الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 202 الرجوع إلى "الثقافة"

مكانة الأدب العربى، بين آداب الأمم، الأدب المعاصر

Share

هذا نظرنا في الأدب العربي القديم - أعي ما قبل العصر الحاضر وتقديرنا إياه فما ادبنا في العصر الحاضر وما مصادره ، وما وجهته ، وكيف ينبغي ان يوجه

صور الأدب العربي كلها مستمرة في عصرنا هذا : أساليبه الحرة وأساليبة المصنعة ، وموضوعاته الجليلة ، ومقاصده الحقيرة . فمن عرف اداب البلاد العربية من المحيط الأطلسي إلي هضبة إيران ، وجد من لا يزال يحاكي الأدب العربي الركيك المصنع المفيد الضيق ، ومن يحاكى الأدب العربي في أسمي عصوره ، ولكن الاتجاه العام إلي تحرير البيان وتعميمة

ونحن نريد ان نتعرف خصائص السيرة الأدبية الحديثة التي أدى إليها التحرر من القيود ، والسمو إلي المثل العليا لا الصور التي أورثها التقليد والعجز . التقدم الأدنى أو النهضة الأدبية ، أو الأدب الحديث ، على اختلاف الأسماء ، له مصدران : الأول استمداد الأدب العربي العالي الذي انتجه العرب في جاهليتهم وفي عصور مجدهم بعد الإسلام ، والخروج على الحدود والقيود التي ضيقت الادب وقيدنه في عصور الضعف والجمود والتصنع

وكان رائد هذه السيرة ، شعراء وكتابا حاولوا ان رجعوا بالأدب إلي عهوده الزاهرة ، فحاكوا القدماء فكانوا مقلدين ، ولكن يقلدون الأحرار المجيدين . ثم خلفهم شعراء وكتاب مجتهدون مخترعون ، واستقام الناس على الطريق

والمصدر الثاني للأدب العربي العصري الأدب

الأوربي ؛ فقد اطلع العرب على ثقافة أوربا منذ أوائل القرن الماضي واستفادوا منها ، بجلب المعلمين إلي البلاد العربية ، أو لارسال الطلاب إلي أوربا ، أو بالترجمة ؛ ويضيق المقام عن تاريخ اتصالنا بالغرب وتأثيره في معارفنا عامة وادابنا خاصة

نشأ في مفتتح هذا العصر الأدبى جماعة أجادوا الشعر وأحسنوا الإنشاء ، على اسلوب ادباء العرب القدماء ، مثل الساعاتي والبارودي من الشعراء ، والافغاني ومحمد عبده من الكتاب ، فمهدوا الطريق لنابغي الشعراء والكتاب في مصر والعراق والشام .

ونشأت جماعة نقلت إلي أدبنا طرائق الأدب الغرب وموضوعاته ، ولا سيما القصص ؛ وكان طلائع هؤلاء في الشام ، ثم اقتدي بهم ادباء مصر والعراق ، فترجم كثير من القصص الغربية ، وأنشئت قصص اخري ؛ وعالج الشعر كثيرا من الموضوعات الاجتماعية علي نسق الشعر الأوربي ، وتسربت إليه اخيلة ومعان اوربية . ومن يطلع على مجلاتنا فيتأمل في عناوين القصائد ير فيها كثيرا مما لم يألفه تاريخ أدبنا .

ومن المطلعين على آداب اوربا جماعة لم يؤتوا نصيبا من الأدب العربي ، أو لم يحكموا فهمه ولا عرفوا تاريخه ، فحاولوا ان يقلدوا شعراء اوربا وكتابها بغير زاد من لغتنا وأدبنا ، فكانت ثمراتهم ترجمة لفظية مذبذية بين العجمة والعروبة ، ونقلوا المعاني الأوربية مريضة او ميتة ، في ألفاظ لا تبين إلا عن مرض المعاني أو موتها . ولا يتسع المقام للبيان ، فآكل القراء إلي علمهم بهذا

ثم الأدب مضطرب في هذا العصر مدبذب لم تتضح له الوجهة ، ولا استقامت له الطريق ، فكيف ينبغي أن يوجه ؟

لنا دعوة إلي أدباء هذا العصر ، نعم بها كل المتأدبين ، ثم نقص بها أئمة الأدب الذين يقتدي مهم الجبل ويسير حيث يسيرون ، والذين هم أهل لاحتمال اعباء الإمامة وهداية السبيل ، وجديرون بوضع قواعد للادب وخلق

سنن له . وإني اجمل هذه الدعوة في الأمور الآتية :

١ - أن يترودوا ما استطاعوا من المعارف عامة ، والآداب خاصة ، فيجيدوا درس الأدب العربي وتاريخة ، ويطلعوا ، الطاقة ، على آداب الأمم الآخرى الشرقية والغربية ؛ فليعرفوا طرقا مما ابدع الأوربيون في أدابهم ، ولا ينسوا ان يتوجهوا شطر المشرق ايضا ولله المشرق والمغرب - ليعرفوا الصفحات المتلالئة في آداب الفرس والهند والترك وأمم الشرق الآخرى . ولست في مقام التفضيل ، ولكن لا اجد مندوحة من الإشادة بالادب النفسي الفلسفي الذي يسعي الأدب الصوفي ، والذي برز فيه الفرس وبلغوا فيه الأحج ، واقتني أثرهم بعض الترك والهند وقد مزجه بالثقافة العصرية والفلسفة والتاريخ العربي والإسلامي الشاعر العظيم المرحوم محمد إقبال . فأوصي أدباء العرب أن يقبسوا من هذا الأدب أيضا .

٢ - والأمر الثاني الذي أدعو إليه أدباء العربية أن يكونوا في اطلاعهم على الآداب الأجنبية واقتباسهم منها مجتهدين لا مقلدين ، بصيرين مما يؤخذ وما يترك ، معتدين برائيهم ونقدهم ، يقولون هذا جيد وهذا رديء ، وهذا يصلح لنا وهذا لا يصلح ولا يكونوا من حال بهم سبل الفتنة فلم ينفعوا اممهم ولا نفعوا احدا من البشر . وكفي ما افسد التقليد من أمورنا .

٣ - والثالث أن يخرجوا لقراء العربية من هذه الثقافة الواسعة أدبا عربيا ، فائضا من شعورهم ، نابعا من سرائرهم ، كانما أوحيت إليهم مادته وصورته وحيا ليس لأحد فيه مشاركة ولا إرشاد ، كالشهد يسلك له النحل كل سبيل ، و يرشف كل زهرة ، ثم يعمل فيه لسانه ويده وجناحه ، فإذا هو " شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس

٤ - والدعوة الرابعة أن يجعل الأدباء مسرح عيونهم ، ومسبح خيالهم ، ومصدر شعرهم سماءنا وأرضنا وبيئتنا وتاريخنا ، والامنا وأمالنا . ولم في هذه المسارح من مواقف للشاعر والتأثر ومقامات للضاحك والبا كى ،

والجدل والشاكي . كم في القاضي والحاضر من مسرح للعقل والقلب ، وكم في المستقبل من مطمح للفكر والوجدان

٥ - والخامس أن يقدر أدباؤنا الواجب الذي احتمله ، ويعرفوا العبء الذي وضعه على كواهلهم الزمان ، ليعلموا أن هذا الجيل قد خلق في معترك الخطوب ، وملتقي الأبحر من حوادث الدهر وان عليهم ان يضعوا قواعد أمة ، ويخطوا تاريخ أجيال ، وينشئوا مجد عصور ، وان عليهم ان يخلقوا المثل العليا ، ويبينوا الغايات القصوي ، وينيروا بأشعتهم المراقى إلي هذه المثل ، والسبل إلي هذه الغايات ، ثم يجعلوا أناشيدهم حداء . هذه القافلة ؛ فكلما ابهمت الغاية ابانوها ، وكما اظلمت السبيل اثاروها ، وكلما نائت بالقافلة الأعباء ، أو بعدت عليها الشقة ، أو نال منها النصب ، أوحوا إليها من الامل والطموح ، والدأب والصبر ما يكفل ان تشق اصعب المسالك إلي أقصي الغايات

ذلكم يا أدباء العرب نصيبكم من أمانة التاريخ ، وجهاد الحاضر ، وأمل المستقبل ؛ فجنبونا كل معني رخو مترف كسول ، وكل فكرة ماجنة دنيئة ؛ جنبونا هذه النفثات التي تهبط بالشباب الطامحين من ثم الطموح والجهاد إلي حضيض الدعة واللهو والاستكانة . وانفخوا في أدبكم ضوء النار وحرها ليسمو بالنفوس الخامدة ، ويطير بالقلوب الهاجدة إلي سماء الفضيلة ومطامح المجد العليا .

لا تقولوا : " الفن للفن " ولا تسووا بين النحلة طائره جاهدة لتعسل ، وبين الجمل يقلب بين القاذورات دحروجته وإن كان كلاهما عاملا لفنه . إن جاز ان يكون الفني للفن في غير نظر إلي الأخلاق والمجد ، في عصر أو في آية ، فما يلائم هنا امتنا هذه ، في عصرها هذا ، في أحوالها هذه فإما أن تحسنوا قيادتها في معتركها إلي آمالها ، أو تخلوا الزمام فلستم له أهلا

اشترك في نشرتنا البريدية