يشرح الأستاذ محمد فريد أبو حديد فى مقدمة قصته الرائعة " زنوبيا " التى أخرجتها مكتبة النهضة المصرية ، أسباب تأخر فن القصة فى الأدب العربى ؛ فيقول إنه ليس راجعا إلى قلة استعداد الأدباء لهذا اللون من الأدب ، وإنما هناك أسباب أخرى أهمها فيما يرى أن المجتمع الشرقى كان إلى عهد قريب " لا يعرف اسم المرأة إلا من وراء ستار " ، وتاتى هذه الأسباب أن حياتنا العامة كانت " لا تزال خافية تحت ضباب السيطرة والاستبداد " .
ثم يشرح ذلك فيقول : " فلم يكن الفنان ليستطيع أن يرسم صورة تضم فى شخوصها امرأة ، وما كان الشعب ليقدر صورة يرى فيها المرأة ، لأنه بغير شك يدرك أنها صورة مزورة لا تمثل حقيقة . وكانت سيطرة الطبقات من جهة أخرى تحول
بين الشعب وبين ملاقاة الحياة فى معانيها العالية ؛ فما كانت الحياة لعامة الشعب إلا سعيا وراء القوت أو تداريا من وطأة الحكم " .
وفى هذين السببين اللذين يسوقهما الأستاذ فريد تكمن حقا علة تأخر القصة فى الأدب عن الوصول إلى المكانة اللائقة بها بين ألوان الأدب .
ويلازم التوفيق الأستاذ فريد حين يهيب بالقصصيين أن يوجهوا أنظارهم صوب تراث الشرق ، حيث لا تزال كنوز رائعة مدخرة " تنتظر أن تخرج إلى النور " . ذلك أن قصته زنوبيا تحمل برهان هذه الدعوة ، فقد استلهمها من التاريخ ، وأفاض عليها من خياله وعلمه معا ، فجاءت برهانا على أننا - بعكس ما يزعم البعض - من أغنى الأمم تراثا يلهم القصصى ، ولا نحتاج إلا إلى جهد المفكر وخياله ، لكم نعيد صور التاريخ حية فياضة بالحركة والنشاط ، كأبهى ما تكون الصور جمالا وحيوية .

