-٢- للأستاذ أحمد أمين أسلوب هادى ، شعبى قريب من حديث الناس ، لا يتطرف ولا يشذ حتى لتشعر أن الأديب يتكلم ولا يكتب .
وهو يستعيض عن الصناعة البيانية وبأس المنطق ولباقة التهكم بأن يجعل لحديثه جو ألفة وعطف بينه وبين سامعيه ، وبأن يستعمل من المفردات ماله ذكريات كريات سارة ، وبأن يثير بتداعي الأفكار خواطر تساعد على إضعاف مقاومة قارئه النقدية .
وفي العدد ٤٧ من مجلة الثقافة يكتب الأستاذ مقالا عنوانه " البركة " أظنه يحوي جل مميزات أسلوبه ؛ فروحه فكهة متواضعة ، والفاظه مألوفة وجمله قريبة في تركيبها من جمل لغة الحديث ، وأثره في قارئه لا يعتمد على بيان او قوة منطق أو محسنات لفظية أو حيل خطابية ، والآخيرة لا ينتفع بها إلا في الخطابة ولا نستعار إلا في الكتابة . والأستاذ بمقارنته بالدكتور طه بك حسين لا يخطب ولا يكتب ولا يملى إرادته إملاء دكتاتوريا ، فيهدد بالجهل من لم ير رأيه من القراء ، بل هو فيما يبديه يتحدث كرجل جالس بين رفاقه يسر إليهم خواطره ، مثلا : " أما بعد فإني أميل إلي الرأي الثاني ورزقي علي الله " أو " إن كان هذا المقال سائرا على قوانين الفن مثيرا للنظر ناجح الأثر ففيه البركة ، وإلا فلا بركة فيه والعلم عند الله "
والتعبيران " رزقي على الله " ثم " والعلم عند الله " من التعابير المألوفة لنفس المصري ؛ فالأول يثير بتداعي الأفكار صورة رجل اختار خبرته في امر اعتمادا على طبيعة نفسه ، لا على تفكيره وقوة منطقه ، فهو من العامة لا من
الخاصة ، إذ لا ينتظر من مستشار ملكي أو محام أو استاذ في جامعتنا ( لا الجامعات الأخرى ) أن يظن أو يفعل كذا ورزقه على الله !
والتعبير لايقترن في الذهن برجل متر ، بل يرجل فقير كصاحب حرفة يشتري بطيخة لأولاره في آخر النهار فيقول للبائع : " هاخد دي ورزقي على الله " أو بعامل طرده صاحب متجر فيخرج بتسم لنفسه : " مرفوت مرفوت ! رزقي علي الله " . فالتعبير في استعماله العادي يثير في القارئ عواطف الشفقة والعطف ، ومنه يستمد الأسلوب قوته ، فهو أسلوب أدبي لا مجرد كتابة .
والتعبير الثاني هو أيضا من التعابير المألوفة للنفس ، إذ هو يثير في الذهن ذكريات عصر كان التواضع فيه من خصائص العلماء وكانت " والله أعلم " نهاية كل بحث . والأستاذ أحمد بك أمين مهد لنفسه " والعلم عند الله " تمهيدا هو في فنه نقيض فن الدكتور طه بك حسين ؟ فالأخير كما بينت في المقال السابق اعطى رأيه في فن الدعاية والإعلان وألزمه القارئ بقوله : إنه حق واضح وحديث معاد ، والأول يفسر رأيه في معاني البركة ويرجع كل معنى فيها إلى قانون اقتصادي ، وينتهي إلى نتيجة فيقول :
(.. . حينئذ يكون معني البركة التوفيق في سير المرء أو المرأة أو الحكومة حسب قوانين الاقتصاد) ثم هو يرجع على منطقه ونتيجتة فيعارض رأيه متذكرا ان المسألة ليست بهذا القدر من البساطة والوضوح ، وان في الحياة أمورا معقدة خفية ، وان القوانين الاقتصادية قد لا تؤدي إلى بركة أو يسر أو توفيق ، وان هناك تضاربا بين الواقع والمنطق يستوجب التفكير
واللغة الإنجليزية تختلف عن اللغة الفرنسية في كثير من هذه الميزات التي يخالف فيها الكاتبان احدهما الاخر ؛ ففي الفرنسية دقة ووضوح وصناعة يسهل معها على العالم بها ممن يستعملون عربية التعليم ان ينزلق أسلوبه من
هندسة وأتزان فنيين إلي مجرد صنعة . واصطناع الكتابة هو أكبر خطر تعرضت له اللغة العربية منذ ان خرجت من جزيرتها ، فلم ينجيها منه حديثا إلا الترجمة من اللغات الأوربية
وفي الإنكليزية كره للصنعة والتنميق واعتماد على الآثر النفسي أكثر من الآثر المنطقي ، وعلى خلق جو من الألفة يتحدث فيه الكاتب إلي سامعه ويحاول ان تنسجم عواطفهما ليــــكون الإقناع عن طريق هذا الانسجام . فالكاتب تشارلز لام مثلا ، وهو أقرب أدباء الإنكليز شبها بالأستاذ أحمد بك أمين ، تحاشي الترتيب والمنطق والتقسيم ، وهو أيضا استعمل أسلوبا غير فردي قريب من الوسط اللغوي ، وتجول في مقالاته تحت تأثير تداعي الأفكار من نقطة إلى نقطة بغير نظام يستطيع الناقد ضبطه وتفسيره . وهذا النوع من الأسلوب له مزايا تلطف حتى يظن غير الخبير انه مجرد كتابة لا اسلوب لها ؟ والسبب في ذلك هو أنه أسلوب يعتمد على شعوره وما يثيره من ذكريات ليؤدي للقارئ من المعاني ما لا تؤديه الألفاظ ، ويعتمد على الاقتصاد في اللفظ .
وخطر هذا الأسلوب هو ان ينزلق المقال فيه لقربه من حديث الناس إلي نوع من مواضيع إنشاء طلبة المدارس هذا هو السبب في ان اصحابه يتحاشون الترتيب والتقسيم والتدرج المنطقي ، حتى لا يثيروا في الذهن فكرة " نقط الموضوع " .
وبعد فللادب في أي لغة حية موردان يستقي منهما لغته : أولهما رئيسي ، وهو لغة الناس عالمهم وأديبهم ، تاجرهم وصانعهم . ومن هذا المورد يختار الأديب من الصياغة وتركيب الجمل والمفردات الخ ما يلزمه ، منه ، فإذا تحدث كان حديثه في اغلبيته كحديث الطبقة المهذية في بيئتة ، وإذا تحدث عن لسان عامل كان حديثه في اغلبيته
كحديث العمال وهكذا . والسبب في ذلك هو أن الأدب يستمد روحه ومادته من هذا المورد الرئيسي .
والمورد الثاني هو ترات اللغة الأدبي ( ١ ) من شعر ونتر ، ومن هذا يستمد الأدب قوالبه (forms) كالحدوته والمقامة والرباعية ، وتقاليده كأوزان الشعر والبحور ، وكالمفردات الدالة على معان لا ترد عادة في الحديث او التي بليت اودنست مرادفاتها بالاستعمال ( ٢ ) وكطرق التعبير التي دل تاريخ الأدب على أنها أدق وأوفى بغرض الأديب .
ولأثر التراث الأدبي علي أدب أي جيل معاصر نتائج واضحة ثابتة بالمشاهدة ، فقد يزيد فيدل على ضياع الشخصية وانعدام النبوغ وفقر الإنتاج ، وقد يقل فيدل على قيام نهضة جديدة وعلى التجديد والخلق
ولكنه مهما قل فإنه لا ينعدم إلى درجة أن تنقطع صلة الماضي بالحاضر ، ومهما زاد فإنه لا يطغي حتى يصبح المورد الرئيسي لأدب حي في لغة حية .
وفي الرجوع إلى التراث الأدبي لا يكون النقل والمحاكاة والأخذ بالقوالب حيثما اتفق ، ولا يكون اتصال الماضي بالحاضر إلا تدرجا ، فليس هناك مثلا من شبه كبير في القوالب والتقاليد والمفردات والتراكيب بين أدب القرن الرابع عشر الفرنسي وبين أدب القرن العشرين ، ولكن أدب القرن التاسع عشر له اتصال وثيق بأدب القرن العشرين ، وأدب القرن الرابع عشر له اتصال بأدب القرنين الثالث عشر والخامس عشر ، وهكذا . هذه هي الحال في أدب الغرب . أما في الأدب العربي المعاصر فقد جمع الآدباء في التقاليد والتراكيب والمفردات والأساليب بين الأندلس وبادية الجزيرة العربية ، وبين القرن السادس والقرن العشرين ! ! تري هل يعرف احد أديبا معاصرا
غريبا يلتبس أسلوبه بأسلوب كاتب سبقه بثلاثة قرون ؟ ومع ذلك فبيننا من تلتبس أساليبهم بأساليب أدباء سبقوهم بثلاثة عشر قرنا !
إن حديثي هذا عن الأدب الغربي ليس بتشريع ناقد ولا يحديث فيما يجب أن يكون ، فقد ترك نقد القرن العشرين التشريع والكلام فيما يجب ومالا يجب لمعلمي المدارس وفقها الا كاديميات ، وتعلم النقاد التواضع فدرسوا ما خلد من الأدب كحقيقة علمية بدل أن يشرعوا للأدباء ، واستخلصوا من دراستهم صفات الأدب وحقائقه ، فدونوها ليهتدوا بها إلي التمييز بين الغث والسمين .
لأسلوب الأستاذ أحمد بك أمين إذا قيمة خاصة في عصرنا الحاضر حيث لا يزال بيننا رأي سائد يقول بإمكان إحياء اللغة العربية القديمة ونشرها من قبرها لتصبح لغة أدب ، فقد قل من أدباء المقال بيننا من مصر عربيته كما ، عصرها الأستاذ ، وقل بينهم من لا تلهيه الزركشة الأدبية عن المعاني وتأديتها بغير إسراف لفظي ، ومن يستخدم قوة الإيحاء الكامنة في اللغة .
ولقد تمكن الأستاذ لقرب اسلوبه من الوسط اللغوي أن يصف من حوله من الناس والأشياء أحيانا ، وأن يتحدث عن قراءاته او يعبر عن أفكاره في مرونة لا يفقد أسلوبه معها خصائصه ؛ فاذا تحدث عن بيئته اقتبس من لغة الحديث بقدر ما سمح لنفسه أن يعارض آراء المحافظين بيننا ، وإذا تحدث عن قراءاتة رجع إلي عربية سلسلة مألوفة ليستعد منها ذلك الوقار الذي لا يجده كتابنا في لغة الحديث ، والذي هو في رأيي أحد أسباب انصرافهم عنها ، والذي يسهل جدا أن يسبقوه عليها لو أنهم استعملوها أما إحياء ، العربية التي يسميها البعض " فصحى : والتي يرجح جدا انها اليوم اقل اللهجات العربية فصاحة وأقصرها عن التعبير عن حياتنا الحديثة ، فهذه تجربة حاولناها في مصر خلال نصف القرن الأخير فما منعت
عالما أو أدبيا من أن يقول " مفيش " أو " منين " ( يدل من أين ) مهما كان تعليمه أزهريا ومهما كان إيمانه بما تعلم ، فكل ما نجحت فيه التجربة هو انها زادت من تناقضنا مع أنفسنا ، فذهب الرجل منا ينهي عن شئ داخل المدرسة ويفعل ما ينهي عنه داخل البيت .
فما بلغتنا من حياة سوف يبقى دائما بقدر كونها مصرية متداولة ، لأن اللغة لا ترث الحياة عن لغة سلفتها ولا تستمدها من قواميس ، فكما أننا لانرث روحنا عن اجدادنا ولا نتعيها في أجسادهم ، كذلك لا ترث اللغة روحها من أجيال مضت وماتت ، ولا تنمو فيما تحدثوا به ، بل هي تحي على افواه الناس ، وبذلك تحيي في أدبهم ، سواء أتت بها المعاجم أو لم تأت .
أما ذلك الخوف الطفولي على القرآن الكريم ولغته فقد آن الآوان ان يعلم رجال الدين منا أنه لو فرض وزالت مصر من الوجود ، بل وزال العالم العربي بأسره ، بل وخمس قارات هذه الأرض ، لبقى القرآن مع من تبقى عليها ، كتابا يقرأ ويفهم لمن شاء أن يقرأه .
