الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 254الرجوع إلى "الثقافة"

مقام الانسان فى الكون

Share

قرأت مقالا (١) للأستاذ أحمد أمين عنوانه ((سياحة فى العالم)) ، أشار فى مطلعه إلى كتابى (٢) الذى ظهر أخيرا بعنوان ((مطالعات علمية)) ، وإلى بعض ما ورد فى هذا الكتاب عن الأجرام السماوية وأبعادها عنا ، وكيفية توزيعها فى الفضاء ، وعن أحدث الآراء فى اتساع الكون وعظم مسافاته الشاسعة . وكنت قد لجأت فى كتابى إلى حيلة لقياس هذه الأبعاد الكبيرة والمقارنة بينها ، فحملت القارئ فى مركب من أشعة النور ، يسير بسرعة ثلثمائة ألف كيلو متر فى الثانية الواحدة ، وانطلقنا فى رحلة خيالية نذرع فيها الفضاء من كوكب إلى كوكب ، ثم من شمس إلى شمس ، ثم من عالم إلى عالم . وقد رأي الأستاذ أحمد أمين أنه يملك خيرا من هذه المطية ، وأسرع من هذا الضوء وهو الخيال والفكر الذى يستطيع أن يرحل إلى هذه العوالم فى لحظة ، ويطوف حول الكون فى لمحة ، فركب هذا الخيال وطاف هذه العوالم فى رحلة عاد منها بنتائج باهرة . وقد كان جميلا وطبيعيا أن يلتقى الأستاذ فى سفره بأبى العلاء ، وكيف لا وهو صاحب رسالة الغفران ومبدع الإسراء بالفكر من عالم الحس إلى عالم الخيال ، وهو القائل:

فهل الكواكب مثلنا فى ديننا

                     لا يتفقن فهائد أو مسلم

ولعل مكة فى السماء كمكة                  وبها نضار وبذيل ويللم        وقد كان جميلا وطبيعيا أن يلتقى الأستاذ بابن الشيل

البغدادى ، وبشعراء الصوفية وعظماء رجالها الذين أدركوا وحدة الوجود وجمال الخلق والخالق ، ووصلوا إلى أن قلب العوالم ينبض وروحها تختلج . ولعله لقى الإمام الغزالى ، وسمع دفاعه فى مشكاة الأنوار عن الحسين بن منصور الحلاج إذ يقول :

يا سر سر يدق حتى           يجل عن وصف كل حى

وظاهرا باطنا تبدى             من كل شئ لكل شئ

يا جملة الكل لست غيرى      فما اعتذارى إذن إلى

كل هذا جميل وطلى . وإنما يعنينى معنى آخر ذكره الأستاذ وأفاض فيه ، وكنت قد لمحت إليه وأوجزت ، ذلك أنه رأى فى صغر الحيز الذى يحل فيه الإنسان ، بل الذى تحل فيه الكرة الأرضية ، وفى عظم الكون الذى يقدر محيطه بآلاف الملايين من السنين الضوئية ، كما رأى فى تعدد الشموس التى تعدل شمسنا ، حتى إن عددها ليقدر فى عالمنا وحده مائة ألف مليون شمس ، وفى تعدد العالمين التى تشبه عالمنا حتى إن عددها ليقدر بمائة ألف مليون عالم - رأى فى كل هذا ما جعله يستصغر شأن الأرض ويستحقر أمر الإنسان . فالأرض أصغر من أن تذكر بجانب العوالم الأخرى ، والإنسان أحقر من أن تعرف حياته لضخامة حياتهم ، وأخبار الحروب تافهة وحقيرة لأن الإنسان الذى يقوم بها حقير ، و مكان الحروب جزء من الأرض الحقيرة ، وهلم جرا . وأكثر من ذلك ، فحديث السعادة والشقاء والملذات والآلام والجمال والقبح لا يقع من النفس فى قليل ولا كثير ، ولا يزيد فى السمع على طنين ذبابة .

ما مقام الإنسان فى العالم ؟ وما حقيقة مكانته ؟ إن نسبة حجمه إلى حجم العالم تصلح لأن تكون تعريفا جيدا للصفر الرياضى ، كما أن أقصى قوة لعضلاته لا تزن مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء . ومع ذلك ففى هذا الجرم المتناهى فى الصغر أكبر معجزة فى الكون بأسره .

كانت بعض المذاهب الفلسفية عند الإغريق تفرق

بين عالمين: ((الما كرو - كوزموس)) أو العالم الأكبر ، و ((الميكرو - كوزموس)) أو العالم الأصغر ، فالأول هو الكون بفضائه وسماواته ، والثانى هو الإنسان ، وهذان العالمان ليسا شيئين مختلفين وإنما هما صورتان لشئ واحد ، وكانوا يقولون بانطواء العالم الأكبر فى العالم الأصغر :

دواؤك فيك وما تشعر         وداؤك منك وما تبصر

وتزعم أنك جرم صغير         وفيك انطوى العالم الأكبر

وقد اتصلت هذه المذاهب عندنا بالفلسفة الصوفية ، والقول بوحدة الوجود ، وما زالت تتطور من عصر إلى عصر ، ومن جيل إلى جيل حتى يومنا هذا . والذين يرتأون هذه الآراء لا يجدون فى صغر الجرم الإنسانى ما يبعث على استصغاره ، ولا فى ضعفه النسبى ما يدعو إلى استحقاره . فالإنسان فى نظرهم لا ينخفض شأنه عن شأن العالم لأنه هو العالم ! وكيف ينخفض الشئ عن نفسه ؟!

ومن الآراء الفلسفية المشهورة ما قال به الأسقف باركلى الإنجليزى من أن حقيقة الكون نفسية لا موضوعية ، فوجود الكون إنما يقوم بالنفس ولا معنى له بدونها . وعلى هذا الرأى يكون وجود الإنسان شرطا لازما لوجود العالم ، ولا يكون هناك معنى لوجود العالم ما لم توجد النفس المدركه ، وهى النفس البشرية .

وفيما خلا هذه المذاهب الفلسفية ، وما أنطوت عليه من معان خفية ، فإن قضية الإنسان فى الكون تستند إلى أسانيد تستمد قوتها من الواقع ومن المنطق السليم . فالأرض التى يسكنها الإنسان يبلغ محيطها أكثر من ٢٥٠٠٠ ميل أو نحو أربعين مليون خطوة من خطواته ، ومع ذلك فقد طاف حولها ، وأحاط بها ؛ ثم إن دورانها على محورها ينشأ عن سرعات تصل إلى أكثر من ألف ميل فى الساعة أو ما يعدل سرعته مائة مرة ، ومع ذلك فقد استطاع أن يطير حول الأرض بما يقرب من نصف هذه السرعة ، فكاد يلحق بالشمس فى حركتها اليومية . وقد رقى فى الجو إلى عشرين كيلو مترا أو ما يعدل عشرة

آلاف قامة من قاماته ؛ كما سخر لنفسه من القوى ما يزيد مئات الألوف من المرات على قوى عضلاته ، ومن الآلات ما إن قدرته لتنوء بالملايين من أمثال قدرته . أما بعقله وفكره فقد وثب وثبات رائعة ، فأماط اللثام عن طبقة مكهربة فى الجو على ارتفاع سبعين ميلا ، ثم عن أخرى على ارتفاع ١٨٠ ميلا ، واستخدمهما فى نقل رسالاته اللاسلكية ؛ وقد أماط اللثام أخيرا عن ثالثة تقع وراء القمر ، أى على أكثر من ربع مليون من الأميال ، ووجد عنصر الهيليوم على الشمس أى على بعد ٩٣ مليون ميل ، والمجموعة الشمسية التى يربو قطرها على سبعة آلاف مليون ميل قد أحاط علما بحركاتها ، وقدر مواقيتها مما يزيد ضبطا على الساعة التى يحملها فى جيبه . أما الشموس الأخرى ، فقد قاس أحجامها ، وعرف أوزانها ودرجات حرارتها وأطوار حياتها ، وتعداها إلى ما هو أبعد منها من السدم ، فرسم لها صورا فوتوغرافية ، وحلل أنوارها ، وعرف عناصرها ، وكاد يصل بعقله وعلمه إلى محيط الكون فقدر أبعاده وقاس عظمه .

هذه صحيفة مختصرة لعمله فى عالم الحجم وفى عالم القوة ، من شأنها أن تقنع الكثيرين بمكانته وعظم مستقبله . أما أنا فإننى لا أنكر على القارئ أننى لا أجد تحتها طائلا ولا أبنى عليها حكما ؛ فليس مقام الإنسان فى نظرى مرتكزا على الأحجام والقوى ، وليس بضير الإنسان فى ملتى أن يكون ضئيل الجسد قليل الحول . وإذا كان العالم الذى نعيش فيه واسع الأرجاء رحب الفناء ، فإننى لا أجد فى ذلك إلا مبعثا للفخر وحافزا للسمو بالنفس، وهل ينقص من قدر المرء أن ينتمى إلى مدينة عظيمة ؟! أو أن يسكن فى واد فسيح ؟! وإنما يبنى مقام الإنسان على شئ آخر هو أبعد ما يكون عن عظم الجرم وشدة البأس ، فقد سكن الأرض فى العصر الخالى دينوصورات ذات أجسام هائلة ، كأنها الأطواد المتحركة ، وكان لها من قوة عضلاتها ما جعل لها الغلبة على جميع الكائنات الحية التى عاشت على

الأرض فى زمانها ، ومع ذلك فقد اندثرت هذه الوحوش الضارية ، ولم يبق منها إلا بضع هياكل عظيمة متناثرة هى خير عبرة لمن يعتبر ، وعظة لمن يتعظ .

كلا بل يقوم مجد البشر على شئ آخر هو ذلك القبس المقدس الذى نشعر جميعا أنه يميز الإنسان على سائر الحيوان ، تلك القوة الروحية التى تحرك فينا حب الحق وحب الخير وحب الجمال . وعلى قدر استجابة البشر لذلك الداعى تأتى عظمتهم ورفعة شأنهم . وعندى أن ما وصل إليه الإنسان من العلم ، وما ترتب على ذلك من قدرة واختراع ، إنما جاء على قدر طلبه للحقيقة وشغفه بالحق ، كما أن حب الحق وحب الخير إنما يتفرعان من حب الجمال ، فالحق والخير جميلان ولذلك فمن أحب الجمال أحبهما جميعا ، ووددت لو استطعت أن أصور للقارئ ذلك الجمال الفكرى الذى يدركه طالب الحقيقة العلمية ، ذلك التناسق البديع بين أجزاء الكون حتى إن السير جيمس جينز ليصف الكون بأنه فكرة عظيمة ، أو أن شئت فقل فكرة جميلة .

وبعد ، فإننى أعتب على الأستاذ أحمد أمين أنه لم يتعرف فى رحلته على العلماء الذين أدركوا الحق وعشقوه وهاموا به من أمثال إقليدس والحسن بن الهيثم والسير أيزاك نيوتن ؛ فقد روى أنه عرج فى طريقه للعودة على طائفة من الناس ظنهم من الفلكيين شغلوا بالمسافات والأبعاد وتحليل الأشعة ، ولكنهم وقفوا عند المظاهر ، ولذلك لم يرهم إلا حين قارب الأرض . وأغلب الظن عندى أن هؤلاء ، الذين رآهم الأستاذ ، فحسبهم من العلماء إنما هم جماعة المقلدين والمدعين ، وما أكثرهم فى الأدب والعلم على حد سواء. ولعل الرحلة قد بهرت منه البصر أو خدعه بريق الزغل ؛ ولو أنه نظر فى الملأ الأعلى لرأى رجالات العلم ممن تجردوا عن الحياة الدنيا ، وسموا بعقولهم إلى المنتهى ، فكشفوا عن أسرار الكون ، وبرهنوا على وحدة الوجود ، وامتزجت نفوسهم وعقولهم بالحق والخير والجمال والسلام .

اشترك في نشرتنا البريدية