الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 630الرجوع إلى "الثقافة"

مكتبة الثقافة, ادب وتاريخ واجتماع : للدكتور محمد صبري بك -

Share

مطبعة مصر سنة ١٩٠٠ في ١٢ " صفحة كبيرة

يأسى المثقف كثيرا حين يستعرض حياتنا الأدبية الحاضرة ويري ما آلت إليه . فإن تلك الشعلة الفكرية المقدسة التي كانت قبسا من نهضتنا الشاملة منذ ثلاثين عاما ، والتي ازدهرت وتلألأت وبهرت ، قد هبت عليها أعاصير هو جاء أضعفت من جذوتها وأعتمت من سناها . ذلك أن الأدب قد رؤئ باختطاف نفر من أعز أعلامه ، انتزعهم من أبراجهم انتزاعا إغراء فعال التأثير سيئ الأثر . وما بالك بإغراء السياسة والصحافة ، القوة والمال ، الحكم والغني

كان لنا نشاط أدبي خصب ، وكانت لنا صفحات أدبية سيارة تصطرع فيها الأفكار ، وتتلاحم الأقلام ، وتزداد بهذا وذاك جميعا ثروتنا الأدبية ويطرد نماؤها ، ثم مضت تلك الأيام ، واختفت صفحاتها وجفت أقلامها ، من أصحابها من من أغرى . ومنهم من اغري به ، ومنهم من قبع مكرها راضيا من الغنيمة بالسكوت والصبر . ولا يستطيع المنصف أن يلقي مسئولية هذه الحال علي الأدباء أنفسهم ، فلا شك أن للأحداث والهزات التى مرت بمصر في عهدها الأخير . والتطور الملحوظ في مقاييس حياتنا وأوضاعها ومقوماتها لا شك أن لهذا كله يرجع السبب الأكبر في انصراف الأدباء عن الإنتاج الأدبى إلى اعتلاء المناصب في الدولة ، أو الى العمل الصحفى المريح.

والدكتور صبري بك (السوربوني) من أعلام تلك الأيام الزاهرة ، طالما كانت له في ميادين الفكر جولات وصولات ، وطالما شغل الأذهان وأثار الجدل بمقالاته وبحوثه

المتعددة في الأدب والاجتماع والتاريخ. وها هو يحن إلى ذلك العهد فيخرج لنا كتابه هذا القسم ، حافلا كالحديقة الغناء بأطيب الثمار والأزهار نعم لاشك أنه يحن إلى ذلك العهد ويذكر أيامه الخوالي . فالجزء الأول من جزءي هذا الكتاب سبق نشره عام ١٩٢٧ وكان بدوره مجموعة مقالات وأبحاث نشرت من قبل في الصحف .

أما الجزء الثاني فينتظم فصولا شائقة منوعة سبق نشر بعضها في الصحف (منذ عام ١٩١٣ حتى عام ١٩٥٠) ولم يسبق نشر البعض الآخر . وإن كانت جميعا لم يضمها من قبل كتاب .

وكنا نرجو الا يكتفي الكاتب الفاضل بنشر تلك الأبحاث والمقالات القديمة على حالها ، إذ لا شك أن ما تزود به من ثقافة واسعة ، وما انضجته التجارب الذهنية من محصوله العسكرى ، وماجد من أفكار واراء خلال السنوات الطويلة التي انقضت منذ كتابة هذه الفصول لا شك أن هذا كله كفيل بتعديل بعض آرائه القديمة ، وتطعيم البعض الآخر .

ومهما يكن من أمر ، فيمكنا القول مطمئنين أن قارئ العربية يحق له أن يفخر إذ تضم مكتبته مثل هذا الكتاب . ففيه فائدة محققة ، وفيه متعة خالصة .

إنى راحلة قصة للأستاذ يوسف السباعي - مكتبة الخانجي سنة ١٩٥٠ في ٤٣٤ صفحة كبيرة

الأدب العربي فقير في القصة بوجه عام ، وفي القصة الطويلة (Roman) بوجه خاص ، وقد بذلت بعض المحاولات لتعويض هذا النقص في فجر نهضتنا الأدبية المعاصرة ،

ولكنها كانت محاولات قليلة ضحلة ، كما كانت مثبتة غير متصلة الحلقات .

وقد ازدهرت القصة المصرية القصيرة في الأعوام الأخيرة وثبتت أقدامها في الميدان الأدبى بما حفلت به من انتاج دسم يمتاز بالأصالة والحدة والتنوع . غير أن براعم القصة المصرية الطويلة التى تفتحت في هذا الحقل الخصب ما زالت قليلة ، يتعهدها بضعة من رواد القصة الشبان الذين سجلت لهم القصة القصيرة من قبل نجاحا كبيرا

والأستاذ يوسف السباعي أحد هؤلاء الرواد . وهو قصاص ناجح ، ولكنه يثير في الحكم عليه مشاكل بين قرائه . بل إنه يثير هذه الشاكل في نفس القارئ الواحد ؛ إذ تلازمه دائما في قصصه صفة عالية هي الجرأة في التجديد ، دون ما تقيد بما تواضع عليه النقاد ، تجديد في تعبيراته وفي تصويره . ولكنه كما قلت تجديد جريء يثير المشاكل . يوافق عليه المؤلف حماس بعض القراء ، ويخالفه عليه - وبحماس أيضا بعضهم الآخر ؛ ويقبله القارئ الواحد حينا ، ويرفضه حينا آخر . ولعل تلك الجرأة راجعة إلى حياة الكاتب العسكرية وما تطبعه هذه الحياة في النفس من صفات

وقصته التي نقدمها اليوم هي أول قصصه الطويلة ، كتبها في صورة مذكرات لامرأة ، على وشك الرحيل ... عن عالمنا . وأوضح ما يميز هذه القصة صدقها وحرارتها . فكل ما فيها من حوادث وصور وأحاسيس بقبض بالحياة ، ولا يجهد الفكر في تصور أشخاصها ومسرحها ، لأننا عن أولئك الأشخاص ولأن حياتنا هي ذلك المسرح . والأستاذ يوسف في قمته هذه كاتب صريح يضع النقط على الحروف وينفي الضوء على دخائل النفس البشرية في تحليل رائع ، بل في تشريح دقيق .

غير أن هناك شيئا يتفرع على جرأته التي أسلفنا الإشارة اليها وتأخذه عليه ، وهو اندفاعه - أحيانا - في السياق والسرد اندفاعا عنيفا ، وتوثبه بين الحوادث واللوحات توثبا خطرا ؛ فهو ينتقل فجأة وبسرعة من بيت شعر جاهلي إلى مثل عامي ومن رقة الخيال إلى غلظة الواقع ، تماما كما يندفع وبتوثب بحصانه (المماشي) الفارس يوسف السباعي ؛

ولكننا مع ذلك نستطيع القول في ثقة ، وباعتزاز ، إنها قصته ناجحة

الصراع النفسي : للدكتور أبو مدين الشافعي - لجنة البيان العربي سنة ١٩٥١ في ٨٣ صفحة صغيرة

الإنسان نصفان . ظهر أحدهما وخفي الأخر ، فنما الجسم واتخذ جزءا وشقت النفس وعزت فهما . لكل قوانين حياته ومقاييس صحته . وكلاهما مؤثر في صاحبه متأثر به .

وقد شغلت النفس الخفية المفكرين منذ القدم ، وفطن بعضهم إلى أهمية دراستها فأمنوا بها ! وأغفل ذلك الأكثرون فكفروا بها . وسجل التاريخ لرواد النفس كفاحهم الرائع حتى شهد القرن الأخير نصرهم واحتلالهم لمكانهم بين علماء الانسانية وأساة البشرية . نعم انتصر علم النفس وبرز بهامته إلي جانب العلوم الأخرى . وأصبحت له  مثلها - جوانبه العلمية والتطبيقية ، واعترف المجتمع بأطباء النفس كأطباء الجسد .

والدكتور أبو مدين الشافعي عالم وطبيب نفس ، له نشاطه في ميادين الترجمة والتأليف والتجريب . وكتابه الذي نقدمه اليوم أحد كتبه المؤلفة . ويبحث الكاتب فيه ذلك التطاحن الباطنى والنزاع الداخلي بين عوامل النفس المختلفة ، مما يظهر في صور كثيرة ، من تبرم وضيق ، أو اختلال في بعض الوظائف الجسمية وبعض مواقف التجاوب الاجتماعي . وقد قصد من ذلك إلى إلقاء الضوء على تلك الصلة الدقيقة بين العوامل النفسية والجسمية والاجتماعية ، مما يساعد على حل كثير من مشكلات النفس وعللها .

ويمتاز الكتاب بالتبسيط وتقريب الحقائق النفسية إلى ذهن القارئ . فهو من هذه الناحية قد حقق الغرض منه . غير أن الموضوع كان يتطلب من المؤلف - لتتم الفائدة - أن يطيل في كتابه ، فلا يوجز في عرضه ذلك الإيجاز الملحوظ الذي تعتقد أنه أتعب نفسه فيه كثيرا . وليس الإيجاز من مستلزمات التبسيط في جميع الحالات ، بل قد يعكس من أثره في أحيان كثيرة .

اشترك في نشرتنا البريدية