمق يخلط في القول والعمل ، ويحمدون الله على أنه لم يخلقهم على نمطي ، ولم يجعل عقولهم الجوفاء مثل عقلي . وماذا علي من ذلك آخر الأمر ؟! فلأدعهم يظنون هذا كله ظن فلن يضرني ذلك شيئاً ، فلست في حاجة إلي شيء مما في أيديهم ، ولست أطمع في إ كبارهم ولا في مشاركتهم فيما هم حريصون عليه ، ولن أحرم نفسى متعة النظر إليهم وهم يضحكون ويسخرون ، وأنا أري البلاهة تقطر من رؤوسهم . إن هذا الناس لا يريد المعرفة ولا يحرص على أن يفهم ، فماذا علي من ذلك ما داموا سعداء في جهالتهم وغرورهم ؟ ! يلومي صديقي أبو النور علي
أنني لا أحرص على أن أكون موضع إجلالهم ، ويظهر الألم كلما رآهم حولي يضحكون ويزأطون ، ولكني ضحكت من قوله ولم أجبه بحرف . وهل كنت لأستحق إجلالهم إلا إذا كنت عندهم مخوفا ؟ الناس لا يعرفون عدلا حتى يمكن أن يجلوا الرجل لفضله أولعقله ، فهم لا يعرفون إلا الخشية من السوط ، سواء أكان ذلك السوط قوة جسم أم قوة سلطان أم قوة مال . فإذا هم أحسوا أنك لا تملك سوطاً تخيفهم به لم يحسوا نحوك شيئاً مما يسمونه الإجلال ؛ وأما إذا خافوك فإنهم عند ذلك يلونون خوفهم كما يشاءون وكما تشاء لهم أطماعهم أو رغباتهم ، فيكونون من الخوف حباً ، ويكونون منه احتراماً ، ويكونون منه إخلاصاً ، وغير ذلك من صنوف الحيل النفسية التي تخفي في باطنها الخوف والكراهة ، ولكن ما علينا . دع الخلق للخلاق يا جحا ! وحسبك أن تنظر وتضحك في قرارة نفسك ، وليضحك منك الناس جهرة لعل ذلك يجعل لهم الحياة أحلى أو أكثر خدانا . وحسبك كذلك أنك تعرف أن سخريتهم منك تنطوي علي محبة لا يشوبها خوف ، وهل فوق المحبة مرتبة عند مثلى ممن يقدرون المعاني السامية ؟
كنت بالأمس اسير في الطريق وأنا مشغول القلب بالصورة الحبيبة ، صورة علية ابنة السلطان . فهي دائماً هناك لا تغادر بصيرتي في سير ولا في قعود ، ولا في صحو ولا في منام . وكنت أحمل في يدي قطعة من اللحم اشتريتها من السوق لكي تكون عشاء عيالي . فلم أشعر وأنا غارق في تأملى تلك الصورة الحبيبة إلا وقد انقض طائر - أظنه كان غرابا - فاختطف قطعة اللحم مني ، ثم أسرع كما ينبغي لطائر ماهر مثله فكان فوق نخلة عالية في مثل لمح البصر , وجعل يأكل قوت عيالي علي مرأي مني وانا عاجز عن مطاردته واستعادة قطعة اللحم منه . فوقفت أحدث نفسى عن ذلك الطائر الخبيث ، وشغلني ذلك الحديث عن صورتي الجميلة حينا ، وتواردت على قلبي خواطر كثيرة ازدحمت عليه كما يزدحم أهل ( ماهوش ) حول الحاوي أو حول الأنوار في عيد من الأعياد .
فقلت لنفسي حانقا : - أهكذا يخطف هذا الغراب الخبيث مالي ، وانا ساه مثل الطفل الأبله ! ولكن نفسى ردت قائلة : مالك ! ثم ضحكت ساخرة مني . فتنبهت عند ذلك إلي نفسى وإلي قولها وسخريتها ، وجعلت أتأمل الحقيقة . أأقول مالي ؟ ولمن أقول هذا ؟ قد يكون هذا القول مفهوما إذا قلته للإنسان ، ولكن الغراب لايفهم معنى لهذا اللفظ ، ولا يحس أنه قد ارتكب جريمة شنعاء عند ما خطف قطعة اللحم مني .
وجعلت أفكر في هذا المعنى وأسترسل فيه حتى تحول حنقي إعجابا ، وغضبى سماحة ورضاء . حقاً إن الحيوان يأكل إذا جاع ، وهو يأكل مما يجد دونه من الطعام لا يسائل عنه نفسه ، ولا يسائل عنه سواه ، ولا يتعب نفسه في التفكير هل ينبغي له أن يطعم من ذلك الصنف ، أم أنه لا يحل له . فكل طعام يستطيع أن يأكله حلال له ، لم يخلق إلا لكي يكون طعاماً له . فالفأر الذي يقرض الكرسي لم يفعل ذلك لكي يغيظ صاحب الأثاث ؛ لأنه لا يعرف الخبث ولا الضغينة ، بل هو يأكل ما ساقه الله إليه من رزقه ؛ وهو إذا دخل إلي مخزن الدار ، فأصاب من قمحه أو من أرزه أو بل ريقه ببعض سمنه ، لم يفعل ذلك لكي يؤذي أحداً بل ليأكل ولا شئ غير ذلك . وهذا الفأر بغير شك أقرب إلي حبي واحترامي من كثير من الناس ، لأنه على الأقل لا يصيب من أي طعام إلا ما يسد جوعته ثم ينصرف لكي يطيع نداء آخر من نداء الطبع الذي فطر عليه ، لا يعرف قيداً ، ولا يشعر بجريمة في قرارة نفسه ، وأغلب ظني أن الفيران إذا دخلت إلي عقولها تلك المعاني التي عند الإنسان لصارت مثل الآدميين شقية سخيفة ، ولفقدت عندي كثيراً من عظمتها . ولما استرسلت في هذه الخواطر حدثت نفس متمنياً لو كنت غرابا لا تقيدني بالأرض كل هذه القيود المختلفة ، بين قيود مادية وقيود أخرى معنوية ! فلو كنت غرابا لاستطعت كل يوم أن أري علية ابنة السلطان ، وأتملى بالقرب منها
في كل يوم ، بل في كل ساعة ، لا يقف دونها حراس ولا حجاب ، ولا تمنعني من الاقتراب منها أسوار ولا أبواب . ولو كنت غرابا لما قيدتني تلك القيود المعنوية التي تمنع من اختطاف ما يخلو لي أن أخطفه إذا كنت في حاجة إليه !
وفيما كنت أفكر في هذا ، لاحت لي على مسافة قريبة مني امرأة تحمل فوق رأسها صحفة واسعة فوقها طبق عظيم لا أدري ما فيه من صنوف الطعام ، إلا أنى رأيت ديكا عظيما بارزاً فوق الطبق ، لا يزال الدخان يتصاعد منه ، وكأني بدهنه لا يزال يطش رذاذا . فلم أدر ماذا كان مني ، إذ وجدت دافعاً قوياً يدفعني لتجربة نفسى ، لأري هل أصلح أن أكون مثل الغراب ! فلم أدر إلا وقد اندفعت نحو المرأة ، وفي مثل سرعة الغراب خطفت الديك ، وأسرعت أجري بما استطعت من قوة حتى علوت ربوة قريبة مني ، فتوغلت فيها حتى بلغت أعلاها وأنا أنـهج من التعب . وقلت لنفسي : فلأجرب أن أقف هنا لآكل من هذا الديك . ولكني ما كدت أمد يدي إلي فمي بقطعة منه حتى رأيت جمعا عظيما من هؤلاء العاطلين الذين لا يكادون يرون حركة حتى يتجمعوا ويتدخلوا فيما لا شأن لهم به فإذا لي في حلقة صاخبة غاضبة من قوم يشبهون أن يكونوا قردة تصرخ ؛ وفي برهة قصيرة تشبه لمح البصر رأيت الديك قد نزع من يدي ، ولم يبق دوني إلا نظرات حانقة ، وألسنة مبلبلة ، كل منها يسأل ، وكل منها يسب ، وكل منها يهدد !
وأمسك بعضهم بتلابيبي يريدون أن يذهبوا بي إلي القاضي لكي أنال عنده عقابا علي جريمتي - نعم جريمتي - فإني قد اقترفت سرقة منكرة في الطريق الأعظم من مدينة عامرة ، مدينة ماهوش .
فتذكرت عند ذلك أنه لا حيلة في التحلل من قيودي ما دمت إنسانا . ونظرت حولي التمس المعونة ، وكان مظهري بلا شك يدعو إلي الشفقة ؛ فقد لاحظت أن في الجمع جماعة تحركت فيها الشفقة ، وجعلت تدافع عنى وتحاول حمايتي ، ولكن دفاعهم عني كان دفاعاً عجيباً ،
أقرب إلي أن يكون سبابا وإهانة منه إلى أن يكون دفاعاً - فقد جعلوا يتوسلون إلي الجمع ويستعطفونه على بحجة أنني رجل غريب الأطوار ، لا أسأل عما أفعل - حتى استطاعوا أن يلينوا القلوب نحوي ، فإذا بالناس ينقلبون من الغضب إلي السهولة والابتسام ، وجعلوا يسألونني عما دفعني إلي ما فعلت ، فلم أجد لهم جوابا إلا أن قلت لهم الحقيقة - فقد قلت لهم إنني كنت أجرب هل أستطيع أن أكون غرابا ! ولكنهم بدلا من أن يفهموا أو يقتنعوا ويذهبوا في سبيلهم ، علا ضحكهم وجعلوا يستعيدون قولي وهم يتغامزون ويتفكهون ،
حتى مللت وسرت من وسطهم راجعاً إلي منزلي بائسا من قوة إدراكهم ؟ وعولت فيما بعد ألا أكلم الناس إلا علي قدر عقولهم ، وألا أحاول أن أصدقهم ، فإن الناس لا يفيد في معاملتهم إلا أن تخدعهم وتكذب عليهم . ولكني بعد حين قليل عدت إلي صورتي الحبيبة ، وصرت أتأملها . وماذا على إذا كان الناس يضحكون وراء ظهري ويسخرون مني ؟ فليفعل المساكين ما شاءوا مادام في ذلك إسعاد لهم ، أو تعليل بخداع . وحسبى أنا هذه الصورة التي في أعماق قلبى ، وهذا العالم الساكن الذي أعيش فيه وحدي !
طبق الأصل
