الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 201الرجوع إلى "الثقافة"

مكانة الأدب العربى، بين آداب الأمم

Share

المدح

ولا أريد أن أعرض لكل فنون الشعر العربي ولكني  أقول إن مما يؤخذ على الشعر العربي انه شغل بالمدائح قرونا طويلة ، وهي ضرب من الكذب والغلو لا يبين عن حقيقة ولا عاطفة . ونحن لا ريب نعترف بهذا ، ولكن ينبغي ألا نغفل عما في المدائح من فنون غير المدح .

قصائد المدح التي تزدريها تتضمن فنونا قيمة غير المدح . فالشاعر يبدأ بالإبانة عن عواطفه وآلامه وآماله ، وهذا ضرب من الشعر الصادق ؛ ثم يذكر كثيرا من وقائع الحرب ، وحوادث السلم التي يمدح من أجلها وأحسن شعرنا الحماسي تتضمنه قصائد المدح انظر قصائد أبي تمام والبحتري في مدح الخلفاء ، والقواد وقصائد المتنبي في سيف الدولة ، فإن أكثر ما فيها شعر حماسي بليغ رائع الوصف ، وانظر قصائد ابن هانئ في المعز لدين الله تجد فيها من وصف الجيوش والاساطيل والحرب في البر والبحر المعجب المطرب

ثم المدح نفسه إشادة بالفضائل التي يمدح بها الشاعر : وتبيين للمثل العليا التي تطمح إليها الامة في رجالها ، وقديما قال أبو تمام :

ولم أر كالمعروف تدعي حقوقه    مغارم في الأقوام وهي مغانم

ولا كالعلا مالم ير الشعر بينها     فكالأرض غفلا ليس فيها معالم

ولولا خلال سنها الشعر مادري      بناة المعالي كيف تبني المكارم

وما هو إلا القول بسري فيغتدي     له غرر في أوجه ومواسم

وجمل المتنبي الشعر والمجد من واد واحد حين قال في مدح أبي العشائر الحمداني :

شاعر المجد خد به شاعر اللف     ظ  كلانا رب المعاني الدقاق

وغالي بعض الشعراء فقال :

وما المجد لولا الشعر الامعاهد    وما الناس إلا أعظم نخرات

ولكن النقص الذي نعترف به هو الطريقة التي عالج بها شعراؤنا موضوعاتهم إذا قسناها بطرائق الأوربيين ، فقد وقف شعراؤنا كثيرا عند المظاهر ولم ينفذوا إلي بواطن الأمور إلا قليلا ؛ وصفوا مظاهر الطبيعة دون ان يخلطوا أنفسهم بها ، ويترجموا عن عواطفهم فيها إلي الحد الذي نجده في الشعر الأوربي . وقد شغل كثير من شعرئنا بصور محدودة توارثوها ، فلم يخالف الخلف السلف فيما يقول في المدح أو الهجاء ، أو الغزل إلا قليلا . وشغلوا أكثر قصائدهم بالمدح ، وداروا سنين طويلة حول معان محدودة يصوفونها في صور مختلفة حتى مل البائع والمشتري .

ثم نحن حين نقيس شعرنا بالشعر الأوربي ، نقيس ما أبدعه شعراؤنا القدماء بما انشأه شعراء اوربا في العصور الحديثة بعد أن اجتمعت لهم مواريث الحضارة اليونانية والحضارة العربية ، وزادوا عليها الحضارة الحديثة . وليس من الإنصاف في شيء أن نكلف شعراءنا ان يجاروا هؤلاء على اختلاف البيئة والعصر والثقافة

وما نحن بمستطيعين أن نقيس شعراءنا في عصور ازدهار حضارتنا بمعاصريهم في أوربا ، إذ كانت اوربا مجدية الحضارة والآداب .

ثم سعة الشعر العربي وتناوله كل شئ من الجليل والسفساف ، وتسجيله الحوادث كبيرها وصغيرها ، وكلف العرب بالنظم وسهولته عليهم وإ كثارهم منه ، كل هذا جعل بعض الشعر العربي قليل الحظ من العاطفة القوية او الخيال فخيل إلي الناظرين فيه أن الشعر العربي كله قريب الفور ، قليل الخطر ، وأطلقوا القول غير صادقين .

وانظر كتب التاريخ ، وكتب الحيوان والنبات

والبلدان ، تجد الشعر يتخللها ، لا يذكر المؤلف حدثا أو حيوانا أو نباتا أو بلدا إلا أمده الشعر بأبيات في وصفه .

أوزان الشعر العربي

وأما أوزان الشعر وقوافيه فقد أحكمت منذ الجاهلية ، واستمرت قوية مسيطرة قرونا ؟ ولكن العرب منذ القرن الرابع يسروا لانفسهم الخروج من ضيق القوافي بما احدثوا من ضروب التقفية في التوشيح والتربيع والتخميس والأزدواج ونحوها . فأبدعوا ضروبا من القافية تيسر لكل ناظم بغيته ، ولم يبق لأحد عذر أن يشكو من ضيق القافية . ولكن جمهرة الشعراء لزمت سنن القوافي الجاهلية اقتداء بأئمة الشعر الذين طبق ذكرهم الآفاق ، وصاروا قدوة الشعراء في كل جيل .

فمن يشك من ضيق القافية العربية فإنما يشكو جهله أو عجزه - جهله بما أحدث الشعراء في القوافي ، أو عجزه عن مجاراة الشعراء حتي في هذه القوافي الميسرة المنوعة .

وقد نظم الفرس والأمم السامية والأمم الإسلامية علي القوافي العربية وأطال الفرس والترك والهند ما أطالوا في منظوماتهم ، لم يصدهم ضيق الفاقية . فماذا يقول المعذرون ؟

ومن أراد أن يجاري أوزان الغربيين وقوافيهم فيتحلل من القوانين المحكمة في أوزاننا وقوافينا قله مندوحة في النثر العربي وهو في سجعه وازدواجه يساوي النظم الأوربي أو يكاد . وليس حتما أن يجعل هؤلاء العجزة المتعلون أنفسهم شعراء . وقد حكى أن رجلا انشد آخر قصيدة من نظمه قد ارتكب فيها كثيرا من الضرورات . فكان كلما خرج عن اللغة والنحو والصرف سأله السامع ما هذا ؟ فيقول : ضرورة الشعر . فقال له : وما الضرورة التي دعتك إلي قول الشعر ؟

النثر

النثر يشارك الشعر أحيانا في موضوعه وخياله ،

ولكنه في أصله وأكثر ضروربه قائم على العقل والمنطق ، والإيضاح والتفصيل ، فهو اقرب إلى الحقائق . ومن أجل هذا يؤخذ الناثر بما لا يؤاخذ به الشاعر .

كم قال الشعراء في الخمر والغزل ، وكم قال الكبراء والرؤساء ، بل لم يخل العلماء وأهل الدين من النظم في هذين الفنين . ولو أن كاتبا كتب مقالا يصف محاسن الخمر ويدعو إليها ، أو يتغزل تغزل الشعراء لم يغتفر له هذا ، وعد قوله دعوة إلي إباحة أو تحلة شنيعة .

وقد افتن كتاب العربية منذ ابن المقفع والجاحظ في ضروب النثر ، وتغلغلوا به في ثنايا الجماعة ، وفصلوا القول ، وأبانوا عن الخفايا . وشارك الكتاب منذ القرن الرابع الشعراء في بعض موضوعاتهم . وساهم الكتاب في الحروب الصليبية مساهمة الشعراء أو اعظم ، وعالجوا فنونا مختلفة من الخطب والرسائل والمقامات والتاريخ والمحاضرة والقصص ؛ فاجتمع لنا من نتائج قرائحهم على مر الزمان ثروة مغنية في ضروب شتي من النثر ، لا يتسع المقال لتفصيلها . ثم عرض للنثر من قيود الصناعة ما عرض للشعر ، فأودى به أو كاد .

ولا بد من القول هنا في القصص ؛ فقد قلنا ، حين قسنا شعرنا بشعر الأمم الآخرى ، إننا لا يشتد اسفنا لخلوه من القصص المنظوم ، وقلنا إن هذا الضرب من القصص ليس طبعيا ، وإن النثر أولى به إلا مقامات يستنجد فيها الشعر . فلننظر ما فعل كتابنا به .

القصص فن قرآني لفت المسلمين إليه ما في القرآن من أخبار الأنبياء والأمم الخالية . وكان المسلمون يعمدون إليه في غزواتهم لتحميس المجاهدين .

وكان الخلفاء والأمراء ينصبون القصاص ليقصوا للناس في المساجد ، ثم تطور القصص إلي تاريخ ، وإلى خرافات وأسمار شتى .

وقد علاج النثر العربي القصص كثيرا ، فزاد على ما ترجم إلى العربية كقصص ألف ليلة ، قصصا أخري كثيرة . وقد عد ابن النديم من القصص التي الفت إلي عهده ، أي المائة الرابعة ، أكثر من مائة وعشرين قصة من قصص العشاق ، كلها عربية بموضوعها وتأليفها وذكر بعض جامعي هذه القصص من الرواة المعروفين مثل : الشرفي بن القطامي ، وهشام الكلبي ، وعبسي بن داب ، والهيثم بن عدي .

ثم عد ست عشرة قصة تحت هذا العنوان : عشاق الإنس للجن ، وعشاق الجن للإنس .

وقال ابن النديم أيضا : إن ابن عبدوس الجهشياري صاحب كتاب الوزراء اراد ان يجمع الف سمر ، فجمع اربعمائة وثمانين ليلة ، كل ليلة سمر تام ، فيه خمسون ورقة واكثر وأقل ، ثم عاجلته المنية قبل إتمامه . ورأيت أجزاء منه بخط أبي الطيب أخي الشافعي .

هذا ما أثبته ابن النديم مما ألف إلي القرن الرابع . فما ظنكم بما ألف بعد هذا ؟ ونحن نعرف مما ألف بعد ابن النديم ، قصة عنترة ، وقصص البطال ، والأميرة ذات الهمة ، والظاهر بيبرس ، وسيف بن ذي يزن ؛ إلي ما كتب باللغة العامية من قصص الهلالية وما يشبهها .

فالأدب العربي غني بالقصص التاريخية والخرافية ، ولكن ينبغي أن نعترف أن هذا الفن لم ينل عناية أدبائنا  ، وترك للعامة وأشباه العامة أكثره . فلم يبلغ ما بلغه القصص عند الغربيين بأقلام كبار الكتاب ، أمثال بلزاك ، وكورني ، وراسين ، ولامرتين ، ودكنز ، وجوته ؛ هؤلاء الذين أحكموا القصة وجعلوها وسيلة إلي نقد الجماعة ، وتبيان فضائلها ورذائلها ، وحسنها وقبحها ، حتى خلقوا أبطالا يعيشون في خيال الناس ، ويؤثرون في اعمالهم أثرا بليغا . وذلكم النقص الذي يحاول كتابنا سده في العصر الحاضر .

وبعد ، ففي الأدب العربي ، شعره ونثره ، ميزة أخري ، هي هذه الكتب الجامعة التي تسجل من الشعر والخطب والأمثال والرسائل والتاريخ والنوادر والفكاهة ، وتعرض من المجتمع صورا كثيرة متفرقة ، وتثبت ما وقع في مجالس الخلفاء والأمراء والكبراء والعلماء ، وما يقع بين العامة في الطرق وهلم جرا ، مثل : البيان والتبيين ، والكامل والأمالي ، وعقد الفريد ، وزهر الآداب ، وكتب المحاضرات كمحاضرات الراغب الأصفهاني وفاكهة الخلفاء ، وهي كثيرة في أدبنا . وليس لهذا النوع من الكتب نظير في الآداب الأوربية فيما أعلم . وقد سألت بعض المستشرقين فقال : لا نظير له عندنا

فالأدب العربي ، شعره ونثره ، وجده وهزله ، أدب كامل جامع ، صور العواطف والآلام ، والفضائل والرذائل ، ومناظر الطبيعة كلها ، وبدائع الصناعة وأحداث الزمان ؛ ولم يدع جلائل الأمور ولا توافهها ، حتى تناول نوادر الحمقى والمغفلين ، وقصص المجانين ، وشعر اللصوص وحيلهم فهو أدب جامع رائع . وإذا قيس أدبنا بالآداب الآخر فضلها في جوانب وفضلتة في اخري . ولكنه في جملته أوسع وأغني ما عرف من آداب الأمم ، أو هو من أوسعها وأغناها . فليس لعربي أن يتمني أن كان له بأدبه القديم أدب أمة من الأمم القديمة ) للكلام صلة (

اشترك في نشرتنا البريدية