الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 387 الرجوع إلى "الثقافة"

ملاحظات بسيطة، تميط اللئام عن جريمة قتل

Share

] في كل جريمة تقع بعض تصرفات غير طبيعية تكفى إذا تنبه لملاحظتها عقل منطقى دقيق خبير بطبائع النفوس البشرية لأن تميط اللئام عن سرها ودوافعها وتهدى لفاعليها[

هذه قصة واقعية حدثت بإحدي مدن أمريكا في أغسطس سنة ١٩٢٢ . وهي قصة عادية يتكرر مثلها فى عالم الإجرام فى كل البلاد ، وليس الفرض سرد حوادث تثير اهتمام القراء ، ولكننا نقصد إلى عرض اسلوب البحث والتحقيق المثمر فى مثل هذه الحالات .

وقمائع الجريمة؛

وجد أحد التجار في إحدى مدن أمريكا مقتولا فى مسكنه الخاص الذى يقطن فيه هو وزوجته وحدهما. ووجدت زوجته وقد أوثقت برباط إلى مقعد فى المطبخ ، وذكرت الزوجة أنها أحست حوالى الساعة الثانية بعد منتصف تلك الليلة بحركة في المنزل ، فهبت من نومها واتجهت إلى المطبخ مخترقة قاعة الطعام التي تتوسط الشقة ، فلم تشعر إلا بهجوم رجلين عليها جاءاها من خلفها وسارع أحدهما بسد فمها حتى لا تصيح ثم تعاونا معا على شدها بوثاق متين إلى مقعد بالمطبخ ، وبقى أحدهما معها وتسلل الآخر إلى عرفة النوم حيث يرقد زوجها ، وبعد ذلك بلحظة سمعت طلقا ناريا ، وعلمت أن زوجها قتل . وكل ما استطاعت أن تتبينه من ملامح الجانبين أن أحدهما طويل ، والآخر قصير .

وتولى رجال التحقيق بحث الوقائع واتضح لهم أن القتل كان بقصد سرقة مبلغ سحبته الزوجة فى نفس اليوم من البنك ، وبعد تعقب كل من يشتبه فيهم فى

الجهة ، وتعرف كل من يصح أن يكون قد حام حول البنك فى ذلك اليوم منهم ، لم يستطع التحقيق أن يصل إلى نتيجة في تحديد الفاعل في هذه الجريمة .

وبعد ثلاثة أيام من الحادث رأى المحقق أن يستعين بخبير من رجال المباحث معروف بخبرته الواسعة بالجرائم والمجرمين وقد سبق أن أماط اللئام عن أسرار كثير من الجرائم الغامضة.

الخبير بتولي بحث القضية :

حضر هذا الخبير وهو رجل هادىء بسيط لا يكاد يشعر الرائى بأنه رجل غير عادى ، وهو في الواقع ليس أكثر من ذلك ، وكل ميزتهه أنه يستطيع أن يكشف ما هو غير عادى من التصرفات التى تصدر عن المجرمين ، وبذلك يمسك بالخيط الذى يجذب به الحقائق من أعماقها .

كان أول ما قام به الخبير أن اتصل بالمحقق واستمع إلى ما أورده من الوقائع وما اتجهت إليه شبهته . وأراد المحقق أن يتصل بالمشتبه فيهم ويستمع إلى أقوالهم . ولكنه قال برفق إنه يفضل أن يبدأ بزيارة مكان الجريمة . فوافقه المحقق وقال له إنه سيجد هناك أرملة القتيل وقد يستفيد منها بعض الفائدة على الرغم من فداحة ما تشعر به من الألم للفاجعة التي رزأت بها.

قصد الخبير إلي سكن القتيل تصحبه سكرتيرته الخاصة التى تدون كل ما يقوم به ، فوجد الأرملة جالسة ، وبيدها انجيل تقرؤه ، فقال لها :

- صباح الخير يا سيدتى إنى أنا رجل المباحث الذى استدعي للنظر في القضية ، وإنى أرجو ألا أزعجك كثيرا ، فأنى أعلم مبلغ ما سببته لك الفاجعة من متاعب وما أرهقك به رجال التحقيق من أسئلة . وكل ما أرجوه أن تأذنى لى بإلقاء نظرة على المسكن ومحتوياته. فشكرته السيدة وانفجرت باكية ، فربت كتفها

وطيب خاطرها قائلا لها : ما جدوى البكاء ، وهو لا يرجع ذاهبا ؟

ثم انصرف إلي مهمته وأخذ يرسم تخطيطا للمسكن وغرفه ، والشقة مكونة من ثلاث غرف إحداها للنوم وبها سرير واحد ينام عليه الزوجان ، وغرفة جلوس ، وكلتا الغرفتين لهما منافذ خارجية على الشارع ، ثم تليهما قاعة الطعام وليس لها نوافذ على الخارج ، ثم تتصل قاعة الطعام بالمطبخ وهو واقع على شارع عام وبه منافد ، وبعد أن أتم المعاينة وأتم الرسم ، عاد إلى السيدة وقال :

- والآن أيتها السيدة أرجو منك أن تتفضلى إذا لم يكن في ذلك إزعاج لك بتمثيل ماحدث تماما فى تلك الليلة . - لقد كنت نائمة في الغرفة مع زوجى - وأين كان وضعك وأنت نائمة ؟ كنت على الطرف الخارجى . - حسن . هذا يفسر قيامك على أثر سماعك الحركة دون أن يستيقظ زوجك . - وسمعت حركة فخرجت من الغرفة إلي قاعة الطعام متجهة نحو المطبخ.

- أظن يا سيدتى أن الليلة كانت مقمرة ولابد أن الضوء كان يتسرب إلى السكان من النوافذ . - هذا صحيح . ولكن قاعة الطعام لم تكن مضيئة بدرجة كافية . ولهذا لم أنتبه لوجود أحد ولم أشعر وأنا على أبواب المطبخ إلا وقد هو هوجمت من الخلف . وسارع أحد المهاجمين إلى سد فمى وتقييد حركتى بينما أسرع الآخر إلى شد وثاقى وربطت إلى مقعد بالمطبخ.

- هل تبينت ملامح الرجلين ؟ أظن ضوء القمر فى المطبخ كان يسمح بشىء من ذلك . - أنت تدرى حالة الإنسان في مثل هذه الظروف . كل ما استطعت أن أتبينه أن أحدهما طويل والآخر قصير .

- وهل كان الطويل يلبس قبعة صغيرة وبعض على عينيه نظارة سوداء ؟ - يالله ! هذا صحيح . كيف غابت عنى هذه الملاحظة فلم أذكرها إلا الآن وأنت توردها ؟ - استمرى يا سيدتى - ثم تسلل الرجل القصير إلى غرفة النوم وسمعت طلقا ناريا. - ماذا حدث عند سماع الطلق ؟ هل قال أحد الرجلين شيئا ؟

- نعم . قال الرجل الطويل القائم إلى جوارى عند ما سمع الطلق : ما هذا ؟ هل كانت له ضرورة ؟ فأجابه القصير من الغرفة : لم يكن من ذلك بد ، فقد استيقظ الرجل وأراد مقاومتى . - وأين كان المال الذى سرق ؟ _كان تحت الوسادة . - شكرا يا سيدتى. والتفت الخبير إلي سكرتيرته وسألها إن كانت قد أثبتت ذلك كله . ثم استأذنا وانصرفا .

وبينما هو خارج التقى الخبير بطائفة من مكاتبى الصحف سمعوا بنبأ حضوره فبادروا ليتحسسوا منه جديدا عن القضية ، فقال لهم : لقد أعطتنى أرملة القتيل أوصاف أحد الرجلين وقد كنت كونت عند حضورى فكرة عن القاتل ، وأظننى قد انهيت إلى ما يؤيد فكرتى .

وقصد الخبير إلى المحقق مسارع إليه بلهفة قائلا : ما وراءك ؟ لقد نقل إلى الصحفيون أنك اهتديت إلى الفاعل ، فمن هو ؟

فقال : ستتبينه عند ما تسمع المحضر من سكرتيرتي . وأمرها أن تتلو المحضر ، وبعد أن فرغت من تلاوته . قال المحقق لم تزدنا جديدا ، فكل ما ذكرته كنا نعرفه

من قبل ،وأين من هذا ما تقوله من أنك اكتشفت القاتل ؟ إن كل ما وصلت إليه أنك علمت أن القاتل كان يلبس قبعة صغيرة ويضع منظارا على عينيه - وهى معلومات قيمة أعجب كيف فات الأرملة ذكرها لنا - ولكن كيف أستطيع من هذه الأوصاف وحدها الاهتداء إليه . فقال له الخبير : إذا لم تستطع من هذا المحضر أن تحدس من القاتل ! إن القاتل ياسيدى هو أرملة القتيل.

- هذا عجيب ! إنها امرأة صالحة معروفة بالاستقامة والمواظبة على الكنيسة ، وفوق ذلك فقد وجد فى فمها وجسمها آثار مجهوداتها مع القاتلين .

- اسمع ياسيدى حجتى القاطمة في أنها هى القاتلة : أولا - لقد ذكرت أن أحد الرجلين بعد أن سمع الطلق خاطب الآخر قائلا : لماذا قتلته ؟ وهل كانت هناك ضرورة ؟ فأجابه الآخر قائلا : لقد استيقظ وأراد المقاومة فلم يكن من قتله بد .

هل تتصور أن هذا طبيعى ؟ ضع نفسك مكان أحد الرجلين وتصور أنك سمعت طلقا في الغرفة الأخرى ، فهل تقطع بأن المقتول هو الرجل النائم لا زميلك وتخاطبه بلهجة الواثق مؤنبا ؟ إن حالة الشك والذعر والقلق التى تداخلك لا تسمح بمثل هذا الوثوق . فهى قصة غير طبيعية تتم عن الوضع والاختلاق

ثانيا - لقد ذكرت أنها سمعت حركة فقامت من يومها لتتبينها . هل هذا طبيعي ؟ هل تعلم أن امراة فى الوجود ترقد إلى جار زوجها فتحس بحركة غير عادية تبعث على الهلع فتقوم من غير أن توقظ زوجها لتتولى بنفسها تبينها ؟ أليس الطبيعى أن تبادر إلي إزعاجه وتحمله على أن يقوم هو بنفسه لحمايتها ودرء الخطر عنها ؟

أما الوثاق والجروح والبكاء والأنجيل فكلها حيل بدائية يلجأ إليها البسطاء من المجرمين.

اشترك في نشرتنا البريدية