الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 645 الرجوع إلى "الثقافة"

مكتبة الثقافة

Share

صفحة من تاريخ مصر السياسي الحديث ( مفاوضات على -كرزن ) :بقلم الدكتور يوسف نحاس - مكتية الانجلو المصرية سنة ١٩٥١ - في ١٦٥ صفحة

تمر مصر في هذه الأيام بمرحلة من أدق مراحل كفاحها القومي ، فما زلنا بعد سبعين عاما حافلة من الاحتلال البريطاني لأراضينا نجادل المحتل في حقوقنا الطبعية ونفاوضه في مشروعية مطالبنا ، وما زال هو- معتزا بقوته ومكانته - ومطشا إلى ما يبدو له من هدوئنا وسكينتنا - يغالط ويماطل ، ويتأبي ويتنمر . ولا يعلم إلا الله ما سوف تسفر عنه هذه الحالة القلقة المائعة .

لقد مرت العلاقات المصرية البريطانية في هذه الأعوام السبعين بمراحل مختلفة وأطوار متعاقبة ، كان آخرها ما اعقب نورة سنة ١٩١٩ من اتخاذ خطة المفاوضة التى ارتكزت على ما ظفرت به مصر من حياة دستورية جديدة . ويشرف المصريين أنهم جميعا ، على اختلاف وجهات نظرهم ، وعلى تشعب آرائهم في وسائل الكفاح ، يشرفهم اعتصامهم بحبل الوطنية اللتين واستهدافهم دائما غاية واحدة ، هي العمل على أن يستكمل الوطن استقلاله ونهضته ، ويسير قدما في ركب التقدم الإنساني .

وبعض النظر عما إذا كانت المفاوضات هي الوسيلة الناجعة لانتزاع حقوقنا من مغتصبيها أو لم تكن ، فينبغي حين نذكر المفاوضات أن نشيد بمواقف ساستنا الذين حملوا بجدارة عبء الوقوف أمام الأسد البريطاني ، عزلا إلا من سلاح وطنيتهم ، ضعفاء إلا من قوة إيمانهم ، يحاورونه ويداورونه ، ويحاولون بالحجة والإقناع أن يستخلصوا من بين براثنه حقوقنا المسلوبة . لقد أخفق ساستنا أحيانا ،

وخدعوا أحيانا أخرى ، وارتطموا بكثير من الصعاب والعقبات ، ولكنهم جميعا دون استثناء قد بذلوا عصارة نفوسهم وخلاصة تجاريهم وحنكتهم أمام المستعمر الغاصب .

وكثيرا ما احتمل أولئك الساسة صابرين ما أصابهم من سهام النقد وما اتهموا به في وطنيتهم . وما قابلهم به مواطنوهم من جحود وتنكر . والواجب يقتضينا إنصاف هؤلاء الساسة وبخاصة أن أكثرهم قد انتقل إلى جوار ربه ، وان يكون ذلك إلا ينشر ما طوي من صفحات كفاحهم وأحاديث مفاوضاتهم ، التي بقي أكثر تفصيلاتها إلى اليوم سرا لا يذاع .

وهذا هو ما فعله الدكتور يوسف نحاس في كتابه الذي نقدمه اليوم . والدكتور نحاس رجل من أبرز رجال الصف الثاني وقفوا خلف المفاوض المصري يمدونه بالتقارير والتفاصيل ، ويزودونه بمختلف المعلومات والبيانات ، ويعملون في نشاط وجد وسهر على إعداد ما يلزم للسير بالمفاوضات نحو غايتها . وها هو يعرض علينا في هذه الصفحة التاريخية ما سجله من يومياته كمستشار في الشئون المالية والاقتصادية لأول وقد مصري للمفاوضات تألف برياسة المرحوم عدلي يكن باشا في صيف عام ١٩٢١ .

وعدلى يكن علم من أعلام الرعيل الأول في السياسة المصرية الحديثة ، امتاز بالإباء وشدة الاعزاز ووفرة الشعور بالكرامة . ولا ينكر التاريخ مواقفه الفذة حيال الإنجليز مفاوضا ، وحيال مصر وطنيا . جنى عليه عزوفه عن ضجيج الشعبية وانطواؤه وارستقراطيته الأصيلة . فاختلف مع الزعيم الشعبي سعد ، مما حجب عن المصريين كثيرا مما امتازت به شخصية عدلى من مواهب وما قام به للوطن من خدمات .

ولهذه اليوميات أهمية بالغة لأكثر من سبب ، فكاتبها

أحد الذين ساهموا مساهمة فعالة في مفاوضات عدلى وكرزن ، فهي لهذا تزيح الستار عن كثير من التفصيلات القيمة هذا إلى أن تلك المفاوضات قد أحاطت بها عوامل خاصة تصبغها بصبغة متفردة ، فهي أول مفاوضات رسمية مكتملة بين مصر وانجلترا ، كما أنها جرت قبل أن تقوم في مصر حياة دستورية ، فضلا عما لابس هذه المفاوضات من ظروف نجمت عن الخلاف المعروف بين سعد وعدلي وماتبعه من تصدع وانشقاق في الجبهة الوطنية .

وإن الصراحة التي دون بها الدكتور نحاس يومياته وبسط في ثناياها آراءه لتضع كثيرا من النقط على الحروف وتعين على تبصيرنا - نحن أبناء هذا الجيل - بكثير من الحقائق الخافية ، وتلقي الضوء على موقف بعض ساستنا

الذين توفي الله معظمهم ، أمثال حسين رشدي وإسماعيل صدقي وتوفيق دوس .

هذا وقد الحق الدكتور نحاس بكتابه الوثائق الرسمية الثلاث لمفاوضات عدلى - كرزن باللغتين العربية والفرنسية عدا كثير من الوثائق الفرعية الأخرى ، مما يعتبر مرجعا دقيقا أمينا لتلك الصفحة التاريخية الهامة .

وإن المرء بعد قراءة تلك اليوميات ومقارنتها بما تطالعنا به الأخبار عن مفاوضاتنا في هذه الأيام ليتساءل في مرارة ، محل تقدمنا نحو هدفنا كثيرا ؟ ثم يتساءل في تشكك ، هل هذا هو الطريق القويم للظفر بأمانينا الوطنية ؟

اشترك في نشرتنا البريدية