لا عجب أن نرى مشكلة التعليم من بين المشاكل الكبرى التى تشغل الرأى العام، لا فى بلادنا فحسب، بل فى جميع بلاد العالم، والحرب القائمة عمادها الأول مبادئ العلم ومكتشفات العقول، وهى حرب ميكانيكية قبل كل شيء.
ولقد انتهى الأمر ببلادنا إلى الفطنة لوجوب مكافحة الأمية الأبجدية، وهذا خير نحمد الله من أجله، ولكننا نطمع إلى ما هو أبعد من ذلك. فنود لو كافحنا الأمية العقلية، وما نظن مفكرا يزعم أنك قد أصلحت نفسا أو هذبت خلقا أو سددت إدراكا إذا لقنت الفرد مبادئ القراءة والكتابة، فتلك وسائل لا خير فيها إذا عربت عن غايتها، وغايتها بلا ريب هى محو الأمية العقلية، ومن هنا كانت راحة النفس عندما رأينا الحكومة تقيم مكافحتها للأمية على أساسين: تعليم الأبجدية وما يلحق بها، ثم نشر الثقافة الشعبية بإلقاء الدروس المبسطة فى مبادئ العمران والحياة المدنية.
وليس من شك فى أن مكافحة الأمية العقلية التى هى هدفنا القومى لن نستطيعها إلا إذا أعددنا لمكافحتها طوائف من المثقفين
ثقافة جامعية صحيحة، ولقد اتفق لكاتب هذه السطور أن لاحظ على تلك الثقافة الجامعية اتجاها نحو الشكلية قد لا يكون منه مفر فى بلاد أخذت تفتح أعينها على العلوم الغربية، فتود لو تلتهمها متعجلة، ثم تنثرها عن يمين وشمال فجة قبل أن تتمثلها تمثل الهضم، وتلك آفة من الآفات الكبيرة التى لابد من محاربتها أعنف الحرب، لأنها خليقة بأن تنشر فى نفوس الشباب غرورا كثيفا يحجبها عن الحقائق العميقة. وأخطر ما تكون تلك الآفة فى العلوم المعنوية، ونعنى بها العلوم التى تتناول الإنسان وظواهره البشرية كفرد وكعضو فى هيئة اجتماعية. وسر الخطورة فى هذا المجال يأتينا أيضاً عن الغرب، وإن يكن الغرب نفسه قد أخذ يتخلص من تلك الآفة التى مكنت لها اتجاهات العلوم المادية فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين.
ذلك أن العلوم المادية فى تلك الفترة كانت قد خطت خطوات كبيرة نحو اكتشاف كثير من القوانين العامة التى تسيطر على المادة فتمكن الإنسان من استخدامها حتى شاع فى كل العقول أن العلم إن لم يكن اكتشاف قوانين فهو ليس بشيء؛ ونظر الباحثون فى الإنسان فإذا بهم لا يكادون يتبينون لظواهره قوانين، فتطلع طموحهم الساذج إلى أن يصلوا فى معارفهم إلى ما وصل إليه علماء المادة، فقالوا إن الإنسان ما هو إلا ظاهرة من الظواهر العامة، وهو لابد خاضع فى حياته الفردية وفى حياته الاجتماعية إلى قوانين لا مفر من سلطانها، ومن هنا اتجهت الأبحاث النفسية والاجتماعية تلك الوجهة الشكلية التى نكتب اليوم عن وجوب مكافحتها إذا أردنا أن نقيم مجد هذا الوطن على إرادة أبنائه، إرادة يجب أن ينتهى كل تعليم صحيح إلى تأييد حريتها التامة وقدرتها على كل شيء
ومكافحة الشكلية ليست بالأمر الهين، فقد اتفق لى أن لاحظت التجربة فى نفسى حيث لم أستطع أن أفطن إلى ما أدعو إليه اليوم إلا بعد سنين من إقامتى بأوربا. ولعلى أفدت تلك
التجربة من كلمات قاسية سمعتها من شيخ فرنسى أضعاف ما أفدت من أساتذتى ومطالعاتي. وليسمح لى القارئ بأن أقص تلك الذكرى الشخصية، فقد يفيد منها مثلما أفدت.
فى أول عهد بباريس كنت أتناول الغداء على مائدة سيدة عجوز مع نفر من الشبان والشيوخ الفرنسيين وبعض الأجانب. وكان من بين الفرنسيين رجل جاوز الخمسين يعمل وكيلا للمحافظة؛ وأكبر ظنى إنه ينحدر من أسرة كبيرة من الأسر المحافظة؛ وكان رجلا جافا فى جسمه وروحه، أنيقا فى لفظه وملبسه. ولقد علمت إنه قد ابتلى الحياة وابتلته بهمومها الثقال فتحملها فى بطولة، ولقد خرج من نشأته وملابسات حياته بفلسفة قوية تقوم على مبادئ الخلق الصارمة، كما تقوم على الاعتداد بكرامة الإنسان وقدرته على توجيه الحياة وإخضاعها لإرادته. مع هذا الرجل تعلق حديثى أحد الأيام، ورأيته يبسط مبادئ فلسفته التى ذكرتها فى حرارة المؤمن فدهشت، وأخبرته بأن مبادئ الأخلاق التى يتحدث عنها إن هى إلا ظواهر اجتماعية تملى على الأفراد دون أن يكون لهم دخل فى بنائها، أو فضل فى الإيمان بها، كما أخبرته أن إرادة الإنسان الحرة التى يعتز بها، ليست إلا وهما لأن الفرد لا يملك لنفسه شيئا، وإنما هو مسير بغرائز وقوى دفينة، وما إن سمع منى الرجل هذا الهراء، حتى انتفض كالأسد، واستند بمرفقه الأيسر على المائدة ليلتفت إلى محدقا فى غضب، غضب الاستعلاء، وسألنى من أى بلد أتيت يا بني؟ قلت من مصر. قال وماذا يصنع أبوك بمصر؟ قلت يزرع الأرض. قال إنى أوصيك مخلصا أن تعود إلى بلدك لتحرث الأرض مع أبيك، هذا أجدى عليك وعلى وطنك مما تتعلمه أو تظن أنك تتعلمه هنا من هراء، فتماسكت موهوما وقلت، ولكن هذه يا سيدى هى الآراء التى سمعتها من أساتذة السربون فى علم الاجتماع وعلم النفس؛ فأجابني: ومن أنبأك أن هؤلاء الأساتذة يفهمون شيئا عن حقائق الإنسان؟ أتظن أن حقائقنا البشرية من اليسر بحيث تصاغ نظريات أو يكشف عنها التفكير
المجرد؟ ثم من قال إن التفكير الفرنسى يمثله ذلك النفر من اليهود الذين يزعمون أنهم قد اكتشفوا قوانين الإنسان، عندما زعم كبيرهم دركايم ومن خلفه ليفى بريل وموسى وفوكونيه، ومن تبعهم أن الإنسان حكمه حكم المادة، وأن هناك ما يسميه هؤلاء الحمقى وعيا اجتماعيا تتمخض عنه الحياة العامة كما يتمخض الناتج الكيماوى عن مزيج من العناصر، أحذر يا بنى أن تؤمن بما يقولون فليس صحيحا أن الرجل المهذب لا يستطيع أن يصل إلى قيادة شخصية يهتدى بها إلى مواضع الخير والشر والبطولة والخسة بنفسه، كما تهتدى الطيور إلى أوكارها. وليس صحيحا أن قواعد الأخلاق ليست إلا ظواهر اجتماعية لا نستطيع فى علاجها شيئا، وكل ما يجب عمله هو أن نرصدها، كما يفعلون لنستخرج منها قوانين عامة. هذا يا بنى وهم، بل خداع مبطلين، ثم اذكر أننا فى مجال المعرفة بالإنسان، ليس لنا إلا هدف واحد هو أن تصبح خيرا مما نحن. فبالله، هب أن هذا الهراء حق، فأى فائدة ستجنى منه الإنسانية؟ أنا أفهم أن نكشف عن قوانين المادة، لنسيطر عليها ونسخرها فى مرافق حياتنا، ولكن الإنسان ما شأنه بالقوانين؟ ومن قال إن الإنسان مادة فحسب، وهب أنه كان مادة، وأن الروح لم يكن لها وجود، وأنها تفنى بفناء المادة كما تنعدم النغمات بتحطم الناي، أليس من الخير، بل من الواجب على الإنسانية أن ترفض علما كهذا لن ينتهى إلا بتحطيم حياتنا وشل إرادتنا وتقويض دعائم الهيئة الاجتماعية التى نحيا بينها؟
هذا هو الدرس القاسي، الدرس الصارم النافع الذى تلقيته عن الشيخ فى مستهل حياتي، رويته اليوم راجيا أن تتدبره شبيبتنا الناهضة. ولقد تذكرته إذ قرأت فى إحدى صحف المساء مقالا لشاب أكبر الظن إنه حديث التخرج من قسم الفلسفة بالجامعة، ولقد رأيت شابنا المسكين يتحدث عن (مكافحة الأميين فى ضوء علم الاجتماع) فيزعم أن هذه المكافحة ستجرى ضد قوانين علم الاجتماع المزعومة، وأنها لذلك لن تنجح لأن عقلية الفلاح ليست عقلية حضارة وعلم، وإنما تصبح كذلك بعد أن تنتشر الصناعة فى مصر، وذلك لما رواه عن دركايم وتلاميذه من أن لكل شعب عقلية تتكيف بتاريخه ونوع نشاطه
الاقتصادى وما إلى ذلك مما ينتهى بخلق ما سماه طالبنا نقلا عن هؤلاء العلماء (بالعقل الجمعي) ، وهذا هو موضع الداء، فطلابنا يرددون اصطلاحات علمية لا يحسنون فهم مدلولاتها فهم الناقد المستنير، وتبلغ بهم القحة أن يكتبوا للصحف فيما لا يفهمون غير واعين بما قد يكون فى هرائهم من تثبيط لهمم أفراد الشعب الذين لم يصيبوا من العلم الزائف مثلما أصابوا. وهأنا ألقى عليه درسا مثل الذى سمعت فى أول حياتي:
لا يا بنى ليس هناك عقل جماعى كما زعمت أو زعم لك دركايم، وإنما هناك عقل فردي، هناك إرادة حرة، إرادة يجب أن تستيقظ فى قلوب أمثالك فتهدم الصخر. لا يا بنى ليس هناك جبر تمليه قوانين مزعومة، وإنما هناك نشاط حر، نشاط لا يعرف اليأس. وكم أحزننى من شاب مثلك أن يقول بقيام قوانين تقف دون إرادة هذه الأمة، التى أنت أحد أفرادها، فتردها عن أهدافها القومية. أقلع عن اليأس وبشر بالأمل، وإذا سمعت من حولك من يرمى هذه الأمة بالسوء فرد قوله، وآمن بأنه مهما بلغ بنا الفساد فنحن لابد مقوموه، وأن حافزنا الأول إلى هذا التقويم سيكون العلم الصحيح الذى يؤمن بأن النشاط الإنسانى حر، وأن إرادتنا لابد آتية على كافة الصعاب كما أتى مصطفى كمال على صعاب تركيا وستالين على صعاب روسيا، دون أن يقف أمامهما عقل جمعى أو قوانين اجتماعية.

