مركزات في السياسية المصرية : للدكتور محمد حسين هيكل باشا مكتبة النهضة المصرية سنة ١٩٥١ في ٤٤٠ صفحة كبيرة
ما أحوجنا نحن أبناء هذا الجيل إلى قراءة المذكرات السياسية التي يكتبها زعماؤنا الشيوخ ، فهي التي سوف تلقي الضوء على خفايا الأحداث السياسية وخباياها ، ومن ثم تعيننا على دراسة تاريخنا المعاصر دراسة مجدية . إن لدى ساستنا الشيوخ كثيرا مما ينبغي أن يدون ليبعث إلي أبناء هذا الجيل والأجيال القادمة حوادث الماضي القريب مكتملة الحلقات مترابطة الفقار نابضة بالحياة ، وبذلك يستطيعون أن يفيدوا من الأحداث ويرسموا على هداها منهجهم لخدمة الوطن وإعلاء شأنه .
وجميل من الدكتور هيكل باشا وهو علم من أعلام السياسة العربية أن يخرج على المصريين بهذا الكتاب الذي يمثل الجزء الأول من مذكراته السياسية ، متضمنا تاريخ الحوادث التي مرت بمصر في ربع القرن الواقع بين عام ١٩١٢ وعام ١٩٣٧ . وقد تناول الكتاب الجانب السياسي وحده دون غيره من جوانب الحياة المصرية في تلك الحقبة ، كما أنه خص من هذا الجانب ما شهده أو شارك فيه الكاتب بنصيب . وبهذا أغفل ما لم يكن له فيه أثر . وما لم يجتل حقيقة أمره .
ولا مراء في أن الفترة التي تؤرخ لها هذه المذكرات من الفترات التاريخية الدقيقة في حياة مصر الحافلة ، فهي فترة البعث المصري الجديد ، ذلك البعث الشعبى الواعي الذي كان ثمرة للأحداث التي تتابعت على مصر مدى قرن من
الزمان ، منذ احتلتها جيوش بونابرت في مطلع القرن التاسع عشر . لقد حفلت هذه الأحداث بكثير من المآسى ، كما حفلت بكثير من العورات والحركات المناهضة الدافعة ؛ وكان لهذا وذاك جميعا نفس الآثر في إيقاظ الشعب ودفعه نحو تحطيم تلك القيود التي تحول بينه وبين تحقيق حياة حرة كريمة تليق بتراثه العظيم وإمكانياته العديدة.
إننا لا نزال نعيش في هذا الطور من البعث الذي انبثق في مطلع هذا القرن . ولكن للأسف لا تزال حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية " ويطبعها التقليد والارتجال في كثير من نواحيها . وهذا طابع لا دوام له ، بل لابد من أن ينقضي عهده ، وأن تحل محله سياسة ثابته مستمدة من التجارب التي نكسها من عهد التقليد والارتجال نفسه " إن قارئ هذا الكتاب سوف يجد هنا وهناك بعض الفجوات ، وربما اعتقد في بعض الأحيان أن الكاتب يدافع عن وجهة النظر السياسية التي ناصرها في مختلف أطوار حياته .
ولكن لا شك أن هيكل باشا ، وهو السياسي الأديب الذي مارس الكتابة والتأريخ طويلا ، وامتاز فيهما بالصراحة وحرية الرأي ، لا شك أنه قد بذل جهدا كبيرا فى إبراز هذه المذكرات في إطار من الوضوح والدقة يحقق الغرض من كتابتها أكمل تحقيق .
وحبذا لو حذا حذوه أقرانه من شيوخ السياسة حتى يكتمل كيان تاريخنا المعاصر ، وحتي نستفيد من تجاربهم فنتقي الخطأ وتحتذي الصواب .

