الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 314الرجوع إلى "الثقافة"

مكافحة الأمية

Share

ورد فى العدد الأخير من هذه المجلة مقال فى هذا الموضوع للأستاذ محمد فريد أبو حديد كما سبق له أن ألقى محاضرة فى قاعة بورت بالجامعة الأمريكية فى هذا الموضوع  أيضا ونحب أن نناقش هنا بعض ما أورده حضرته من آراء فى هذا الصدد ، فالموضوع جد خطير ، وهو جدير بكل عناية وتمحيص لا سيما وأن الحكومة الماضية كانت قد استصدرت من البرلمان قانونا لمكافحة الأمية ونشر الثقافة الشعبية وتدل الدلائل كلها على أن الحكومة الحالية معتزمة تنفيذ هذا القانون كما هو او بشىء من التعديل حسبما تراه مناسبا ومحققا للأغراض التى ترمى إليها .

ويخيل إلينا أن أغلبية ذوى الرأى فى البلاد مقتنعة بضرورة العمل على مكافحة الأمية بين طبقات الشعب الجاهلة ، وإذا كان هناك خلاف بينهم فهو على طريقة

التنفيذ ولكننا نعترف بأننا لم نستطع بعد سماع محاضرة الأستاذ فريد أبو حديد وبعد قراءة مقاله أن نتبين بالضبط رأيه فى هذا الأمر بدقة ، فلا نزاع فى أن مستمعى المحاضرة خرجوا منها بأن حضرته يرى تركيز الجهود الفنية وقصر بذل النفقات المالية على التعليم الأولى ، أى تعليم الصغار الذين تقع اعمارهم بين السادسة والثانية عشرة وهو يقول فى آخر المقال المشار إليه :

" وإذا وجد فى القطر ملايين ممن يحتاجون إلى التعليم وكان لا بد لنا من البدء بتعليم بعضها فما هو هذا البعض ؟ أهو الذى قد فات سن التعليم ، أم هو الذى يستقبل سن التعليم ؛ الذين يستقبلون سن التعليم ممن بلغوا السابعة ، لهم حق أن يتعلموا بمقتضى التفكير السليم ويمقتضى الدستور المصرى الذى جعل لتعليم الصغار نصا محترما فيه فمن الطبيعى أن تكون الخطوة الأولى فى سبيل أي إصلاح تعليمى هى أن نعلم الأطفال الذين يستقبلون الحياة ....

" قد يكون مشروع مكافحة الأمية فى الكبار حسنا ، وهو بغير شك لا يخلو من الفائدة ، ولكن الحكمة تقضى بأن توازن بين الشىء الحسن والشىء الأحسن . والمعقول هو أن نبدأ بالأحسن فإذا أمكن أن نقوم معه بالحسن كان بها وإلا فحسبنا أننا أحسنا التصرف بالبدء بما هو أوجب " .

فروح هذا الكلام قريب من روح المحاضرة وفيه نزعة إلى تخصيص الجهود والاموال إلى تعليم الصغار ومع ذلك فنجد الأستاذ أبو حديد يقول فى أول هذا المقال نفسه :

" فنحن أمامنا مشروع لا نستطيع أن نقول إنه غير ضرورى ولسنا نستطيع أن ننصح بالعدول عنه لأن العدول عنه ضار بغير شك فالإصلاح واجب لا يتردد مصرى واحد ىالمناداة بوجوبه ولكننا لاملك إلا أن نصيح بأعلى صوتنا قائلين : يجب علينا أن نعيد البحث وأن نتريث وأن نعدل حتى لانتورط ونعود فى آخر الأمر بخيبة يكون لها أسوأ الأثر فى مستقبل الإصلاح فى البلاد ... لا بد من التريث والدرس ، وإعداد كل التفاصيل وعرض الأمر للأنظار حتى نعرف وجوه الانتقاد فيه ثم تأخذ بعد ذلك في الانفاذ إذا نحن آنسنا أن المشروع قد صار صالح للانفاذ " .

وهذا كلام صريح فى أن المشروع فى ذاته نافع وجدير بالعناية وأن تنفيذه واجب وإنما يوصى حضرته بالدرس والتمحيص والتريث وهى أمور واجبة المراعاة عند تنفيذ أى مشروع حيوى جديد ، ومن ذاك نستخلص أن صدر المقال لا يعلق التنفيذ إلا على هذه الاحتياطات وإن كان عجزه ينادى كما نادت المحاضرة بضرورة المفاضلة أولا بين تعليم الكبار والصغار ، وأقطع دليل على أن الأستاذ يرى أن الصغار أولى بالعناية هو عنوان المقال ذاته : " الصغار أولا ، الصغارا أولا " ولعلى قد أبنت للقارئ ما اعترانى من حيرة فى تفهم رأى الأستاذ فريد أبو حديد وفى عجزى عن تبين عرضه بالضبط والآن أورد رأى بكل صراحة وجلاء وأطمع فى كلمة من الأستاذ بنفس الصراحة والجلاء تحدد وجهة نظره :

لا يستطيع أحد أن ينكر على هذه الأمة الكريمة أنها تبغى من أعماق قلبها أن تعلم جميع صغارها وأنها لا تضن فى سبيل ذلك بأى جهد أو مال . والذي يقوم بعمل حسبة دقيقة يدرك أنها تصرف على التعليم الأولى والإلزامى كل عام حوالى ثلاثة ملايين من الجنيهات وأنها لا شك مستعدة زيادة هذا الإعتماد إذا لزم الأمر أو إذا أبصرت بعينها وأدركت بفكرها أن التعليم الأولى جدير مهذه النفقة وأن الصغار يستفيدون منه فائدة تذكر . وبالجملة أنه يحقق الأغراض السامية التى يقصد إليها من هذا التعليم الذى هو حجر الأساس فى بناء الدولة وتنشئة رجالها . ولكن كل إنسان يدرك أن هذا التعليم لم يحقق هذا الغرض وحسبنا أن وزير المعارف السابق قد دمغه فى وثيقة رسمية وفى تصريحات مجلس النواب والشبوخ بأنه قد فشل فشلا ذريا .

ونحن والأستاذ فريد ، وكل مفكر وكل محب لبلاده يتمنى لو شمرت الوزارة عن ساعد الجد وبذلت جهدا قويا فى فى الاتجاه الصحيح لإصلاح هذا التعليم ، وعندما تبدو هذه الرغبة منها استطعنا نحن وغيرنا أن نبدى لها رأينا فى هذا الاتجاه الصحيح كيف يجب أن يكون ، وأى صورة يجب ان تتخذها محاولة الإصلاح ، ونكشف لها عن العيوب الأساسية التى هبطت بهذا التعليم الأولى إلى ذلك المستوى الذى يندى له الجنين وجعلته تعليما لا ينفع علة ولا يجدى فتيلا .

وبعد ، فهل يصح مع هذا إذا قامت دعوة أو اتخذ قرار يرمى إلى بذل جهود جديدة وصرف نفقات إضافية فى سبيل رفع مستوى الأميين من أبناء الشعب ( وبيقينى أنهم يشملون نسبة عالية جدا ممن أتموا تعليمهم فى المدارس الأولية ثم غلب عليهم النسيان وعادوا فامحدروا إلى الأمية كما كانوا من قبل ) هل يصح أن يقال لأصحاب الدعوة وفروا جهود واحبسوا أموالكم واصرفوا ما لديكم من طاقة ومال فى التعليم الأولى ؟ أليس من حق الرجال وقد

فشلنا فى تعليمهم صغارا أن تحاول تعليمهم وهم كبار وأليس هؤلاء الذين ذاقوا مرارة الحرمان من التعليم وأحسوا الأثر السئ لذلك فى حياتهم العملية وتمنوا لو أتيحت لهم فرصة فى كبرهم بدلا من التى فاتتهم فى صغرهم ، أليسوا جديرين بها ، خليقين بأن تهيأ لهم ؟

ثم إن فى البلاد نهضة اجتماعية مباركة ترمى إلى تحسين حال أفراد الشعب من جميع النواحى الصحية والاقتصادية والاجتماعية فهلا يكون من المعقول ، ومن المفيد أن نصحب محاولات الإصلاح الاجتماعى هذه محاولة جديدة لمكافحة الأمية ومكافحة الجهالة حتى يتفاعل المجهودان ويتساندهما تصل إلى آثار بعيدة المدى مجدية إلى أقصى حد ، أظن أن واجبنا جميعا يقضى علينا بتأييد هذه الحركة وتدعيمها لعلها تسير فى طريق ناجح ولا تصيبها الكارثة التى أصابت التعليم الأولى . ويقينى أن هذا سيصادف قبولا لدي المصاحبين أمثال الاستاذ أبو حديد الذى ينادى كما قدمنا بوجوب التريث والدرس وإعداد التفاصيل كلها حتى يكون المشروع صالحا للتنفيذ .

ونحن مع حضرته فى ضرورة التريث والدرس ولكنا لا يحب أن تكون كل دراساتنا نظرية على الورق وفى المكاتب ، فهذا لا يكفى إذ العيوب الحقيقية لا تظهر إلا عند التنفيذ ، فالتمحيص واجب إلى حد ما قبل البدء فى العمل بالفعل ، ولكن الدراسة المفيدة والتمحيص المجدي يبدآن بعد التنفيذ ، لذلك نرى دائما أن كل مشروع جديد يجب أن تكون على رأسه هيئة فنية تشرف عليه باستمرار وتتحسس مواضع العيب والضعف فيه وتعدله باستمرار فى ضوء التجارب ، ولهذا السبب ترى ايضا وجوب البدء فى جميع المشروعات على نطاق محدود معقول ، إن لم نقل صغيرا ، حتى إذا حان الوقت للتوسع ثم ذلك بأسلوب مجرب وخطة مضمونة النجاح وبذلك وحده يمكن تجنب

الفشل " والخيبة التى يكون لها أسوأ الأثر فى مستقبل الإصلاح فى البلاد " .

والآن فلنناقش الأمور التى رأى الأستاذ فريد أبو حديد ضرورة مناقشتها مرتبة حسب تناوله لها :

فأما الأمر الأول - وهو معنى الآية وهل هى مجرد الجهل بالقراءة والكتابة - فقد سبق لنا أن أيدينا فيه رأينا فى مقالات سابقة ( راجع مثلا ما قلناه فى العدد ٢٩٢ عن " الثقافة الشعبية " ) وأوضحنا أن العار ليس فى جهل القراءة والكتابة ، وإنما هو فى عقلية أغلبية الأميين . فمحاربة الأمية يجب أن يقصد فيها كما يقول الأستاذ أبو حديد إلى توسيع الأفق الذهنى والتوجه بالشخص إلى العادات الصحية وتذوق معنى الحياة وإدراك مكانه فى المجتمع ، وأضيف إلى ذلك ضرورة العمل على رفع المستوي الخلقى حتى يحيا فى الإنسان الضمير الذى يجعله يخشى الله ومن ثم يعين على حسن معاملته للناس وصدقه فى هذه المعاملة . وكل ذلك وغيره من أمثاله يصح أن يندمح فى العبارة التى وردت فى القانون وهى " مع قسط مناسب من الثقافة العامة " وما ينبغى لنا أن ننتظر من القانون تفصيلا واقعيا وإنما نتظر ذلك التفصيل ممن يقولون التنفيذ .

وآخر ما ورد فى هذا الأمر الأول حسبة زمنية انتهى منها الأستاذ إلى أن المشروع يعطى للشخص فرصة أربعة وخمسين يوما دراسيا فى السنة لكى يتم فيها دراسته وذلك ما لا يراه حضرته محققا للغرض الإصلاحى المنشود وأظن أن جمع الساعات بهذه الصورة لا يعطى فكرة صحيحة ، فكلنا نعلم أن حصة واحدة فى كل يوم من أيام الأسبوع تنتج نتيجة أفعل وأبقى من سبع ساعات تدرس للشخص فى يوم واحد ، لحساب الزمن بهذه الصورة بنطوى على شىء من التساهل ولا أقول المغالطة التى لا يمكن أن يخطر بالبال .

كذلك أتى لنا الأستاذ بحسبة أخرى حين مناقشته للأمر الثانى انتهى منها إلى ضرورة خلقنا لعدد كبير من المعلمين على التو أو يحشد الموظفين والطلبة لتدبر من الجميع الجيش اللازم لمقاومة الأمية ، وقد راجعت القانون فلم أجد فيه ما يحتم إنهاء حملة المقاومة أو المكافحة بتلك السرعة التى أشار إليها الأستاذ . نعم قد تكون الفكرة التى تملكت واضعى المشروع هى أنه موقوت بأربع سنوات ، وبذلك نادوا وخيل إلى كل الناس أنهم يرمون إلى إتمام المكافحة فى أربع سنوات ، وهذه أمنية خيالية لا يمكن تحقيقها لعدة أسباب ، أهمها :

أن المدارس الأولية الحالية لا تتسع لأكثر من ثلث من هم فى سن الإلزام ولذلك سيتسرب مدد مستمر من الأميين ، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنه قد ثبت أن كثيرا من الذين يتمون الدراسة الاولية يعودون لضعف هذه الدراسة إلى أميتهم بسبب نسيانهم لما تعلموه ، وهذا ينتج مددا آخر من أمبين جدد ، كانت الأمة تظن أنها فرغت من تعليمهم .

ورأينا أنه إذا نظر المشروع على أنه وسيلة لمعاونة الشعب على تلقى ثقافة ترفع مستواه الفكرى وتنفعه فى حياته العملية كانت مهمة مستديمة لا تنتهى حتى بعد تعليم الكل القراءة والكتابة ، بل ستظل الحكومة مسئولة عن تولى أفراد الشعب بالثقافة التى تصلهم بالتطورات المستمرة فى الحياة وتزيد مستواهم العام ارتفاعا . وفى الأمم التى زالت عنها الامية تقوم الحكومات والهيئات الأخرى بإعداد برامج تثقيفية مستمرة وإنشاء الأندية والمكتبات وتنظيم المحاضرات العامة من آن لآخر .

فالمشروع إذن لا يمكن اعتباره مشروعا موقوتا وإنما

يجب أن تكون له صفة الاستمرار ، وكل ما ننصح به لضمان نجاحه علارة على ما أشار به الاستاذ فريد أبو جديد من التريث والدرس هو التدرج فى تنفيذه . فهذا التدرج كما قدمنا يتيح الفرصة للتعلم من الأخطاء والتعديل فى ضوء ما تسفر عنه التجربة من اتجاهات للتحسين ، ومن جهة أخرى فهو يخفف الأعباء المالية ويجعلها محتملة ومتمشية مع غيرها من الأعباء .

والتدرج ينفع أيضا فى إراحة أصحاب الأعمال حتى لا يجدون عمالهم جميعا مشغولين بدراسات تستنفد الكثير من وقتهم وانتباههم دفعة واحدة ، وحبذا لو تدرجنا ايضا فى ساعات العمل ، فقل من يستطيع من هؤلاء العمال ان يقوى على صرف ساعتين فى الدراسة بعد العمل اليومى أو فى أثنائه ، ولعل ساعة واحدة أجدى وأفعل .

وأخيرا أكرر هنا ما سبق أن ذكرته فى عدة مناسبات كهذه أن الاعتماد فى مثل هذه المشروعات يجب ألا يكون على الحكومة وحدها وإما يجب أن تتحمل جميع الهيئات العلمية والصناعية والمالية والنقابات والاتحادات وغيرها قسطا وافرا من العبء وأن تشترك اشتراكا فعليا وتساهم مساهمة قلبية فى هذا العمل الجليل فعندئذ فقط يحق لنا أن نتطلع إلى نشاط عظيم ونورة فكرية منتجة وحركة تعاونية مثمرة وتعاضد وتساند يكون له أكبر الأثر فى نجاح المشروع .

وبعد فلم يبق من مقال الأستاذ أبو حديد ما يتطلب المناقشة إلا إصراره على أن " المدرسة العامة لأطفال الشعب إذا اصلحت وعممت ستكون هى المركز الذى يشع منه الإصلاح " وهو أمر يحتاج إلى تفصيل بضع الأمور فى نصابها ولعلنا نوفق إلى ذلك فى مقال آخر .

اشترك في نشرتنا البريدية