ولد أوليفر جولد سمث في ١٧٢٨ وتوفى في ١٧٧٤ وكان أحد أعضاء (النادي الأدبي) الذي كان يرأسه الأديب الإنكليزي الكبير الدكتور جونسون. ولأوليفر جولد سمث أسلوب في الملكية يسيل رقة وعذوبة، وأن مؤلفاته على قلتها من أروع الأدب الإنجليزي
أنا شديد الكلف باللهو أني وجدته، وإن النكتة البارعة وإن ألقيت في ثوب خلق، فهي أبداً حبيبة إلى نفسي. ذهبت منذ بضعة أيام إلى متنزه (سانت جيمس) في الوقت الذي يتركه زائروه لتناول العشاء. ولم يكن هناك سوى أناس قلائل ممن كانت تبدو على ملامحهم آثار الفقر والمسغبة، فخططت نفسي على أحد المقاعد، بينما جلس على الطرف الآخر من المعقد رجل في ثياب رثة جداً
ظللنا نهمهم ونغمغم ونسعل كما هي العادة في مثل هذه الحالة، وأخيراً اجترأت على الكلام مخاطباً إياه: (معذرة يا صاحبي، ولكن يخيل لي أن رأيتك من قبل. إن ملامح وجهك ليست غريبة عني) . فأجابني قائلا: (أصبت يا أخي كبد الحقيقة. إن وجهي لا يكاد يجهله أحد، كما يزعم أصدقائي، وإن شهرتي في جميع أنحاء إنكلترا لا تقل عن شهرة الجمال والتماسيح. ولا يخفى عليك يا سيدي بأني كنت طيلة الست عشرة سنة الأخيرة، أقوم بدور البهلول في فرقة تمثيلية، ولقد نشب بيني وبين أستاذي
خلاف افترقنا على أثره فراح هو ليبيع أشياءه في شارع (روزماري) وأنا جئت لأموت جوعاً في متنزه (سانت جيمس) (يؤسفني جداً يا سيدي أنك تعاني كل هذا الضيق، وأنت على ما أنت عليه من نباهة الذكر وذيوع الصيت). فرد علي مواصلا الحديث: (نباهتي في خدمتك يا مولاي، ولكن على الرغم مما أنا عليه من إملاق، فإن ثمة قليلا من الناس هم أمرح مني نفساً، فلو قدر أن يكون لي عشرون ألفاً من الدنانير لكنت من أسعد الناس. وأنا الآن، والحمد للمقادير، لا أملك فلساً واحداً، ومع هذا، فإني لا أزال سعيداً، ذلك لأني لا أقيم وزناً للمال، فهو عندي وسيلة لا غاية، فإذا ما حرمته لا أجد غضاضة من قبول دعوة الكرماء إياي للطعام. والآن ما رأيك يا سيدي في لحم حنيذ مع قدح من الشراب؟ فإن أنت أطعمتني اليوم، فلسوف أطعمك يوماً من الأيام عندما أجدك في المتنزه وأنت أشد ما تكون رغبة في الطعام، وليس لديك من المال ما تدفع به ثمن العشاء)
ولما كنت لا أبخل أبداً بدريهمات أنفقها في سبيل رفيق طروب قصدنا تواً حانة مجاورة، ولم تمض سوى دقائق معدودات حتى كان الطعام والشراب مصفوفين على المائدة أمامنا. وإنه لمن العسير جداً أن أصف مبلغ طربه وانشراحه لرؤية الطعام والشراب فقال: (أنا استمرئ يا سيدي هذا العشاء لأسباب ثلاثة: أولا: لأني أحب لحم البقر؛ وثانياً: لأني جوعان؛ وثالثاً: لأني أحصل عليه بلا ثمن؛ إذ ليس هناك أشهى من اللحم الذي لا ندفع ثمنه)
لم ينته من كلامه هذا حتى أقبل على الطعام والشراب بنهم فائق، فلما انتهى العشاء أشار إلى أن اللحم كان نيئاً، ثم استطرد وقال: (ومع هذا فقد وجدته لذيذاً سائغاً، ما أفسح حياة الفقير وما أعظم شهيته! نحن معشر الشحاذين لقطاء الطبيعة نهيم في كل سرح، ونأخذ الحياة على علاتها، فإن هي أقبلت علينا فرحنا بها واغتبطنا، وإن هي أدبرت عنا لم نشتك ولم نتذمر. أما الأغنياء، فالطبيعة تعاملهم كما تعامل الربة أولاد زوجها، فهم أبداً يرمون بها ساخطون عليها، أعطهم قطعة من غريض اللحم، فإذا هي عندهم صلبة عسيرة الهضم، أمزجها بالتوابل، حتى التوابل لا تستطيع أن تشحذ شهيتهم، على حين أن الطبيعة شديدة الحدب على الشحاذين ترعاهم بعنايتها
وتكلؤهم برحمتها. إن الخمر المعتقة لأحلى مذاقاً من الشمبانيا. . . السرور. . . السرور. . . تلك هي فلسفتي في الحياة، وهي قطعة من لحمي ودمي، فإن فاض النهر وغرقت نصف أراضي (كورنول) ألفيتني مطمئن النفس مرتاح البال، إذ ليس لي أملاك هناك، وإن ساءت أحوال السوق وتدهورت الأسعار. . . نمت ملء جفوني، فما أنا ممن تهمهم هذه الأمور، إذ لست يهودياً). ولقد أغراني مرحه وخفة روحه، على الرغم من فقره المدقع، أن أعرف شيئاً من حياته؛ فقلت ملتمساً منه تلبية طلبي فأجاب: (بكل سرور يا مولاي، ولكن على شريطة أن نشرب قليلا لندفع عن أعيننا النعاس. لنشرب قدحا آخر قبل أن يهجم الكرى على أجفاننا. . . آه. . ما أجمل منظر القدح وهو ملآن!
(يجب أن تعلم إذن أني أنحدر من أرومة طيبة وأن أسلافي قد أحدثوا بعض الضجة في العالم، ذلك لأن أمي كانت تبيع (المحار) وأن أبي كان طبالاً. ولقد قيل لي إنه قد كان في عائلتي أيضاً بعض البواقين. فهل تراني بعد هذا مبالغاً إذا قلت إن قليلا من الأشراف يضاهونني في الحسب والنسب؟ ولما كنت الابن الوحيد لوالدي فقد أرادني، على أن أكون طبالاً مثله، وعلى الرغم مما كان يبذله معي الوقت والأناة، لتعليمي الأناشيد العسكرية، لم أتقدم خطوة واحدة، ذلك لأني لم أكن ميالا إلى الموسيقى، فانخرطت في الجيش وأنا في الخامسة عشرة من عمري. ولم ينقض يوم واحد حتى تبين لي أن كراهيتي لحمل البندقية لم تكن لتقل عن كراهيتي لدق الطبل، ذلك لأن الطبيعة قد أعدتني لأكون سيدا لا مسود. إن وجودي في الجيش يحتم علي إطاعة أوامر رئيسي التي يفرضها علي، وليست أوامره إلا ظلا لأهوائه ورغباته، وإنه لمن الأجدى على الشخص أن يطيع رغباته لا رغبات سواه.
(لذلك لم يمض وقت طويل حتى أصبحت ضيقاً بحياة الجندية شديد المقت لها فعولت على الاستقالة، ولكن الرئيس رفض استقالتي، لأني كنت طويل القامة مفتول العضل، فاسودت الدنيا في عيني ولم يبق أمامي إلا الاستنجاد بوالدي فبعثت إليه برسالة، كلها شكوى واستعطاف، طلبت فيها منه أن يجمع المبلغ الكافي لإخراجي من الجندية ولكن الرجل الطيب القلب
كان شديد الولع بالخمر، كما كنت أنا حينئذ، (في خدمتك يا مولاي) وأن الذين شأنهم لا ينتظر منهم أن يدفعوا رسم التسريح من الجندية - وقصارى الحديث، لم يرد والدي على رسالتي البتة، ما العمل إذاً؟ قلت لنفسي: لما كنت لا أملك المال الكافي لشراء حريتي فما علي إلا أن ألتمس وسيلة أخرى وهي الهرب، وفعلا هربت.
وهكذا تخلصت من الجندية وبلائها فبعت ثيابي العسكرية واشتريت أسوأ منها وسلكت ما أمكن سبلا غير مطروقة. ففي أمسية يوم من الأيام، بينما كنت أدخل إحدى القرى، إذ أبصرت رجلا - علمت فيما بعد إنه قسيس القرية - قد وقع عن فرسه وغاص في الوحل. فتقدمت لمساعدته وانتشلته بمشقة فشكرني على صنيعي، إلا أني لحقته إلى داره إذ كنت أحب دائماً أن يشكرني الناس عند أبواب دورهم، فألقى على القسيس مائة سؤال وسؤال: أبن من أكون؟ ومن أين جئت؟ وهل أكون أميناً؟ فأجبته كما يحب مؤكداً له بأني لم أذق الخمر في حياتي قط (لي الشرف يا مولاي أن أشرب نخب صحتك) ، وبأني من أتقى خلق الله نفساً وأرجحهم عقلا. وقصارى الكلام، لقد كان بحاجة إلى خادم فاستخدمني ولكني لم أعش معه إلا شهرين، ذلك لأنه لم يكن يحب أحدنا الآخر. فقد كنت أكولا وهو لم يكن يطعمني إلا ما يسد الرمق. وقد كنت مغرماً بالجواري الرعابيب على حين أن خادمته العجوز كانت شرسة الطباع قبيحة الصورة. ولقد تآمرا فيما بينهما على قتلي جوعا فعقدت العزم على أن أحول دون اقترافهما جريمة القتل. كنت أسرق البيض حال وضعه، وكنت أفرغ في جوفي ما يتبقى في قناني الشراب التي تقع في يدي، وكان كل ما أصادفه في طريقي من الأكل لابد أن يختفي في لمح البصر. وقصارى الحديث لقد رأيا أن لا فائدة من بقائي ففصلت صباح يوم من الخدمة ودفع لي ثلاثة شلنات وستة بنسات لقاء أجور شهرين كاملين.
(وبينما القس يعد الدراهم كنت أتهيأ للرحيل. كانت ثمة دجاجتان تبيضان فدخلت عليهما كالعادة وأخذت البيضتين. ولقد عز علي أن أفرق الأم وولدها فأخذت الدجاجتين أيضاً ووضعت الكل في حقيبتي وقفلت راجعاً لتسلم أجوري. فلما
أزف الرحيل وقفت، والحقيبة على ظهري والعصا في يدي، أودع الشيخ والعبرات تنهمر من عيني. لم أبتعد عن الدار إلا خطوات حتى سمعت صوتاً من ورائي يصيح (اقبضوا على اللص) ولكن الصوت زاد في سرعتي فانطلقت كالسهم، وإن كنت أعلم علم اليقين أن الصوت لم يكن موجهاً ضدي. ولكن مهلا. . . يخيل لي أني قضيت ذينك الشهرين بلا شراب. هات يا صاح، فإن الأيام عصيبة وليكن هذا الذي أحتسيه سماً في جوفي إن أنا قضيت شهرين آخرين من حياتي في ورع مصطنع وزهد سخيف.
(لم أترك خدمة القس حتى أخذت في التطواف، وبعد أيام من تجوالي عثرت على جوقة من الممثلين المتجولين فما رأيتهم حتى هفا لهم قلبي، ذلك لأن حبي للتشرد والمتشردين طبيعي لا تكلف فيه. كانوا منهمكين في ترتيب حقائبهم التي انقلبت في طريق ضيق فأخذوني خادماً لهم. كانت الحياة مع هؤلاء جنة حقا فهم لا ينفكون يغنون ويأكلون ويقصفون ويطوفون في آن واحد. وحياة الأنبياء ما كنت أحسبني أعيش قبل ذاك، فقد أصبحت من أمرح الناس طراً؛ وكنت دائم الضحك لسبب أو لغير سبب. ولقد أحبوني كما أحببتهم وكان لي، كما ترى، شأن كبير ولكني على فقري، لم أكن معتدلا في حياتي.
(إن حياة التشرد كما أسلفت أحب إلي من كل شيء في العالم. فاليوم حر وغدا قر، واليوم عسر وغدا يسر. آكل متى وسعني الحصول على الطعام؛ واشرب (القدح فارغ) متى وجدت الخمر إزائي. لقد وصلنا (تنتردن) ذلك المساء فاستأجرنا غرفة واسعة حيث عزمنا على إخراج رواية (روميو وجولييت) فقام بدور (روميو) أحد الممثلين من مرسح (دروري لين) وقامت بدور (جوليت) سيدة لم يسبق لها الظهور على المرسح، بينما أخذت أنا على عاتقي إطفاء الشموع. كان التمثيل بالنسبة لنا، رائعاً على الرغم مما كان ينقصنا من وسائل، فإن الثوب الذي كان يرتديه (روميو) كنا نقلبه على بطانته الزرقاء فيصلح لباساً لصديقه (مركوتيو) وأن قطعة من (الكرب) كبيرة كانت تكفي في آن واحد فستاناً (لجوليت) وغطاء للنعش. ولم يكن لدينا ناقوس فاستعضنا عنه بهاون استعرناه من صيدلية مجاورة ثم جمعنا
عائلة صاحب الدار فدثرناهم بملاءة بيضاء لإكمال الموكب. وقصارى القول، لم يكن ثمة سوى ثلاثة ممثلين نستطيع أن نقول بأنهم كانوا يرتدون ألبسة لا غبار عليها وهم الممرضة والصيدلي الجوعان وأنا. كان التمثيل، كما قلت، رائعاً؛ ولقد هتف لنا الجمهور طويلا، ولا عجب، فإن لسكان (تنتردن) ذوقا.
فإذا أراد الممثل الجوال لنفسه النجاح فما عليه - على حد تعبيرنا - إلا أن يبالغ في محاكاة الشخصية التي يقوم بتمثيلها. ذلك لأن مراعاة الدقة في الكلام والحركة ومحاولة إبراز الشخصية على صورتها الطبيعية لا يسمى تمثيلا ولا هو مما يأتي الناس لمشاهدته. أن الحوار الطبيعي الذي لا تكلف فيه هو كالسلاف الحلو المذاق ينحدر إلى الحلق بسهولة دون أن يترك وراءه طعماً، على حين أن الإمعان في المغالاة والمبالغة كالخل يثير الإحساس ويشحذ الذوق ولا يشعر به إلا شاربه. وعليه فإن رمت إرضاء الناس وجب عليك أن تصرخ وتتلوى وتتنطع بكلامك وتضرب جيوبك وتظهر أمام النظارة كأنك تعاني آلاماً مبرحة؛ فإن أنت عملت كل هذا فزت باستحسان الناس وأصبحت ممثلا يشار إليك بالبنان.
(ولما كان التوفيق حليفنا كان من الطبيعي أن أعزو قسما من النجاح لنفسي. لقد أطفأت الشموع؛ ودعني أقول لك إنه لولاي لفقدت القطعة نصف رونقها.
(ظللنا نمثل على هذه الصورة أسبوعين كاملين كانت الدار في أثنائها تكتظ بالنظارة. وقبل الرحيل بيوم واحد أعلنا على لملأ بأنا سنختم موسمنا بأعظم رواياتنا التي سنبذل في سبيل إخراجها كل ما لدينا من جهد ومال. ولقد كنا نعلق آمال جساماً فضاعفنا الأجرة. وبينا نحن في نشوة الأمل غارقون إذا بكبير ممثلينا يصاب بحمى صالب؛ فذعرنا وشق ذلك على جماعتنا الصغيرة فقررنا الذهاب إليه جميعنا لتوبيخه وزجره لمرضه في وقت غير مناسب كهذا، وخاصة لابتلائه بمرض قد يحتاج لمعالجته مالا وفراً. فانتهزت أنا هذه الفرصة وعرضت نفسي لأحل محله فقبلوني، فجلست تواً، والدور في يدي والكأس أمامي، (نخب صحتك مولاي) أدرس الشخصية التي سأؤدي الامتحان عنها غداً وأقوم بتمثيلها بعد ذلك بقليل.
(ولقد وجدت أن ذاكرتي تسعفني كثيراً وقت الشراب إذ تعلمت دوري بسرعة مدهشة فطلقت دور (إطفاء الشموع) منذ ذلك الحين لأن الطبيعة أعدتني لوظيفة أسمى من هذه وأشرف، ولقد قطعت على نفسي عهداً ألا أخيب ظنها بي.
(فلما كان الغد اجتمعنا لإجراء (البروفا) فأخبرت زملائي، وقد كانوا أساتذتي بالأمس، عن التغيير العجيب الذي طرأ علي وقلت: ليطمئن المريض في فراشه ولا يشقين نفسه في أمر الشفاء فإني سأقوم بدوره أحسن قيام، وسيدهش الناس من براعتي ونبوغي وليمت إن شاء فإني أعده بأنه سوف لن يفتقد.
(ابتدأنا بالبروفا، فرحت أتبختر أمامهم وألغط بكلام غير مفهوم فيعج المكان بالتصفيق والاستحسان وسمعت، أو يخيل لي أني سمعت صوتاً يقول: (ها قد بزغ نجم متألق في سماء التمثيل) فلم يعد الكون يسعني فقررت بيني وبين نفسي على أني لما كنت السبب في استدرار المال على الجمعية فيجب أن يكون لي في الربح نصيب، فأنشأت أخاطب الجماعة قائلا: (أيها السادة، إن الذي سأقوله لكم ليس أمرا أريد فرضه عليكم كلا. فلست والحمد لله ناكر للجميل إلى هذا الحد. ولكن لما كنتم قد تفضلتم علي بنشر اسمي في الإعلانات، وتلك منه لن أنساها ما حييت، فلا يسعكم والحالة هذه الاستغناء عني، ولذلك فإني أرجو أن تدفعوا لي جعلا أسوة بكم، وإلا عدت إلى دوري القديم وهو (إطفاء الشموع) . لقد كان هذا الاقتراح شديد الوطأة عليهم، ولكن لابد مما ليس منه بد، فأذعنوا وأنوفهم في الرغام. فلما حان الوقت ولجت المرسح في ثياب الملك (بجازات) وحاجباي المقطبان قد شد طرفاهما بجورب دس في عمامتي ويداي المغلولتان تلوحان بالسلاسل. لكأن الطبيعة قد اختارتني لهذا الدور فقد كنت مديد القامة جهوري الصوت، وإن مجرد دخولي المرسح أثار عاصفة من الهتاف والتصفيق، فدرت بنظري على الجمهور مبتسما وانحنيت أمامهم انحناءة كاد فيها رأسي يلمس الأرض، فتلك عادة شائعة بيننا. ولما كان الدور عاطفياً للغاية، فقد أنعشت نفسي بثلاثة كؤوس ملآى (الكأس موشكة على النفاد) من الكونياك. لله ما أروع الدور الذي قمت به! إن (تامرلين) يكاد يبدو ضئيلا بجانبي، وهو وإن كان
صوته يرتفع أيضاً في بعض الأحيان، إلا أن صوتي كان يعلو عليه، كان لي ثمة مواقف كثيرة مجيدة، منها أني كنت أطوي يدي هكذا فوق سرتي، وهي عادة مستحبة في (دروري لين) وإذ أنا رحت في تعداد مزاياي لنفذت الكأس قبل أن أنتهي من سردها. وقصارى الكلام، إن تمثيلي كان أعجوبة الأعاجيب مما جعل أعيان البلد من الرجال والنساء يتهافتون على بعد انتهاء التمثيل لتهنئتي على نجاحي الباهر، فمنهم من مدح صوتي، ومنهم من أثنى على قامتي، ولقد سمعت امرأة العمدة تقول: (أقسم لكم بشرفي إنه سيصبح من أقدر الممثلين في أوربا، أقول ذلك عن علم ودراية، وإن لي في هذا الفن لذوقاً) .
(إن المديح الذي يغمرنا به الناس في أول عهدنا بالتمثيل شيء طبيعي ومقبول ولا يقصد منه سوى التشجيع، ونحن نتقبله شاكرين، ونعده فضلا منهم علينا، أما إذا استمر المديح وكثر فنحن والحالة هذه نعتبره ديناً لنا عليهم نتقاضاه منهم بمقدرتنا ونبوغنا، وعليه عوضاً عن أن أشكرهم كنت في داخلي أثني على نفسي. ولقد طلب إلينا الجمهور إعادة القطعة للمرة الثانية فأجبناه إلى طلبه، وكان نصيبي من الثناء أكثر من ذي قبل
وأخيراً تركنا المدينة لنحضر سباقاً للخيل، وسوف لا أذكر (تنتردن) إلا انهمرت من مآقي دموع الامتنان والاحترام، ذلك أن السيدات والسادة هناك كانوا على جانب عظيم من الدراية بالتمثيل والممثلين. هات لنشرب، نشدتك الله نخب صحتهم؛ قلت تركنا المدينة، ولقد كان ثمة فرق عظيم بين دخولي إليها وخروجي منها، دخلت المدينة ممثلا حقيرا وخرجت منها بطلا كبيرا، تلك هي الحياة، تقبل يوماً وتدبر يوماً، وإن شئت لتوسعت في الموضوع ولذكرت لك شيئاً كثيراً عن تصاريف الزمان وتقلبات الأيام، ولكن ما لنا ولهذا، فإن إثارته، إثارة لكامن شجونا.
(انتهى السباق قبل أن نصل المدينة الثانية التي خذلتنا جميعاً، ولكن ليس من السهل قهرنا، ذلك أننا عزمنا على أن نجرب حظنا عسى أن نظفر منها ببعض الذي ظفرنا به في المدينة الأولى. وقمت أنا بالأدوار الرئيسية وارتفعت فيها إلى الذروة كالعادة. وإني لا أزال أعتقد لو أن ملكاتي أعطيت ما تستحقه من العناية
(انتهى السباق قبل أن نصل المدينة الثانية التي خذلتنا جميعاً، ولكن ليس من السهل قهرنا، ذلك أننا عزمنا على أن نجرب حظنا عسى أن نظفر منها ببعض الذي ظفرنا به في المدينة الأولى. وقمت أنا بالأدوار الرئيسية وارتفعت فيها إلى الذروة كالعادة. وإني لا أزال أعتقد لو أن ملكاتي أعطيت ما تستحقه من العناية
(وكان ثمة سيدة سبق لها أن تثقفت في لندن لمدة تسعة أشهر فأخذت تزعم لنفسها الإلمام بالمسائل الفنية مما جعلها قبلة الأنظار في أي محفل حلت. ولقد أخبروها عني وعن موهبتي ولكنها رفضت، أول الأمر، الذهاب لمشاهدة تمثيلي، زاعمة إنها لا تتوقع من ممثل جوال ضئيل الشأن مثلي أن يجيد التمثيل. ثم مالت بالحديث إلى الممثل الذائع الصيت (كاريك) فأطرته وعددت مزاياه وأدهشت السيدات بنبراتها العذبة وصوتها الرصين. ولقد أقنعوها آخر الأمر بمشاهدتي، وترامى إلي سراً أن جهبذة من أبرز جهابذة العصر في شئون المرسح ستحضر الحفلة المقبلة، ولكن ذلك لم يخفني فظهرت في ثياب السير (هاري) واضعاً يداً في جيب البنطلون والأخرى على صدري، كما هي العادة في (دروري لين)
إلا أن النظارة، عوضاً عن أن ينظروا إلي، اتجهوا بأنظارهم إلى السيدة التي قضت تسعة أشهر في لندن، ليتلوا حكمها الذي إما سيرفعني إلى مصاف النابغين من الممثلين أو سيضعني إلى الحضيض. أخرجت علبتي، فأخذت منها نشقة، ولكن السيدة لم تحرك ساكناً وكذلك النظارة. فأخذت عندئذ هراوتي وأهويت بها على ظهر العمدة المهرب حتى تكسرت، فما تململ أحد، كأنما الوجوم قد نشر أطنابه على الحاضرين فدمدمت السيدة وغمغمت وهزت كتفيها استخفافاً، فحاولت بضحكي أن أفوز منهم ولو بابتسامة ولكن وجوههم الباسرة ازدادت إغراقاً في العبوس، فدارت بي الدنيا وأصبحت حركاتي مصطنعة وضحكاتي (هستيرية) . ومهما تكلفت إذ ذاك من المرح وخفة الروح، فإن عيني كانتا تفيضان بما كان يجثم على صدري من الهم والغم. وقصارى الكلام. لقد حضرت السيدة وفي عزمها إيذائي وقد فعلت، سامحها الله، وهكذا التفت شهرتي ونفذ شرابي بينما أنا لا أزال، كما ترى، حياً أرزق.

