الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 237الرجوع إلى "الثقافة"

مع مذكرات جحا :، للأديب الكبير صاحب التوقيع

Share
[ والعهدة على صاحب الوثيقة الذي زعم أنها بخط يد الأديب الكبير جحا نفسه . . ]

هذا الربيع الجميل يلف الأرض والسماء بآيات من الحسن والسلام والحياة : الزهور منثورة في المروج الخضراء مختلفة الألوان ، كأنها وشى تفننت فيه يد صناع . ليس في تنسيقه نظام ، ولكنه يملأ النفس بما فيه من انسجام وتناسق ؛ فهنا خميلة ذات نوار عسجدي ، وهناك إلي جوارها خميلة أخري زهرها أبيض ناصع كالثلج ، وعلي مسافة بعدهما خصلة من أعواد غضة تتمايل مع النسيم الهفاف ، وترف أوراقها اللدنة كأأنها أجنحة الفراش المحوم حولها ، وتتخللها ورود حمراء قد أسندت رؤوسها على صدورها ناعسة في ضوء الشمس الرفيق ، كأنها تتمتع بإغفاءة من الاستسلام تتملى فيها بلذة الحياة الوديعة ؛ وتجري في ثنايا المرج جداول ماء صاف كأن حصباءها من الدر والياقوت والمرجان . ترشف الطيور منها رشفات سريعة وهي ترقص بأذيالها ، وتقفز خفيفة تنظر حولها في حذر وطرب ، فإذا ما بلغت الجداول أطراف البساط الأخضر انحدرت عنه تتغني بخريرها الخافت تدندن بنغمات مهموسة ، تناجي بها كل سمع بما يفهم ، فهي للمحزون تعزية ، وهي للطروب مشاركة ومنادمة ، وهي للمحب مسامرة ، وهي للطموح تمنية ، وهي للمتأمل تسبيح وعبادة ، والسماء الزرقاء الصافية تحد البصر كأنها تشفق عليه أن يضل في الفضاء ، فتستند العين منها على متكأ رفيق تلوح لها من ورائه الأبدية الغامضة ، ولكنها تحميها من وعورة الانطلاق الذي لا قرار له ، فتبرق منها بين حين وحين

لمحات من الحقيقة ، فإذا بالعالم الأرضي يضمحل ويصغر ويفنى ، حتى يصير كالذرة على ساحل المحيط ؛ وتكاد النفس ترتد خاسئة حسيرة ممتلئة بالرهبة الموئسة ، فإذا بالأضواء الصافية الوديعة تحملها في هينة وهدوء ، فتهبط بها إلي الأرض قريرة راضية ، قانعة بما قسم لأهل الأرض الفانين من اللمحات الأبدية الغامضة ؛ وإذا بالحسرة تنقلب إلي جلال ، وإذا بالحيرة تصير إلي عبرة ، وتعود النفس فتمتلئ روعة وقدسية ، ويستقر بصرها مرة أخري على أدريم الأرض فتخلع عليه من روعتها ومن قدسيتها ظلالا جديدة من وحي العلا .

كل شئ في هذا الربيع جميل بديع ؟ يشع سلاما وحبا . وأنا أستلقي على الحشائش الخضراء وأتأمل هذه الحياة في هدوء شامل ، وأحس السلام يتمشى في كياني كله ، فأعجب لهذا العالم الذي يضطرب حولي ؛ وأسائل نفسي : أي فرق بيني وبين هذا الخلق ، فأجدني في مثل هذا الاطمئنان الشامل ، على حين أري كل ما حولي اضطرابا وقلقا وشقاء ،

ولو كانت عيون البشر كلها تري ما أري ، وتحس ما أحس ، وتستوحى من هذا الربيع ما أستوحى ، لما كان في العالم كله قلق ولا اضطراب ولا شقاء . فلا شك أن في الأمر سرا خفيا ، ولا شك أن بيني وبين الناس فرقا في العين والحس والعقل .

لست أدري أين هي الحقيقة ؟ أقول الحقيقة ؟ ما هي تلك الحقيقة ؟ هل للحياة قصد يسعى إليه هؤلاء وتخلفت أنا عنهم ، أم هم الذين قد أثارهم الجنون والوهم ، فاضطربوا حين بقيت وادعا سالما ؟

لست أدري  ! أنظر إلي العود الضئيل من الحشيش ، فأري إبداعا يعجز عن إدراك سموه العقل . وأري البعوضة أو الذبابة

أو ما قل عن ذلك شأناً من الأحياء أو ماكبر عنه ؛ فأري خلقة معقدة ، أقل ما فيها يحير العقل في دقته وإحكامه وفنه وسره . فهل أدرك الناس ما في هذا الخلق من إعجاز وفهموا ما وراء ذلك كله ، ثم انصرفوا إلي حياتهم نحو قصد ، أم هم يضطربون وعيونهم مقفلة إلي غير قصد ؟

لست أدري ! ولكني أراهم أمامي ومن حولي تملؤهم رعدة مثل رعدة الحمى ، وكأني بهم لا يدر كون أين يتجهون . حتى لقد ساءلت نفسى مراراً - والله يعفو عن زللي وخطئي - ساءلت نفسي أسئلة منكرة ، لا أزال أستغفر الله منها .

كنت بالأمس مستلقياً كما أنا مستلق الآن فوق الحشائش ، وكانت بعض الدواب ترعي هناك علي مرمى بصري . وكانت بقرة من تلك الدواب راقدة في فتور واستسلام تجتر وهي مغمضة عينيها . فقلت في نفسى - ألهذه البقرة قصد من حياتها هذه ؟ إنها بلا شك قطعة بديعة من الخلق ؛ فكل ما فيها ينطق بالإعجاز : لونها شعرها . عيناها المغمضتان . حركة ذيلها . مضغها للطعام واجترارها . ثم هي تهضم الحشائش فتصير الحشائس لحماً ودماً ودهناً وعظماً ولبناً ، وغير ذلك كثير مما أعرف ومما لا أعرف . هي تتنفس ، وهي تحس ، وهي تتحرك ، وهي تلد وهي وهي  . ولكن هل لها قصد في الحياة ؟ أم هي آية من آيات إعجاز الخالق قد صورها وأبدع فيها ما شاء لكى تكون دليلا على مقدرته ؟

لقد تذكرت عند ذلك الآية : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " ، وتذكرت الآية " والنجم والشجر يسجدان " ، ثم قلت إن كل هذه المخلوقات لا قصد لها إلا أن تعبد ، وأن تظهر في خلقتها قدرة هذا المبدع العظيم الذي يري آثار قدرته فيرتاح ، وهي تطيع الكلمة التي أبدعها بها عندما قال لها " كوني " .

ففيم إذن كل هذا الضجيج ؟ ليس الإنسان إلا كهذه البقرة أو كهذه الذبابة أو كهذه البعوضة . إنه ما خلق إلا لطاعة الأمر " كن " ؟ وما كان أحراه أن يقضي حياته في العبادة بأن يحيا طائعاً ثم يمضي طائعاً ، ولكني أعود فأقول " لست أدري " ! فلعل هذا الاضطراب وهذا القلق وهذا التطاحن الذي أراه حولي هو من هذه الطاعة ، من يدري ؟ كل شئ جائز في عقل مثلي ممن لا يستطيع إلا أن يقول " لا أدري " ! ومع ذلك فإني لا أملك أن أفكر إلا بعقلي هذا الذي خلقه الله لي ، فلست أقدر أن أكون مثل هذا أو ذاك من الخلق . ولا أملك إلا أن أعجب مما لا أفهم ، وأن أضحك أحيانا مما لا أدرك .

لقد سمعت عما يحدثه هذا الطاغية ( تيمور الأعرج ) في كل يوم وفي كل ساعة من الأحداث . فقد جمع قومه وألبهم وحرضهم وزعم أنه يسوقهم إلي المجد . وما يريد علم الله إلا أن يسوقهم إلي مذبحة هائلة يَقتلون فيها ويُـــقتلون . إنه يهبط على البلدان والأرياف بألوفه المؤلفة مثل الجراد الذي لا يبقى ولا يذر ؟ فهو يهلك الحرث والنسل ، وينشر الموت والألم ، ويذل ويفجر في كل خطوة يخطوها . ولا أقدر أن أدرك أي قصد له في هذه الحياة الوحشية التي يملؤها الدم والشهوة . إنني كلما سمعت بوقعة بينه وبين خصومه لا أملك إلا أن أري ذلك كله سخفاً . فهو يسوق قومه كالجراد لا يبالي ما يسفك من دمائهم ، ويهبط بهم على الناس ، فإذا هبوا للدفاع ثارت معركة يسميها تيمور معركة المجد ؛ أما أنا فلا أري إلا طاغية يسوق حمقي يضطربون أمامه ويسطو بهم على الناس لكي يقتل بعضهم بعضاً ، حتى إذا بقي هو بعد ذلك تربع فوق الأرض راضياً يظن أنه قد نال السعادة ، وأصاب قصد حياته ! ثم ماذا ؟ سيلحق بهم بعد فترة وجيزة - وجيزة جداً لا تزيد على سنوات

معدودة . أليس هذا سخفاً مضحكا ؟ ! سيمضي الناس جميعاً واحداً بعد واحد حتى لا يبقى منهم أحد في النهاية .

ففيم الاستعجال ؟ لست أدري ما الذي يبقى من مجد هذا الطاغية تيمور ؟ ! هذا المجد الباطل ! وكأنى بعد قرون قليلة وقد اندثر كل أثر له ، وأصبح اسمه كأن لم يكن شيئاً . بل لكأني انظر إلي بقايا أعدائه الذين يزعم أنه يحطمهم ويفنيهم ، فتبقى هي على الدهر بعد أن يزول تيمور واسمه ومجده .

لقد قلت ذلك بالأمس لصديقي أبى النور فلم يعجبه قولي ورماني بالجبن وضعف العزيمة . ولست أدري ما هو الجبن ولا ما هو ضعف العزيمة ؟ !

فهل كل فضيله الشجاعة أنها استعجال موت الآخرين ؟ ولو كان الشجاع يستعجل موت نفسه لهان الأمر ولتركه الناس حرا بفعل بنفسه ما يشاء . ولكن الشجاعة عند أمثال تيمور أن يخرج الناس لكي يقتل كل واحد منهم الآخر ، ويقعد هو في مأمن ، وهذه شجاعة لا أفهمها . إن الأسد شجاع بغير شك لأنه لايهاب أن يموت إذا كان لا بد من الموت ؛ وهو إذا أتاه الأجل رقد صامتا وقضي نحبه في هدوء ، وكذلك الكلاب ، وسائر الدواب سواء بها الوحشية والمستأنسة . والإنسان وحده هو الذي يجزع للموت في قرارة نفسه ، ويباهي بأنه يقدم على قتل الآخرين ، ولا يعبأ بذهاب حياته . ولست أظن أن الأسود على شجاعتها فكرت يوما في أن تجتمع في جيوش لكم تقتتل أو تقتل غيرها بحجة أنها تحب الموت ولا تخشاه . وماذا يحمل الأسود على مثل هذه الخطة وهي تكتفي بصيد اليوم ، وما دام عندها قوتها لا تفكر في قتل فريسة أخري ، ولكن أني لمثل تيمور أن يقنع بمثل هذا ؟ فهو يريد أن يحوز في شدقيه قوت حياته كلها ، كما تحاول القردة أن تفعل . بل هو يطمع في أن يحوز في شدقيه شيئا فوق القوت . هو يطمع في كل النعمة التي

على الأرض لكي يختص بها نفسه في حياته وبعد مماته . وهل رغبته في توريث أبنائه ، والاستكثار لهم إلا رغبة خفية في الاستئثار بالخيرات بعد الموت ؟ فما الأولاد والذرية إلا كناية عن النفس في عقل الإنسان .

واعجبا لنفسي إذ أسترسل في هذه الخواطر العجيبة التي تلهيني عن التمتع بجمال هذا الربيع الذي تتردد هزاته في الكون ، وتشيع حياته في الفضاء ! ما أجمل الحياة وما أحب هذا السلام الشامل ! إني أحس السعادة تتغلغل في وجودي لولا هذه الخواطر الحانقة التي نعترض سيلها كلما تذكرت أني إنسان .

لو عرف الناس الحقيقة لما أشقوا أنفسهم بالإنصراف عن مثل هذا الجمال إلي تلك المطامع الصغيرة التي ينصرفون إليها فلا يعودون منها إلا بفقدان سلامهم

أري الناس يسخرون مني ، ويظنون في قلة الهمة والقعود والعجز عن نضال الحياة ؛ وهل كنت لأعجز عن مجاراتهم في طاعة هذه العواطف الغريزية ؟ ليس في العالم كله من يعجز عن الطمع والكذب والمكر والغدر ، وكل ما يوصل إلى النجاح في الحياة ، فإن كل هذه الصفات أصيلة في غرائز كل إنسان ، لأنها من ميراث الإنسانية ، وأنا لم أفقد شيئاً منها ، ولكني أمسك عناقها وأحمل نفسي بالقسر والقهر على التحكم فيها ، وتلك حال لا يقدر سائر الناس عليها . فهم العاجزون عن زهدي ولست أنا العاجز عن طمعهم . ومع ذلك فلست أدري ! لعل هذا الرأي الذي أراه ما هو إلا وهم أحاول به بغير وعي مني أن أداري عجزي وأخادع عنه نفسي . لعلهم على حق إذ يسخرون مني ويتهمونني بقلة الهمة ؛ فإنى لا أقدر أن أقول إنني أدري ؛ ولكني لا أستطيع كذلك إلا أن أضحك وأسخر مما لا أدرك .

" طبق الأصل "

اشترك في نشرتنا البريدية