وافتنا الأنباء الأخيرة بنعي مكسيم جوركي شيخ الأدب الروسي المعاصر. توفي بعد مرض طويل مضن في نحو الثامنة والستين من عمره. وبوفاة جوركي يختتم ثبت أكابر الكتاب الثوريين الذين مهدوا بكتاباتهم للثورة الاجتماعية الروسية الكبرى أعني الثورة البلشفية، وسيادة الطبقات العاملة، مثل ليون تولستوي، والبرنس كورباتكين. وكان مولد جوركي ببلدة (نجني نفجرود) من أعمال الفولجا في سنة ١٨٦٨، ومن أسرة عاملة فقيرة، وأسمه الحقيقي ألكسي مكسينوفتش بتشكوف؛ ومات أبوه وهو طفل فكفلته جدته لأمه؛ ولم يتلق لفقره تربية، بل أضطر منذ حداثته أن يعمل ليعيش؛ فالتحق في التاسعة من عمره بخدمة محل لصنع الأحذية. ولبث يتنقل من عمل إلى عمل، وهو يعاني شظف البؤس، ولا يكاد يثبت في عمل ما، لأنه كان منذ حداثته يبدي مللاً مستمراً ونزوعاً إلى الثورة. وكان الفتى ألكسي مع ذلك يختلس الأوقات للقراءة والاهتمام بشؤون السياسة والثورة. وفي سنة ١٨٩٢، استطاع جوركي أن يخرج كتابه الأول (ما كان شودرا) ، وفيه صور قصصية مؤثرة؛ وفي العام التالي أخرج كتابه (شلكاش) على مثل كتابه الأول فصادف نجاحاً كبيراً. وتبوأ الفتى (جوركي) مكانته كأديب وكاتب يحسب حسابه؛ وفي ذلك الحين أيضاً قبض على جوركي لما بدا في كتاباته من النزعة الثورية وأودع السجن، ومرض فيه حتى كاد يموت؛ ولكنه ما كاد يخرج حتى عاد إلى الكتابة؛ وأخذ يطوف أرجاء روسيا متصلاً بزعماء المجاهدين والكتاب الثوريين. وفي سنة ١٩٠٠ أخرج جوركي قصته الكبيرة (توما جوردييف) ، فلقيت نجاحاً كبيراً. واتصل منذ أواخر القرن الماضي بفلادمير إلتش أو (لنين) زعيم الثورة البلشفية المستقبلة وصحبه؛ واشتغل بالصحافة الثورية؛ واستمر مع ذلك
في إخراج كتبه؛ وكانت معظم كتبه في ذلك الحين قصصاً ثورية تمثل بؤس الطبقات العاملة التي عرفها وعانى ويلاتها صغيرا؛ وفي ذلك يصل جوركي إلى ذروة فنه؛ بيد أنه لم يتمكن قط من وصف المجتمع الرفيع بمثل هذه البراعة؛ وكان ذلك وقفاً على أقطاب درسوا الحياة الرفيعة مثل ليون تولستوي. وأحسن ما يصف جوركي تلك الشخصيات الناقمة التي تخرج على النظم والأغلال الاجتماعية المفروضة، وهي في الواقع شخصية جوركي ذاته.
وعرف جوركي ظلام السجن أكثر من مرة؛ ولكنه كان في كل مرة يخرج أقوى نفساً وأثبت عزماً على الكفاح. وفي سنة ١٩٠٦ سافر إلى أمريكا موفداً من الجمعيات الثورية الروسية ليدعو إلى قضية الحرية الروسية. ولكنه لم يلق النجاح المرغوب، لما عرف أن السيدة التي ترافقه هي صاحبته وليست زوجته؛ وقام أيضاً بالتجوال في ألمانيا وفرنسا ليدعو ضد القرض الذي كانت تحاول القيصرية عقده، وهو ينذر بأن الشعب الروسي لن يدفعه؛ ولكن مساعيه خابت وعقدت روسيا هذا القرض في فرنسا قبيل الحرب؛ ومع ذلك فقد صحت نبوءته، وجاءت الحكومة البلشفية فأعلنت إلغاء ديون القيصرية كلها.
وعاد جوركي إلى روسيا قبيل الحرب وأسس مجلة أدبية ثورية؛ ثم كانت الحرب، فتفرق زعماء الثورة في كل مكان، ولبث جوركي في روسيا، حتى كانت الثورة البلشفية، فظهر عندئذ في طليعة زعماء الثورة؛ وقربه لينين. وكان جوركي يحترم الرجل الذي حطم طغيان القياصرة، وحقق سيادة الطبقات العاملة، أعني لينين، ويذهب في هذا الاحترام إلى حد التقديس والعبادة. وغدا جوركي من أقطاب النظام الجديد، وغدا لسانه وزعيمه الأدبي؛ وأغدقت عليه الحكومة البلشفية رعايتها. ومنذ نحو عشرين عاماً يقود جوركي الحركة الأدبية الحديثة في روسيا، ويغذيها بروحه الثوري المضطرم
وأخرج جوركي في تلك الفترة عدة كتب رائعة: منها (الشريدون) و (ذكريات الشباب) و (المتفرج) و (كوموفالوف) ، وهو أعظم كتبه؛ و (الأعماق السفلى) وهي قطعة مسرحية قوية؛ وغيرها.
والخلاصة أن جوركي يعتبر من أعظم زعماء الأدب الروسي المعاصر. وقد نوه البرنس كوروباتكن في كتابه عن الأدب الروسي بعبقرية جوركي الأدبية والفلسفية
