صدر هذا الكتاب في المجموعة الحديثة المعروفة باسم مكتبة هتشنسون ، وهي مكتبة جديدة بدأت نشاطها منذ عامين على وجه التقريب . وتضع على كتبها غلافا أحمر اللون ، يلفت النظر إليه ، وجعلت ثمنها موحدا هو سبعة شلات وستة بنسات ، ومؤلفاتها منوعة تشمل الدين والفلسفة وعلم النفس والأدب والتاريخ ، وجعلت على رأس كل فن عالما مشهورا يتولى الإشراف على إصدار الكتب الخاصة بفنه . مثال ذلك فرع علم النفس يرأسه الأستاذ فلوجل المعروف . أما القسم الديني ، أو أديان العالم كما سموه ، فنجد علي رأسه الأستاذ جيمس أستاذ تاريخ الأديان وفلسفتها بجامعة لندن .
وقد أصدرت الدار خلال هذين العامين الأخيرين بضعة وعشرين كتابا ، بأقلام جلة العلماء المختصين في بابهم ، نذكر منها على سبيل المثال كتاب " المدخل إلى علم الجمال " للأستاذ كاريت الذي نقلت بعض كتبه إلي اللغة العربية من ترجمة زميلنا الدكتور عبد الحميد يونس . وقد أحدثك عن هذا المدخل في المستقبل القريب لأن آراء صاحبه في علم الجمال وما يتصل بذلك من البحث في الذوق والأحكام الأدبية ذات خطر ، كما تدعو إلى التفكير والتأمل والنظر .
وصاحب كتاب الإسلام الذي قدمه اليوم إلى القراء . كان إلى عهد قريب أستاذ اللغة العربية بمدرسة اللغات الشرقية الملحقة بجامعة لندن . وله عدة مؤلفات في اللغة العربية والديانة الإسلامية ، منها " ظهور الآئمة في صنعاء " و " الخلفاء وأهل الذمة ، و " كيف تعلم نفسك اللغة العربية " و " العقائد " الإسلامية . فنحن نرى من النظر
إلى المنصب الذي كان يشغله المؤلف في الجامعة ، ومن الكتب التي ألفها ، أنه على صلة وثيقة بالموضوع الذي يعالجه على الرغم من وعورته .
أما الباعث الذي دفع المؤلف إلى كتابة هذا الكتاب عن الإسلام وتقديمه إلى قراء الغرب الناطقين باللسان الإنجليزى ، فهو ما لاحظه من ظاهرة تاريخية بدأت بظهور الإسلام دينا وحد بين القبائل العربية الضاربة في قلب الجزيرة حتى جعل منها أمة موحدة ودولة قائمة موطدة الأركان ، زلزلت قواعد الفرس ، وورثت دولة الروم ، ونقلت علوم اليونان وفلسفتهم ، حتى أصبحت الحضارة الإسلامية وما خلفته وراءها من فنون مختلفة من أسمى الحضارات وأرقاها . ثم أضاف المؤلف يقول : " بدأ العرب ينقلون عن الشعوب المغلوبة على أمرها ، ثم صاغوا ما نقلوه صياغة جديدة موحدة ولو انها تبيح كثيرا من التعدد في الألوان . كما أنشأوا مذهبا في الفقه جديرا بالموازنة مع القانون الروماني ، وأقاموا حضارة لا تقل عن أى حضارة معاصرة في أوربا ، ويخضع للإسلام باعتباره قوة حية الملايين من الناس ، فلا غرابة أن يكون هذا الدين جديرا بالدرس "
الحق أن علماء الغرب ومفكريهم في حيرة شديدة من أمر هذه الظاهرة التاريخية العجيبة ، ونعني بها توحيد كلمة العرب مع أن التنابذ والشقاق والبداوة من طبيعتهم ، ثم تغلب العرب وهم الحفاة العراة على أقوى دولتين متحضرتين في ذلك الرمان ، وهما الفرس والروم ، ثم اتساع رقعة الدولة الإسلامية حتى امتدت أطرافها من الصين في الشرق الأقصى ، إلى الأندلس وشمال أفريقية في المغرب الأقصى ، مع ما تميزت
به الدول الإسلامية شرقا وغربا من علوم وفنون لا يستطيع أحد إنكار مالها من منزلة ، وأغرب من ذلك كله حيوية الإسلام الشديدة التي تظهر في بقاء المسلمين متمسكين بدينهم على الرغم من محاولات الدول الغربية المستعمرة بشتى الوسائل تحويلهم عن دينهم .
وإذا صح في العقول أن التفسير المادي للتاريخ يمكن أن يكون صالحا في تعليل معظم الظواهر التاريخية الكبرى وبيان أسباب قيام الدول وسقوطها ، فإن هذا التفسير المادي يفشل فشلا ذريعا حين يرغب أن يعلل وحدة العرب وغلبتهم على غيرهم ، وقيام حضارتهم واتساع رقعتهم وثبات أقدامهم . فلم يبق أمام المؤرخين إلا أن ينظروا في العلة الصحيحة لهذه الظاهرة الفريدة ، فرأوا أنها تقع في هذا الشئ الجديد ألا وهو الإسلام .
رأوا أن الإسلام قوة هائلة ، فيه حيوية فائقة ، وديناميكية محركة ، وهو علة العمران وسبيل الحضارة ، وهو الطريق إلى جمع الكلمة ، ونشر السلام ، وتحقيق العدل بما يؤلف بين القلوب ويربط بين الشعوب . فانبرى علماء الغرب يبحثون في الإسلام وأركانه وعقائده وعاداته .
في ضوء هذا الهدف أقدم الأستاذ تريتون على تأليف كتابه ، ورتبه في عشرة فصول وخاتمة . تحدث في الفصل الأول عن محمد والقرآن ، وفي الثاني عن قواعد الاسلام ( الإيمان ، الصلاة ، الزكاة ، الصوم ، الحج ، الجهاد ) ، وفي الثالث عن الحديث والسنة ، وفي الرابع عن المعتقدات وتطورها وما يتصل بذلك من آراء الفرق ، وبخاصة المهدى والفلسفة الإسلامية ، وفي الخامس عن الفقه وأصوله وفروعه وفي السادس الفرق الإسلامية ، وبخاصة في العصر الحاضر ، وهي الشيعة والزيدية والإسماعيلية والقرامطة والنصيرية والدروز والبكطاشية وأهل الحق والحروفية وبوهورا والوهابية . وحدثنا في الفصل السابع عن التصوف والزهد وطريق التصوف ، وتكلم عن ابن العربي والغزالي . وانتقل في الفصل الثامن إلى الكلام عن الدولة ، فحدثنا عن الخليفة والقاضى والمفتي والمحتسب والشرطة والمحدث . وعن الوقف وببت المال والتعليم . أما في الفصل التاسع الذي جعل عنوانه " الحياة الاجتماعية وبعض الآراء الشعبية "
فقد تناول فيه الكلام عن الأخلاق والنجاسة والزواج والزنا وغير ذلك ، وطاف في الفصل العاشر ببعض الحركات المعاصرة في الإسلام ، كالبابية والبهائية والأحمدية ، كما عرض لبعض المجددين في الإسلام مثل الشيخ عدد عبده وإقبال .
ونحن لا نتوقع في هذه الصفحات المحدودة من الكتاب أن يستطيع المؤلف توفية جميع هذه المسائل التى أشرنا إليها في الفصول المذكورة .
وقد اعتذر المؤلف في مقدمته بهذا العذر وقال : إن التفصيل يحتاج إلى مجلدات ، وإنه لا يستطيع في هذه العجالة إلا أن يبرز الظواهر البارزة فقط .
والكتاب ملائم كل الملاءمة لقراء الإنجليزية الذين يجهلون الاسلام ولا يعرفون شيئا عن مبادئه وعقائده وتاريخه وعوائد أهله ، ولكن القارئ المسلم لن يجد فيه جديدا لا يعرفه فيما يختص بالعقيدة والعبادات والعادات . ومع ذلك ففيه ولا ريب جديد على المصريين لأنه يحدثهم عن عقائد المسلمين في بقاع من الأرض لا نعرف عنهم إلا اليسير ، كالجماعات التي ظهرت في سومطرة وفي الهند وإيران . وقد نشأ هذا الجهل لاعتناقنا مذهب أهل السنة الذي يعارض أغلب المذاهب الأخرى . ومع ذلك فقد ظهرت في مصر جماعة على رأسها فضيلة الأستاذ القمي اسمها جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية ، ولها مجلة تصدرها بالعربية ، ولها مقر في الزمالك ، ولو أنني لم أطلع على مجلتهم ولم أشهد مقرهم ، على الرغم من معرفتى برئيس الجماعة وبعض أعضائها .
ومع أن الكتاب يدل على سعة اطلاع مؤلفه إلا أنه قد وقعت فيه بعض أمور ، نعتقد أن المؤلف على استعداد لتصحيحها إذا اطلع عليها . مثال ذلك أنه يذكر أن صلاة العشاء ركعتان (ص ٢٤ ) وهي أربع ركعات . ويقول في نفس الصفحة إن الأذان للصلاة قد يقع قبل موعد الصلاة بنصف ساعة ، وليس هذا صحيحا لأن لكل صلاة موعدا معينا .
وذهب في صفحة ٢١ إلى أن النبي حين طالبه الناس بمعجزة أشار إلى القرآن . وهذا حق ، إلا ان المؤلف وصف إعجاز القرآن بعد سطور بأمور ثلاثة ، الأول ما فيه من حكمة مستمدة من كلام الله ، والثاني أنه ينبىء عن المستقبل in its fortclling the future
والثالث بلاغة الأسلوب وصفاء اللغة . وهنا يتمارض المؤلف مع ما ذهب إليه في أول الفقرة حين قال إن القرآن هو معجزة الإسلام . وليس في القرآن إنباء عن المستقبل ، فقد سئل النبي عن الساعة فنزل عليه الوحي " قل لا أملك نفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون " ( الأعراف ١٨٨ ) . وجاء في سورة لقمان " وما تدري نفس ماذا تكسب غدا . وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير " .
وهناك أشياء يوردها المؤلف وهي صحيحة ولكن إيرادها وحدها مع إغفال الجوانب الأخرى مما يصور الإسلام علي غير صورته الحقيقية . ذلك أن المؤلف يأخذ بالخرافات ويهجر آراء المثقفين في العلم ، فقد ذهب معظم المسلمين إلى تأويل كثير من الآيات التي تؤذن بالتشبيه مثل " الرحمن على العرش استوى " كناية عن القدرة الإلهية . ولكن المؤلف يأخذ في وصف الكرسي والعرش وما جاء في الروايات الشعبية عن ذلك . ولست أدري كيف استطاع أن يجزم بأن عدد الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده هم ١٢٤.٠٠٠ ( ص ٤٨ ) فالقرآن لم يذكر عددا معينا بالذات !
ويذهب المؤلف كذلك إلى عدم وجود فلسفة إسلامية ، مع أن هذه القضية التي ثارت منذ القرن الماضي قد انتهي البحث فيها إلى إثبات وجود فلسفة إسلامية لها مميزاتها ولها خصائصها ، وسوف يظهر ذلك جليا عندما يتم الاحتفال بالعيد الألفى لذكرى مولد الشيخ الرئيس ابن سينا .
ولست أحب أن أمضي في مناقشة الجزئيات الكثيرة التي وقفت عندها واختلفت فيها مع مؤلف الكتاب ، وهي على كل حال لها ما يبررها . وهي وجهة من وجهات النظر لا تدل على جهل صاحبها ، وإنما تدل مع شيوعها وتكرارها على الروح التى أقبل بها علي التأليف . وعلى الصورة التي ارتسمت في ذهنه عن الاسلام ، وهي في جملتها صادقة الصدق الكثير عن حالته في العصر الحاضر .
وهنا نخرج بقضية ولو أن المؤلف لم يذهب إليها إلا أنها تستفاد من الطريقة التي عالج بها الموضوع . وهذه القضية لا تتصل بالإسلام فقط بل بكل دين آخر . وهي : أيمكن أن
يفهم دين من الأديان مجردا عن اتباعه الذين يدينون به ؟ أيمكن أن نفهم معنى الإسلام وما فيه من عقائد وعبادات بغير أن تنظر إلى المسلمين الذين يعتنقون الإسلام .
أما أنا فقد انتهيت في هذه القضية إلى رأي استطيع أن أطمئن إليه ، وهو أن الاسلام مستمد من المسلمين الذين يتبعونه ويدينون به . حقا القرآن كتاب الله ، وهو دستور المسلمين وهو كتاب لا ريب فيه ، لا مبدل لكلماته ، ومع ذلك فقد اختلف المسلمون في فهمه وفي تفسيره على مر العصور اختلافا عظيما في المسائل الجوهرية الأساسية . انظر إلى الخلاف بين الناس على تحديد المؤمن والكافر أيام عثمان . وكانوا قريبي العهد من موت الرسول ، ولم تبلبل الأفكار الأجنبية عقولهم ، حتى لقد ذهب بعض المسلمين إلى تكفير عثمان فاستحلوا دمه . وانظر إلى الخلاف بين على ومعاوية ، وكلا الفريقين مسلم ، وكيف طلبوا تحكيم كتاب الله ، ومع ذلك لم يحلوا مشكلتهم إلا بالسيف ، وبقى النزاع بين الشيعة والسنة حتى اليوم . وانظر إلى الخلاف بين المعتزلة وأصحاب الحديث ، وكيف ذهب المعتزلة في تفسير الإسلام بعقولهم إلى أبعد الحدود ، حتى قالوا إن القرآن مخلوق ، ودفعوا المأمون إلى اعتناق هذا المذهب ، ونشبت الفتنة التي ضرب من أجلها أحمد بن حنبل .
ولا نريد أن نمضي مع التاريخ نستفي الأمثلة المؤيدة للقضية التي تذكرها ، ولكنا نختم القول بعرض بعض المشكلات التي تجددت في العصر الحاضر . هل الإسلام دين فقط ، أم دين ودولة ؟ هل يمكن أن تعطل بعض الحدود التي وردت نصا في كتاب الله كقطع يد السارق ، وهي معطلة بالفعل في جميع الشعوب الإسلامية ماعدا الحجاز ؟ إلى آخر هذه المسائل التى تبرز بين حين وآخر ويختلف عليها الرأي .
ونحن نرى أن الإسلام يجتاز اليوم فترة حاسمة من فترات التاريخ ، وجد ذلك الجمود الذي أصاب أهله ، وسوف تشهد الأجيال المستقبلة تغييرات عجيبة تشبه تلك التى شهدها هذا الجيل ، وهي تغييرات سوف ترفع من شأن المسلمين بعد خفض ، وتبدل أحوالهم إلى عز بعد ذل ، مادام المسلمون قد تنبهوا إلى أنفسهم ، واشتد فيهم الوعي ، " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ".

