الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 197الرجوع إلى "الثقافة"

مكانة الأدب العربى، بين آداب الأمم

Share

المقصد من هذا المقال إلقاء نظرات عامة شاملة علي الأدب العربي ، لنعرف حدوده وعمله ومكانته بين الآداب ووجهته ؛ فهو مقال يبغي الإحاطة لا التدقيق ، والإجمال لا التفصيل

والنظر العام هو الذي يبين سير المعارف الإنسانية واتجاهها ، وهو الذي يهديها ويقومها . ربما يعني الباحثون في علم بأقسام منه يتقسمونها فيما بينهم ، فلا بد لاعمالهم من باحث يصل بينها ويؤرخ سيرها ، ثم يأتي مؤرخ الحضارة فيصف سير المعارف البشرية على اختلاف فنونها ، ويأتي الفيلسوف فينظر إلي نتائج العلوم المختلفة وانتفاع الإنسان بها ، واستفادة الفكر البشري منها ،

فينظر نظرة عامة في وجهة البشر واتجاه معارفه ، وهلم جرا ، وربما تكون النظرة العامة أجدي علي الإنسان وأكثر إدراكا لخطئه وصوابه من نارات متعددة اطول منها وأدق وأعمق

وهذه النظرات العامة إذا لزمت في العلوم ذات القواعد ، فهي في الآداب ألزم ، لأن الآداب ترجع إلي العاطفة والذوق ، وهما يختلفان بين أمة وامة ، وجماعة وجماعة ، وفرد وفرد . ويجعلها في الآداب الزم كذلك أن الآداب إنسانية مصدرها الانسان وهو منهلها ، فهو اكثر تسلطا عليها منه على العلوم الطبيعية - مثلا التي تسير قوانينها في الإنسان والجماد سواء ، والتي لا يستطيع الإنسان فيها خلقا ولا تحويلا ، ولكنه يجد للاستفادة من قوانينها ونتائجها

وقد قيل في الأدب العربي إنه خلا من النقد العام الذي يجد له الغاية ويخط له الطريق ، ويشغل أهله بالنقدات الجزئية

الضيقة التي ترجع إلي لفظ أو جملة أو بيت أو قصيدة

من أجل هذا اثرت أن أجعل موضوع هذا المقال " مكانة الأدب العربي بين آداب الأمم " أريد بهذا أن ألقى نظرات شاملة علي ادبنا أو الجوانب التي تستبين لنا منه ، وادعو ادباء العربية إلي مثل هذا لنتبين مكان ادبنا بين اداب البشر ، ونصيبه في تثقيف الإنسان ، وقيمته بين الآداب المختلفة

وقد جعلت البحث قسمين : الأول قياس ادبنا في زمانه ومكانه بالاداب الاخري وتعرف الصلات بينه وبينها والثاني تعرف موضوعات ادبنا وطرائقه في معالجة الموضوعات ، وتبين مزاياه وعيوبة بالقياس إلي الآداب الأخرى ثم تعرف وجهته في العصر الحاضر ، وكيف يجب ان يوجه

-١-

الأدب العربي أوسع ما نعرف من الآداب مكانا . وأطولها زمانا ؛ فأما السكان فهو الجزيرة العربية والعراق والشام ، ومصر والسودان ، وبلاد الغرب كلها ، وما يتم من الصحراء والسودان الغربي ، والإندلس ، ولا ننسى بلاد الفرس والترك ) إيران وتركستان ( ، فقد كانت موطنا للأدب العربي ينشئه العرب والمستعربون فيها حقبا طويلة : ولا يخالف التاريخ أن نعد بعض ارجاء أفغانستان والهند من مواطن الأدب العربي كذلك والهند اليوم موطن علماء وأدباء يكتبون بالعربية ، ويجهدون في نشر معارفها

فما بين زمخشر ، إحدي قري خوارزم ، بلد الزمخشري صاحب الاساس والمفصل ، والمستقصى ، وديوان الأدب ، والمقامات إلي بست ، بلد أبي الفتح الشاعر ، إلي شنتمر وبطليوس بلد الأعلم الشنتمري وابن السيد البطليموسي ، إلي شنقيط غربي الصحراء الكبرى الأفريقية ، إلي زيلع في السودان الشرقي - كل هذا موطن للأدب العربي في كل قصوره او بعضها .

وأما الزمان فما بين امرئ القيس إلي يومنا هذا خمسة عشر قرنا أو تزيد ، انشئ فيها الادب العربي بلغة واحدة ونحو واحد ، حتى ليقرا شعر امرئ القيس لناشئة المدارس اليوم مع شعر المعاصرين من الشعراء . ولا يعرف في آداب الأمم ادبا اتسعت مواطنه هذا الاتساع ، أو امتد زمانه هذا الامتداد . ونحن حين نبتدئ بامرئ القيس لا نعني نشأة الأدب العربي ، ولكن مبلغ علمنا بتاريخه

الآداب الأوربية الحديثة كلها تؤرخ بالعصر الذي يسمونه عصر النهوض . ولا يزيد اطولها عمرا علي خمسة قرون ؛ وقد اختلفت اللغة والقواعد اختلافا مما اثناه هذه القرون القليلة .

والأدب الفارسي فنا في حضانة الأدب العربي منذ عشرة قرون ؛ والأداب التركية الغربية ، أي العثمانية تستطيع أن تؤرخ نشأتها بالقرن الثامن الهجري ؛ والأداب التركية الشرقية ، آداب لغة جغناي وما يتصل بها ، يمكن ان تورخ بالقرن التاسع ، عصر الرجل العظيم ، والشاعر النابغة مير علي شيرنوأني ؛ علي أن هذا الرجل الذي فتح الطريق لم يخلفه شاعر أو كاتب يعبد الطريق التى خطها لأبناء لغته

والأديب الأردي ، أو الهندستاني وهو اوسع الآداب الهندية انتشارا اليوم أحدث عهدا من الآداب التركية ، وعصر ازدهاره لا يزيد على قرن ونصف

وعلى قدر اتساع زمان ادبنا ومكانه يعسر جمعه ونشره ونقده ، فما يزال كثير من نفائسنا الأدبية مجهولا ، وكثير مما عرف لم ينشر ، وكثير عما نشر لم يرتب ولم ينقد . فما بين أيدينا من آثار ادبائنا ضئيل بالقياس إلي ما حدثنا عنه الرواة ولم تظفر به ؟ وهذا أبو العلاء المعري عاش في سرة البلاد العربية وفي عنفوان التاريخ العربى ، ونال من النباهة حظا موفورا ، ولا تزال اكثر آثاره مجهولة ،

وهذه مصر لم تنشر ، على كثرة ما نشرت ، جزءا من عشرين من الآثار الأدبية المصرية بل الآداب العربية كلها .

أري أن علمنا بأدبنا وتاريخه قليل ، وأن أمامنا سنين من الدرس والجهد قبل أن نبلغ ما نريد من العلم بأدبنا وتاريخة

-2- اتصال الادب العربي بالاداب الأخرى

قوة الحياة في الأحياء تعرف بمقدار ما تؤثر فيما حولها وتتأثر به ، وبمقدار دفعها عن نفسها وتسلطها على غيرها

وكمال الإنسان يبين في اتصاله من حوله وإفادته واستفادته واخذه وإعطائه وكذلكم الأداب تقاس حياتها وقوتها وكمالها بمقدار ما تأخذ من غيرها وتعطي غيرها ، ثم بمقدار نقدها وتميزها بين ما يؤخذ وما يرد ، وما يستحسن وما يستقبح ، وبمقدار دفعها عن خصائصها وتأثيرها في غيرها

وقد كان للأدب العربي من القوة والمكانة ما حفظ خصائصه على الدهور ، ومكنه من الاستفادة من الآداب الأخرى والتأثير فيها آثارا مختلفة . ولكن ينبغى أن يقال إن سنن الأدب العربي استحكمت ورسخت منذ العصر الجاهلى ، وان هذا الأدب ، كأهله ، اعتز بنفسه واعتد وزهي ، فكان من قوة السنن ومن الإعجاب ما صده ان يأخذ من آداب الأمم وان يغير من سيرته كثيرا . وهذا يصدق على الشعر أكثر من النثر ، لان طرائق الشعر الجاهلى كانت أبين وأرسخ ، ولأن الاعتداد به كان أشد

إذا نظرنا إلي تاريخ الأدب العربي في صلاته بالأمم الآخرى خلصنا بهذه النتائج المجملة ، في صلاته بالآداب الآتية :

أداب المئات السامية ، والآداب الشرقية القديمة والأداب الإسلامية ، والآداب الأوربية القديمة والحديثة .

1- فأما آداب اللغات السامية فقد اخذت عن الأدب العربي كثيرا في قواعدها وأساليبها ، فوضع النحو السرياني علي نسق النحو العربي ، واجتهدت اللغات السامية التي عاشت أيام العصور الإسلامية في مسايرة الأدب العربي

على قدر طاقتها ، وحسبي أن أنقل هنا كلمة للدكتور إسرائيل ولنسون الذي كان زميلا لنا في الجامعة المصرية : " علي أن الأدب الإسرائيلي في القرون الوسطى قد انتعش إنتعاشا عظيما ، ونهض نهضة قوية ، واتجه اتجاها جديدا في ظل الحكم الإسلامي بالإندلس ومصر والعراق . فقد أخذ اليهود في تلك العهود يقلدون العرب في الشعر ، فاقتبسوا البحور العربية وصاغوها في قالب عبري ووزن عبري ، ثم انطلقوا ينشدون المقاطيع والقصائد حتي أثرت العبرية بهذا النوع من الشعر الجديد ، ونبغ فيه كثير من اليهود ،

ومن أشهر هؤلاء الشعراء يهودا عالومى ، وابن جبيرول ، وموسي بن عزرا ، وهم من يهود الاندلس .

وكذلك ظهرت أساليب جديدة في النثر العبري الفلسفي والتشريعى ، إذ كان قد تأثر بالإساليب العربية ، واقتبس اليهود فيه كثيرا من الاصطلاحات والألفاظ العربية .

وقد عرف اليهود للحضارة العربية فضلها عليهم ، بعد أن انحطت في المشرق والمغرب ، فصانوا كثيرا من المصنفات الفلسفية من الهلاك والضياع ، وترجموا منها ما استطاعوا إلي اللغات الإفرنجية ، وحافظوا علي عدد كثير من الكتب العربية المكتوبة بحروف عبرية "

وقد أطلعت على ديوان لبعض شعراء السريان له مقدمة عربية بين كاتبها كيف حاكي الشاعر الأساليب العربية ، وجاري الحريرمي في كثير من صناعاته اللفظية ، واثبت أن السريانية قادرة علي مجاراة العربية في كثير من فنونها الأدبية

كان بين العرب والهند صلات تجارية قبل الإسلام ، وكانت تجارة الهند أيام السبثين والخميرين تنقل من سواحل الجزيرة الجنوبية إلي البحر الأبيض من الطريق البرية التي تفترق اليمن والحجاز وتمر بمكة . ثم عدل عنها إلي الطريق البحرية في البحر الأحمر قبيل الميلاد ، وكان لهذا اثر في إضمحلال الدولة السبثية ، ولكن بقيت صلات بين الهند

والجريرة إلي العصر الإسلامي حتى كانت الأبلة في صدر الإسلام تسمي نفر الهند .

وفتح المسلمون السند سنة ٩١ فزاد الاتصال بين الهند والبلاد العربية ، واستوطن كثير من السند البصرة على سر الزمان ، حتى قال الجاحظ : لا نجد في البصرة صيرفيا إلا وصاحب كيسه سندي . وقد نشأت البلاد العربية علماء من أصل سندي منهم أبو عطاء السندي الشاعر الذي عاش في العصرين الأموي والعباسي ، وابن الأعرابي الإمام اللغوي الكبير . وكذلك انتشر الإسلام في السند وسرت المعارف العربية الإسلامية إليها ، وببي المسلمون في الهند مدنا عده

واستمرت السند إسلامية حتى فتحت الهند منذ القرن الرابع علي يد السلطان محمود الغزنوي ، والدول الإسلامية التي نشأت في الهند أو وفدت عليها من الغرب .

ولما استبحرت المعارف الإسلامية أيام العباسيين اطلع علماء المسلمين على معارف الهند ، وترجمت بعض كتبهم في الطب والفلك والرياضة ، وعرف كثير من عقائدهم ودخلت في مجال الجدل بين علماء المسلمين وتسرب رأيهم في التناسخ وغيره إلي بعض الفرق الناجحة في العالم الإسلامي .

وذكر علماء العرب الهند في عداد الأمم ذات الحضارة والصناعة والفلسفة - ثم زادت معرفة العرب بالهند وعلومها من بعد على الشاكلة التي نجدها في كتاب المسعودي وأبي الريحان البيروني الذي تعلم اللغة الهندية ودرس عقائدها وعلومها درس الخبير .

ولا ريب أن هذا كان له أثر ما في المعارف الإسلامية ، وبين ما بين معارف امة وبين ادبها من صلة ، ولكن الذي يعنينا هنا هو أثر الهند في الأدب العربي بمعناه الخاص أعني الشعر والنثر

وقد وجدنا في كتب العرب ذكر البلاغة الهندية :

روي الجاحظ في البيان والتبيين عن أبي الأشعث معمر قال : قلت لبهلة الهندي ايام اجتلب يحيي بن خالد اطباء

الهند : ما البلاغة عند أهل الهند ؟ قال بهلة : عندنا فى ذلك صحيفة مكتوبة لا أحسن ترجمتها لك ، ولم أعالج هذه الصناعة ، فأتق من نفسي بالقيام بخصائصها ، وتلخيص لطائف معانيها . قال أبو الأشعث : فلقيت بهذه الصحيفة التراجمة فإذا فيها : أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش الخ .

وقاس التنوخي في نشوار المحاضرة بلاغة الهند ببلاغة العرب وقال : إن بلاغة الهند مسهبة وبلاغة العرب موجزة وضرب مثلا لهذا

والحق أن هذه النتف وأمثالها لا تدل على اطلاع العرب على الأدب الهندي اطلاعا يؤثر في الآداب العربية ، ولكن الأثر الذي لا مرية فيه هو أثر كتب القصص والأسمار الهندية في النثر العربي ، ولا سيما القصص وما إليها . وحسبنا كتاب كليلة ودمنة ، وهو هندي الأصل نقل إلينا عن الفهلوية . وقد عد صاحب الفهرست محمد بن إسحاق النديم كتبا كثيرة مما ترجم عن الهند في موضوعات شتي ، منها كتب في الأسمار والخرافات ، وكتب في الأدب مثل كتاب شاناق الهندي ، وكتاب أدب الهند والصين ، وكتاب الجواد والبخيل والاحتجاج بينهم وقضاء ملك الهند في ذلك ؛ وهذه التي قال فيها الجاحظ في البيان والتبيين : إن للهند معاني مدونة ، وكتبا مجلدة لا تضاف إلي رجل معروف ، ولا إلي عالم موصوف ، فهي كتب متوارثة واداب على وجه الدهر سائرة مذكورة

كان لهذه الكتب وأمثالها أثر في كتب الأدب والسياسة والأساطير التي زخرت بها اللغة العربية

وأما أثر الأدب العربي في الآداب الهندية ، فلا أجد أدلة عليه إلا ما نراه في آداب الهند الإسلامية واعظمها الآداب الأرديه ، وسنذكرها حين الكلام على الآداب الإسلامية .

( للكلام صلة )

اشترك في نشرتنا البريدية