ح - الفارسية القديمة :
١ - ترجمت من الفهلوية ، وهي الفارسية التي كانت شائعة حين ظهور الإسلام ، إلي العربية كتب فى التاريخ والسياسة والأخلاق والحكم ، فكانت مادة لكتاب العربية وشعرائها .
وكذلك عرفت سير الفرس وخرافاتهم حتى الفت فيها كتب بالعربية ، مثل كتاب التعالى : غرر أخبار ملوك الفرس وسيرهم . واقتبس أدباء العرب منها واشاروا إليها كما قال أبو تمام مشيراً إلي أسطورة الضحاك وأفريدون :
ما نال ما قد نال فرعون ولا
هامان في الدنيا ولا قارون
بل كان كالضحاك في سطوانه
بالعالمين وأنت أفريدون
وكما قال أبو نواس مشيراً إلي اسطورة الضحاك ، التى تتضمن انه احد ملوك المين غزا إيران وملكها ، وإلي قصة أسر قابوس ( كيكاوس ) في بلاد حمير ( هاماوران ) :
وكان منا الضحاك يعبده ، الخا
بل والجن في مساربها
وقاظ قابوس في سلاسلنا
سنين سبعاً وقت لحاسبها
وكما قال بديع الزمان مشيراً إلي اسطورة طهموزت أحد الملوك البيشداديين حين ركب الشيطان وسخره ، قال في مدح السلطان محمود الغزنومي :
اذا ماركب الفيل لحرب او لميدان
رات عيناك سلطاناً على كاهل شيطان
وقد صرح بهذا شاعر آخر في قوله :
يا ليت ملك أصبحت له المعالي خيسا
وراكبا من فيله مستطرفاً نفيسا
كانه طهموزت لما علا إبليسا
وكذلك كانت لرسائل الفرس وعهودهم أثر في الترسل العربي عرفه أدباؤنا من قبل
- وأما آداب الأمم الإسلامية فقد أخذت من معانى الأدب العربى وموضوعاته وألفاظه وأساليبه ،حتى شاركته في معظم الموضوعات ، وحتي صار العروض العربى وعلوم البلاغة العربية عروض هذه الآداب وبلاغتها .
وكان الأدب الفارسى واسطة بين الأدب العربى والأدب التركى والأدب الأردمى أو الهندستانى اللذين طبعا على غراره . فإذا اجملنا القول في الصلات بين الادبين العربي والفارسى الإسلامي ، فقد عرفنا بالصلات بين ادبنا والآداب التركية والأردية كذلك .
نشأ الأدب الفارسي الحديث في أواخر القرن الثالث الهجرى فى حضانة الأدب العربي محاكيا موضوعاته وصوره ، مكتوبا بخطه ، مملوءا بألفاظه
وأخذ الفرس أوزان الشعر وقوافيه ، ولم يكن لهم غيره مثالا يحتذونه ، فليس يعرف حتى اليوم شئ عن الشعر الفارسى قبل الإسلام . وتتفق روايات العرب والعجم ممن كتبوا عن الشعر الفارسى أنه محاكاة للشعر العربى . ويروون ان بهرام كور تعلم الشعر من العرب في الحيرة فلقم عليه الموايدة وما زالوا به حتى كف عنه . وحسب الباحث ان يطلع على كتاب في العروض الفارسى ، ككتاب المعجم في معايير اشعار العجم لشمس الدين قيس ، ليعلم صدق هذه الدعوى . على ان الفرس لهم تصرف في الأوزان العربية ، ولهم خصائص في فنون الشعر لا تنكر ولكنها ليست موضوع بياتنا .
وكذلك أخذ أدباء الفرس موضوعات النثر العربى وأساليبه ، ولكن لم ينبغوا في النثر نبوغهم في الشعر .
وأخذوا كذلك فن البلاغة العربية موضوعا وألفاظا فبحثوا في البيان والمعاني والبديع على السنن المعروفة في الكتب العربية . وحسبك أن تقرأ كتاب حدائق السحر لرشيد الدين الكاتب العمرى المعروف بالوطواط ، وكان كاتباً باللسانين العربى والفارسى
وعن الفرس اخذ الترك والهند كما اخذوا عن العربية مباشرة . ولا عجب فالأدب العربي كان يعد ، وينبغي أن يعد ، أدب المسلمين كافة
ولست أري حاجة بعد هذا الإجمال إلي ان اخص الأدب التركى أو الأردى بكلمة تبين كيف نشأا ، وتعرف مقدار ما أخذا عن الأدب العربي مباشرة أو بوساطة الفارسية
ه-اليونان :
سيطرة الفلسفة والعلوم اليونانية على الثقافة العربية منذ نقل المسلمون هذه الفلسفة ونقلت العلوم إلي العربية ، امر لا ريب فيه . ولا جدال أن شيوع الاساليب المنطقية كان ذا أثر بين في الكتب العلمية العربية ، وكان له من وراء هذا أثر في الأدب ؛ ولكننا لا نبحث هنا عن الأثر العام الذي يكون من اتصال آداب العرب بفلسفة الأمم الآخرى وعلومها ، بل بحثنا في الأدب بالمعنى الخاص وتأثره بموضوعات أدبية منقولة عن أمم اخري ، أو بأساليب فى النظم والنثر تحاكى أساليب آداب هذه الأمم .
ونحن نعلم ما أثر الأدب اليوناني في الأدب الروماني موضوعاته وأشكاله ، وكيف أثر هذان الأدبان في الآداب الأوربية منذ عصر النهضة الذي اطلع فيه أهل أوربا علي آداب اليونان والرومان ، ولكن العرب لامتدادهم بآدابهم ، واعترازهم بدينهم ، لم يحاولوا نقل اشعار اليونان وخطبهم إلي العربية ، ولو انهم اطلعوا عليها لوجدوا فيها من غرابة موضوعاتها ووثنيتها ما يصدهم عنها . والأمر في الآداب ليس كالأمر في العلوم ، الأولى نتاج العواطف والتاريخ والبيئة والدين ، والأخرى نتاج الطبيعة لا تختلف في أمة عن اخري ولا في عقل عن عقل إلا قليلا
عرف العرب أسماء بعض خطباء اليونان ، وعرفوا اسم هومير الشاعر ، ولكنهم لم يبالوا بأشعارهم وخطبهم .
وقد اطلع العرب على كتابي الشعر والخطابة لارسطو ولكنهم لم يخرجوهما من كتب الفلسفة إلي الأدب ليحاكم أفانين الخطابة اليونانية والشعر اليوناني .
لم يؤثر اليونان إذا في البيان العربي أثراً يذكر ، ولكنهم اثروا في علوم البيان . فعلوم البلاغة منذ القرن الثالث يظهر فيها اثر المنطق واثر تقسيم ارسطو كما نري في نقد النثر لقدامة بن جعفر المتوفي سنة ٣٣٧ ، وفيما كتب من بعده في علوم البلاغة ، لاسيما بعد ان جاوزت مجال الأدب وتحجرت في القواعد التي نعرفها في كتابي المفتاح والتلخيص وشروحهما
وقد أدرك ابن الأثير صاحب المثل السائر الفرق بين اطلاع العرب علي تقسيم اليونان لموضوعات الخطابة ، وبين تأثر العرب بها ، وبين أن العرب ساروا علي سنتهم منذ الجاهلين لا يبالون في منشآتهم بتلك القواعد والأقسام التي أثرت عن اليونان
) إنما أشر اليونان في الأدب العربي ، بما ترجم عنهم من حكم وقصص واساطير ، كالتي نقلت عن الهند والفرس وقد عقد ابن النديم لكتب الروم في الأسمار والتواريخ التي نقلت إلي العربية ، ومنها كتاب تاريخ الروم ، وكتاب ادب الروم ، وكتاب موريانوس في الأدب ، وكتاب انطوس السائح وملك الروم الخ . واثار هذه والهمة في كتب الأدب العربي وفي كثير من معالي الشعراء .
للكلام سنة

