التعارف الأدبى بين الأقطار العربية دعامة هامة من دعائم التعاون السياسي ؛ ولذلك اصبح من واجب كل أديب في كل قطر أن ينمى صلاته بأدباء الأقطار الآخرى ، وان يعرف هؤلاء الأدباء إلي البلد الذي يعيش فيه ، ويقدم إليه من نتاجهم ، فتزيد قربي الروح من قربي المادة ، ويتألف الشباب العرب في بلاد العرب مثل عليا قريبة تدفعهم إلي العمل المشترك
وما أطمع في أن تكون هذه المقالة أكثر من مقدمة الدراسة الحياة الأدبية في سورية ، على ضوئها يعرض إلي
الأدب الاجتماعي والشعر والقصة ، وإلى ممثليها البارزين ونتاجهم ، وإلي المناحي التي تتخذها ، والآلوان إلى تصطبغ بها من جيل إلي جيل .
والأمر في واقعه يحتاج إلي تفصيل ، كيلا يكون مجرد تأملات موجزة مسرودة ؛ ففي مثل هذا الحديث عن مصادر الأدب في سورية يجب الا يهمل اثر التاريخ الماضي وصلته بالحاضر ، والا ننسي الخوض في العوامل السياسية التى تدفع الأدباء والمفكرين ، والعوامل الاجتماعية والدينية التي تحيط بهم ، والطبيعة التي تقدم لهم ألوان أدبهم ، ونفسية الشعب السوري ككل قريب من الإنسجام ، والتيارات المختلفة التي تأتيه خصبة من الغرب ومن الجنوب . كل هذا وغيره يجب أن يتناوله الباحث بالإسهاب حتى يؤتي التعارف ثمره ، ويحبب إلي المصريين ادب السوريين ، ويشجعهم على أن يبادلوهم نتاجهم الفكري . غير ان صحافة الحرب الضيقة الصدر تؤثر الإيجاز ، وتفضل اللهجة العاجلة على الدرس المتثبت .
ولعل خير طرائق البحث هي ان نقرن الأدبين السوري والمصري ، فنعرف الأول من طريق الثاني .
الأدب السوري الحديث أدب نضال ، نضال داخلي وخارجي ، في الأرض والتاريخ والسياسة .
فإذا تأملنا تاريخ مصر الاجتماعي والاقتصادي ، نري المصري ، في الأحوال العادية ، يستطيع أن يكسب عيشه بأقرب الوسائل ، يساعده عليه خصب ارضه وانسجامها واتساع آفاقها ، وهذا النيل الخالد المجري يمتعه بالخير الدائم والنعمة المطمئنة ، ويجعله حين ينتج الفن او يتذوقه أدنى إلي فهم الفنون التجسيمية ، كالنحت والتصوير والزخرفة ، وإلى نوع خاص من الشعر والغناء يكاد يخيل إليك معه أنه ملك كل شئ في الدنيا فلا يعذبه غير الحبيب .
لون من الترف لا يتصله الفقر العارض ، تضحك فيه النكتة ويغنيه في الحقول الأطفال .
فإذا انتقلت إلي سورية صدم المطلب الطامح الأفق الضيق ، ورأيت إلي هذه الملايين الثلاثة تحيا في رقعة من الخضرة منكمشة بين الصحراء والبحر ، ولكنها تحمل في صدرها أمل الكون ، وتبيع فقرها بالجهد الشاق لتشتري به غني العالم . ويتلقن السوري الطفل وهو يدرس الجغرافية أن الدنيا واسعة ، فله في كل أرض وطن آخر ، يهاجر إليه فيغذيه ويغتذي منه ؛ بينا يظل أخوه على أرضه ينضلها بعناده وهي الصعبة القياد ، ويخصبها من دمه لتنتج ومن هنا كان السوري العادي شاعر التراب أكثر منه شاعر المرأة ؛ بل إن المرأة لتلبس عنده جمال الطبيعة ، فهي مثلها قاسية تدل ، تشتري حبه بتمتعها فيغنيها على غابه الذي صنعه من قصب الأرض ، وفي زجله الذي تستشعر فيه خضرة المرعي ورائحة الزهور البيض . ومن هنا أيضا كان السوري العادي رجلا شديد القلق بطبعه شديد الطموح ؟ وكان على الآديب السوروي ان يعبر عن هذا الوضع ، وان يمجده ويوجهه ، فكان خير كتاب القصة مثلا في سورية من نجحوا في هذه الصنعة .
وتقع سورية في وسط الكون ، فهي ملتقي لألوان من اداب العالم وثقافاته ؛ ومن هنا ينكشف لنا مظهر اساسي آخر من مظاهر الفكر في هذا البلد ، هو الصراع الأبدي بين القديم والحديث
لقد اتصلت مصر بالعالم الغربي اتصالا وثيقا منذ قرن ونصف قرن ، فكان القسم الاكبر من ادبائها ومفكريها اليوم يؤلفون ما يشبه الفريق الواحد ، وكان التقارب التدريجي بين الأزهر ونظم الثقافة الحديثة ادني إلي ان يحد من شأن الخلاف بين المدرستين . أما سورية فهي
ما تزال حديثة الاتصال الجدي بالغرب لم يمتد فيها أثره ؛ وهي إلي هذا متصلة بلون طريف آخر من ألوان الثقافة انتج بعض أدبائها في المهجر الأمريكي . ونتاج الفكر المصري يجد فيها إلي جانب هذا وذاك سوقا رحبة ويكون فيها بضاعة رائجة . فإذا استطعنا أن نفهم أن السوري بطبيعته ذو قابلية عجيبة للعدوي ، وانه ماهر في التقليد ، سريع في التمثل ، أدركنا في يسر كيف أن كل هذه الألوان الجديدة لم يكن لها إلا أن تصطدم ، في نفوس المتأثرين بها ، مع ألوان المدرسة القديمة الشديدة التمسك بحرفية الدين ، الآخذة ثقافتها من ينابيع الكتب الصفراء والأدب الإسلامي المزيج ، ولقد كان في استطاعة الطريقة المصرية كما بدت لنا أن توفر على السوري هذا الصراع لو أنه كانت تقنعه الحلول الوسط ، ولكنه عنيف يطلب النهايات ، ويفضل أن يتعذب في الوصول إلي الحل كما تعذب المصري في محاولة الوصول إليه ، على أن يقبله كاملا مفروضا لا يد له فيه - وهكذا يجد السوري لحيويته منفذا جديدا للنضال ، ويتخذ الصراع بين أصحاب الثقافتين " الصفراء " و البيضاء صورا متعددة ، وتتسع له الميادين فيشمل المنبر والجامعة وأندية اللهو ، ويهتم له أحيانا رجل الشارع بقدر ما يعني به المثقفون .
ومظهر أساسي آخر من مظاهر الفكر في سورية ينشأ عن وضعها السياسي .
فعندما تنظر إلي وجهة الأدب في مصر الآن يتراءي لنا أن ما يعالجه ، إلى جانب الأدب الإنساني الخالص ، هو على الأغلب المشكلة الاجتماعية ، المشكلة الاجتماعية هنا هي المحور الذي يدور عليه أبدا نقاش المفكرين والمصلحين ، وبالتالي تقوم حوله ملاحظات الادباء واشعارهم واقاصيصهم . هي مشكلة الغني والفقير ، والصحة التي تحتاج إليها القرية الجاهلة ،
والعيش السعيد الذي يجب ان يتمتع به العامل والفلاح وتكاد لا نجد للسياسة في ادب مصر اليوم من اثر مباشر إلا في النادر القليل
أما في سورية فالأمر تماما علي عكس ذلك ، إذ ما تزال المشكلة الاجتماعية ظلا للمشكلة السياسية . لقد عاشت سورية أبدا في مراحل متتابعة من النضال السياسي ، لا استقرار فيها ولا لفتة إلي غير شيء . ولم تكن الروح المتوثبة في الشعب السوري لتجد منفذا لها في غير الصراع مع الأجنبي ، فكان لابد للأدباء في سورية أن يتجهوا هذه الوجهة . وهكذا ، في خلال النصف الأخير من القرن الماضي ، أنتجت سورية - ومعها لبنان - مجموعة من الأدباء المناضلين هم الرعيل الأول من أدباء العرب في عصر النهضة . وامتدت هذه الحال علي صورة أعنف وأقوي فيما بعد الحرب الفائتة ، إذ اتخذ النضال السياسي مظهرا قوميا يشمل في اماله الوطن العربي كله . ولم تعد السياسة احتكارا يقوم عليه أناس معينون من المالكين والوجهاء ، يتوارثونه ويتوزعون نعمته بل أصبحت القضية العامة جزءا أساسيا من شواغل الفرد العادي في البيت والشارع ، ونشأت ألوان من الأحزاب يختلف بعضها عن بعض بالفكرة الموجهة ، التي كثيرا ما تضاءل أمامها المطمع الشخصي . وكان بعض هذه الأحزاب فترة من الزمن متين الكيان عميق الأثر ، فربي الآلاف من الطلاب ومن عامة الشعب على أن ينظروا إلي الحياة في منظار القومية المناضلة ، وأن يجعلوا من هذه القومية معيارا للقيم ، يطبقونه في الحلول التي يضعونها للمشكلات الاجتماعية وفي فهمهم للدين والحرية ، وأحيانا في اللباس والصداقة والرياضة والمعاملات . وهكذا كان من الطبيعي أن يتسع اختصاص التوجيه في السياسة ، فتشمل حركة البعث الكتاب والمؤرخين . ورأينا بين الأدباء الشبان من يعطيهم الجيل الجديد في سورية صفقة
الزعامة ، لأنهم كانوا أشد الناس شعورا بآلامه ، وأقربهم إلي استشفاف رغباته والتعبير عنها في مناهج عامة صريحة واحتقر الأديب الزعيم كبرياء ، البرج العاجي ، فنزل إلي السوق ، تلتف حوله في المقهي والنادى حلقات من الطلاب والشبان منظمة وغير منظمة ، تعد العشرات والمئات ، تستمع إلي آرائه ثم تنشرها وتدعو إليها بين الناس ؛ فهي بلا ريب بذور لحزب قوي كبير يوحد الشبان في حركة داعية شاملة - وهذا وضع يذكر في كثير من حدوده بوضع مصر أيام الحركة التي حملت لواءها ) الجريدة ( والأدباء الذين ساهموا فيها ، بل هو يذكر إلي حد ما بوضع الأدب في فرنسا بعد الثورة . فلقد مضي على فرنسا بعد ثورتها جيلان كان للأدب المناضل فيهما حظ كبير ، وهي مرحلة تهيمن الآن في سورية ، فلا نجد للأدب الإنساني الخالص فيها إلا أقل الشأن ، ولا تلقي للاهتمام الجدي به إلا النقاد والمختصين ؛ ولا تري تفسيرا له إلا باعتباره محاولة للانطلاق وفرار من الواقع العنيد ، يلجأ إليهما أدباء يعتاضون بخصب خيالهم ورقة شعورهم عما يعوزهم من الفعالية
في نطاق هذه العوامل والاتجاهات ، يجب ان نفهم الأدب الحديث في سورية ، لندرك أن النتاج الذي يخرجه الأدباء اليوم في سورية - وفي الاقطار العربية الأخرى على وجوه مختلفة - يريد أن يكون إجابة لما يطلبه الجيل الجديد من القراء العرب . وهذا الجيل الجديد ، في السير إلى غاياته الكبرى ، هو اشد ما يكون حاجة إلي أدباء بناءين ، مجددين ، معبدي طريق لم تسلك ، لهم فكرتهم المناضلة التي يؤمنون بها ، ومذهبهم الذي يدعون إليه ، والذي يجعل منهم ، وهم في ذروة فنهم العالية ، مبشرين وأصحاب رسالات
