الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 649الرجوع إلى "الثقافة"

مفاجأة تقلب الكيان ، قصة لموريس ليبلان

Share

على أثر رسو الباخرة فى مرفأ التجارة سأل " جاك دوفريش " عن مكتب البريد ثم تبع ذلك الطريق الطويل الذى يخترق جبل طارق إلى ذلك المكتب .

ولقد كان هذا الثغر هو المحط الأخير للعودة من تلك الحملة الواسعة المدى التى قام بها فى شواطئ أفريقيا والتى رافق فيها عدداً من العلماء والمستكشفين .

وكان جاك يسرع فى السير متأكداً من أنه سيجد رسالة من زوجته ، من عزيزته الوديعة " جبلبيرت " التى لم يكن لديه أنباء عنها منذ أسبوع .

ولم يخب أمله فى الانتظار ، إذ سلم إليه العامل رسالة ، وفى الحال فض غلافها فى الطريق ، وكانت هذه الرسالة من عشرين صفحة مكتوبة بخط دقيق سكبت فيها "جيلبرت" المغرمة الحميدة الصفات أسرار قلبها ، وقصت على زوجها سيرة حياتها الهادئة يوما فيوما . وكذلك حياة ابنتها " هانربيت " وكثيراً ما تحدثت فى هذه الرسالة أيضاً عن سرورها بفكرة اجتماعهما المقبل .

وأخيراً كانت تلك الرسالة تنتهى بما يلى : " سأذهب إلى مارسيليا للقائك ياجاكى المحبوب ، ستجدنى كما تركتنى لم أكبر كثيراً فيما أظن ، ولكن الذى لا ريب فيه هو أنك ستجدنى أكثر حبا من ذى قبل ، وليس لدى سعادة أخرى غير حبك ، ولا غاية لى إلا جعلك سعيداً . أينبغى لك على ذلك برهان صغير ؟ أوه ! حقا أنه برهان صغير جداً ، ومجمله أننى على أثر تسلم رسالتك الأخيرة أغلقت الباب على الفور فى وجه قريبنا " جورج دى بروكور " أجل لقد كنت محقا وقد فتح تحذيرك عينى ، فزياراته قد صارت فى الأيام الأخيرة متتالية أكثر من المألوف .

ماذا تريد ياعزيزتى ، كان يخيل إلى أن المرأة التى تحب زوجها تظل دائما محمية من هذه المهاجمات المنافقة ، وكنت مخدوعة فى ذلك . ومهما يكن من الأمر فقد تذرعت لجورج يعذر من أى نوع كان ، ورفضت تلك النزهة التى

كان يجب أن أرافقه فيها أنا " وهاترييت " يوم الأحد بالسيارة إلى قصر " رانبويه " .

أحس جاك عند ذلك أن العبرات تترقرق فى عينيه ، لأن حب "جيليرت" البسيط الجدى طالما ملأ نفسه بالانفعال ، إذ كان يترك دائما فى نفسه أثراً أقوى من الثقة والاحترام ، وهو نوع من العبادة التى يمنحها الإنسان بعض الكائنات الأكثر نقاء ، والأكثر نبلا .

ولما أحس بأنه مستريح البال سعيد ، أخذ يتنزه فى طرقات المدينة وحدائقها . وحينما دنت ساعة الرحيل سلك إلى المرفأ ذلك الطريق الطويل الذى تزدحم الحوانيت على جانبيه . وفى أحد هذه الحوانيت لمح عدداً من الصحف والمجلات الأجنبية . فاشترى صحيفة فرنسية وبسطها وأخذ يتصفحها وهو سائر

ولم يخط بعد ذلك عشر خطوات حتى صاح صيحة مختنقة واتعدت ساقاه واضطربت الصحيفة فى يديه . فاسند ظهره إلى أحد الأبواب وجعلت عيناه التائهتان تبحثان من جديد عن تلك الأسطر المرعبة التى كانت قد لفتت انتباهه . قرأها مرة ثانية بفزع لا يوصف . وهى كما يلى : " آخر ساعة : حدث أمس ( الأحد ) قبيل المساء بين " رامبوبيه " و " شيفروز " ان ازالت سيارة " الكونت جورج دى بروكور " فى أحد المنعطفات وانقلبت فقتل " الكونت دى بروكور " وبعد عشر دقائق فوفى الشخصان اللذان كانا برافقانه وهما : " مدام جاك دوفيريش " وابنتها البالغة من العمر عشرة أعوام .

كان أمام جاك فى هذه اللحظة مقهى فدخله فى الحال وشرب كأسين من الويسكى ، وعلى أثر ذلك وضع يده فى جيبه الذى كان يحتفظ فيه مسدسه عادة ، ولما لم يجده تذكر أنه تركه فى " كابينته " بالباخرة ، وعند ذلك خرج من المقهى وسار مهرولاً نحو المرفأ ، لأنه لم يكن لديه إذ ذاك فكرة أخرى غير الموت ، والموت بأسرع ما يستطاع

دون التفكير فى أى شئ آخر ، ولكن تلك الكلمات المروعة التى وردت فى النبأ كانت تحرقه كأنها حديد منصهر ؛ كان ساعتها يستحضر فى مخيلته زوجته وابنته ، وكان يفكر أيضاً فى تلك الخيانة البغيضة وفى كذب الرسالة التى نسفها وفى تصنع كل هذه الاحتجاجات الغرامية الزائفة ، وتمثيل ذلك الحب المنافق .

وعندما وصل إلى المرفأ كان كأنه يجرى ، وكان أكثر المسافرين قد صعدوا إلى الباخرة فشعر أنهم ينظرون إليه . وأن عدة أشخاص من الذين بأيديهم صحف كانوا يتهامسون فيما بينهم حينما مر أمامهم .

نزل بعد ذلك إلى كابينته وأغلق الباب على نفسه وقبض على مسدسه فى شئ من الحمى وأسنده إلى جبهته .

وبعد ساعتين من ذلك ، وحينما جاء أحد خدم الباخرة يعلن إليه أن مائدة المساء قد أعدت فتح باب كابينته واتجه نحو غرفة المائدة :

- استميحكم العفو عن هذا التأخر . نطق بهذه الكلمات وكان مظهر ، هادئاً كل الهدوء . ولم يكن يلوح على وجهه أى قلق ولا أى ألم .

وكان يسود من حوله سكون مضايق . إذ كان الحاضرون ينظرون بدهشة عظيمة إلى هذا الرجل الذى تلقى منذ هنيهة نبأ وفاة زوجته وابنته ، وهو لا يزال يحتفظ بسكونه إلى هذا الحد ؛ فهل تراه كان يجهل هذا الخبر . كلا بالتأكيد ؛ فقد رآه الناس صاعداً إلى شرفاً وسمه نفس هذه الصحيفة الفرنسية التى قرأ الجميع فيها ذلك النبأ ! ومنظر ، الغريب ، وامتقاع وجهه ، وإشاراته التائهة وكل ذلك يدل على أنه يعرف النبأ ؛ وإذاً فكيف أمكنه أن يحتوى على ألم عنيف إلى هذا الحد ، وان يخفى طعنته بعدم   اكثراث إلى هذه الدرجة ؛ .

وكان أمره طول المساء وفى صباح اليوم التالى على هذا النحو تماماً ، نعم إنه كان لا يظهر إلا قليلاً ويقضى أكثر الوقت فى كابينته ، ولكن فى اللحظة التى كان يلتقى فيها برفاقه فى السفر كان يتكلف خلو القلب وفراغ الذهن . ويتصنع اعتدال المزاج ، وكانت محادثاته تبدو طبيعية إلى حد يجعل من خير العقول أنه يمثل دوراً مقصوداً ، ثم لماذا هو يمثل هذا الدور ؟ .

كان الجميع يعرفون طبيعته الكريمة ، وكانوا يذكرون بأى حب وحنان ، كان يتحدث من زوجته وابنته ، وبأى ثراء كان يعرض صورتيهما على أصدقائه . تلك العواطف لا تختفى بغتة ، بل هى تحيا وتنمو بصدمة الكارثة ، وأية كارثة أعظم وأفظع من هذه المصيبة التى يعلمها الإنسان مصادفة من صحيفة يشتريها وهو مار فى الطريق .

مضت على ذلك ساعات وساعات ، وأخذت الباخرة تقترب من أرض الوطن . وسرعان ما تبين الركاب شواطئ فرنسا ؛ فظهرت مارسيليا فى الأفق وتحددت أمامهم ، وفى أثناء تلك اللحظة المؤثرة التى تسبق ساعة الوصول ظل " جاك " مختفيا فلم يره أحد من رفاقه . ولما أصعد عمال الباخرة امتعته عرف الركاب منهم أنه متمدد على سريره بدون حركة .

رست الباخرة على رصيف المرفأ فشاهد القادمون على الشاطئ مناديل تلوح فى الهواء ، ونساء وأطفالاً يبدون حركات السرور ، ومع ذلك فبعض المسافرين الذين كانوا أكثر اتصالا ب " جاك " أثناء السفر كانوا ينتظرون بالرغم منهم حتى يخرج من كابينته ، بل إنهم أحسوا بشئ من الفزع كما لو كانوا يخشون أن يكون قد صمم فى هذه الدقيقة القاسية أحد التصميمات البائسة ؛ فنزل إليه أحدهم مبعوثا من الآخرين . . . وعندما وقع نظره عليه قال له :

- هل أنت قادم يا دوفريش ؟ . - نعم أنا قادم ...

وإذ ذاك صعد على ظهر الباخرة متأبطاً ذراع رفيقه ؛ فأحس هذا الأخير أن " جاك " يتناقل فى مشيته وبالأحرى كان يترك نفسه ينسحب انسحاباً ويسير منخفض الرأس . سارا ، معاً فى الممر . .

وفي هذه الأثناء تمتم " قائلاً لصاحبه : - اسندنى فإنى سأسقط . غير أنه لم يلبث أن نزع ذراعه بغتة من ذراع رفيقه ، ورفع رأسه كما لو كان يطيع قوة لا تقاوم وصاح قائلاً :

- جيلبرت . . هانزبيث .... وفى الواقع أنه فى هذه اللحظة قد شوهدت سيدة وفتاة تجريان نحوه من خلال زحام الجماهير ؛ فاندفع إليهما واحتضنهما بين ذراعيه وضمهما إلى صدره فى شئ من الجنون وأخذ يتمتم كأنه فقد صوابه قائلاً :

- جيلبيرت . . أأنت يا عزيزتى ؟ . آه ! أنا كنت أعرف جيدا يا " جيلبيرتى " . . كان المسافرون ينظرون إليهم ولم يكونوا يفهمون بعد من هاتان السيدتان اللتان يقبلهما جاك بكل هذا الشغف .

- جيلبيرت . . جيلبيرت أأنت ؟ . . وعلى أثر ذلك تخاذلت قواه بشئ من الدوار ولمحت زوجته أنه يبكى ، فتنبهت فى الحال إلى سبب بكائه وقالت له :

- نعم ... - أوصدقت أننا نحن الضحيتان ؟ . - أنا لم أصدق ذلك . - كيف ؟ ! - كلا ، ما دامت قد تسلمت رسالتك ، التى وعدتنى فيها بأنك لم ترى بعد ذلك " جورج دى بروكور " وبأنك لن تصحبه فى السيارة .

- هل كان لديك بى الثقة الكافية ؟ . .. وبالرغم من هذا النبأ ؟ . . وبالرغم من الأسماء ؟ . . وعلى أثر ذلك أصاب السيدة بدورها اضطراب عظيم

وجعلت توضح أفكارها متمتعة : - إنه خطأ ارتكبته هذه الصحيفة ، وإن السيدتين اللتين قتلتا هما : ابنتا عمنا " دوفريش " دعاهما جورج فى اللحظة الأخيرة ، ولم ينخدع فى الاسم إلا صحيفة واحدة كتبت جاك دوفريش . . وقد علمت بها الخطأ متأخرة فلم أملك أن أبرق إليك . . أوه ! لا بد أن تكون قد تألمت كثيراً ! .

- أنا لم اتألم ولم يكن لى الحق فى أن أتألم ما دامت رسالتك كانت تحت عينى ، وما دمت أعرفك ، وما دمت أعلم أنك غير قادرة على الكذب . لا ، أنا لم أصدق يا جبلبيرث ، وكان من المستحيل على أن أصدق عنك شيئاً كهذا . .

صمتا بعد ذلك ، ويد كل منهما فى يد صاحبه ، إذ لم تعد أية كلمة تستطيع أن توضح الانفعالات التى تقلب كيانهما ، وكانا يرتعدان إلى أعماقهما ، وكانا يحسان - فى ضعفهما الإنساني وفى جبهما الأقوى من القدر ، والأعظم من الكوارث ، والأقدر من الموت ، وفى وسط أولئك الناس الدين ينظرون إليهم - برغبة واحدة وهى أن يركع كل منهما على ركبتيه ويجهش بالبكاء .

اشترك في نشرتنا البريدية