الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد الرابعالرجوع إلى "الرسالة"

ملكة الجمال, ملكة الجمال

Share

هناك ابتسامة تتردد كثيراً قبل أن  ترتسم على بعض الثغور. وتتألق فى  بعض الوجوه. أو قل إن هناك ثغوراً  ووجوها تتردد كثيرا قبل أن تقبل أن  ترتسم عليها، وتتألق فيها بعض  الابتسامات. أو قل إن هناك نفوسا تتردد كثيرا قبل أن تتخذ ثغورها  ووجوهها مظاهر لهذا الذي يعرب  عنه الابتسام فى بعض الظروف. وقد  فكرت فى هذه الابتسامة المترددة.  وفى هذه الثغور والوجوه والنفوس  التى تتردد بين الرضا والسخط، وبين ما يظهرهما، ويدل عليهما من الابتسام  والعبوس، حين قرأت فى الصحف  أخبار ملكة الجمال وتشريفها لمصر  بزيارتها السعيدة الموفقة.

فكرت فى هذه الابتسامة المترددة،  لأنى أحسست ترددها على شفتى،  فرأيتهما تحاولان الانبساط ثم تعودان

فتنفرجان وتنبسطان بالابتسامة، ثم  تستقر عليهما هذه الابتسامة التى كانت  مترددة؛ ولكنها تستقر فى سخرية إلا  تكن شديدة المرارة، فليس فيها شىء  من حلاوة الرضا. ذلك لأنى لا أدرى  أوفقت الإنسانية حين فتحت على نفسها  هذا الباب الظريف السخيف، الذى  يدخل عليها منه ظرف كثير، ويدخل  عليها منه سخف كثير؟ ومن يدرى  لعل الظرف والسخف صديقان لا  يفترقان، وحليفان لن يختصما، أو تتغير  الأرض ومن عليها وما عليها. وهذا  الباب الظريف السخيف الذى يبعث  الرضا ويبعث السخط، والذى يغيظ  ويلهى هو باب المسابقة إلى الفوز  بسلطان الجمال!

خطرت هذه الفكرة لكاتب  فرنسى، ليس هو من المتعمقين فى الجد،  ولا هو من المتهالكين على الهزل.  وإنما هو كاتب خفيف ظريف، يرضى  فى سهولة، ويرضى الناس فى يسر،  وتنفق عندهم سوقه فى غير مشقة. وأكبر  الظن انه يسخر من الناس ومن نفسه

وأكبر الظن انه إنما يرضى الناس ويعجبهم لأنه يسخر منهم  يستهزئ بهم ويخيل إليهم أنه يجد كل الجد حين يسوق إليهم  الأحاديث، مع أنه لا يزيد على أن يهزل أشد الهزل وألطفه، ولعله  إنما يفعل هذا كله، فيهزل جاداً ويجد هازلاً لأنه صحفى، أو قل لعله  إنما أصبح صحفيا رائجا نافق السوق لأنه يفعل هذا كله. وأنا اعتذر  إلى الصحفيين ولكنى أعتقد أن صاحبة الجلالة الصحافة إنما أقامت عرشها العظيم على هذه الدعائم المتينة الصلبة من سياسة الجمهور. وإنما تساس الجماهير فى ظل الديمقراطية أحسن سياسة وأجداها  حين تلبس لها ثوب الجد وأنت تهزل، وترتدى لها رداء الهزل  وأنت تجد، وتظهر لها على كل حال من نفسك ما تريد أن تظهر  لا ما ينبغى أن تظهر. هذا الكاتب الفرنسى اللبق الذى فتح  للإنسانية باب الجمال على مصراعيه وأثار فى رءوسها الفارغة فكرة  المسابقة إلى سلطان الحسن هو (موريس دواليف). خطرت له هذه  الخاطرة ذات يوم وهو يمزح، أو ذات ليل وهو يلهو، فتحدث فيها  إلى صديق أو صديقين ثم إلى زميل أو زميلين ثم إلى إدارة الجورنال  ثم إلى صحيفة الجورنال. وما أصبح الصباح حتى ملأت الفكرة باريس. وما أمس المساء حتى ملأت الفكرة فرنسا. وما كان  الغد حتى ملأت الفكرة أوربا، وما مضت أيام حتى ملأت الفكرة  الأرض كلها ولعبت برؤوس الناس جميعا. وهذا مصدر آخر من  المصادر المادية لسلطان صاحبة الجلالة الصحافة هو أنها ترى الرأى  فإذا هو أمام الناس جميعا أو أمام جماعات ضخمة منهم فى وقت  واحد أو فى أوقات متقاربة. ومن حوله المغريات والمرغبات  والمثيرات للميل. فيلقى الناس بعضهم بعضا وقد قرأوا الصحيفة وإذا  هم يتساءلون: وما رأيك فى هذه الفكرة الطريفة الظريفة معا فكرة  موريس دواليف فى هذه المسابقة التى ستدعى إليها الفتيات لإظهار ما لهن من جمال بارع وحسن فتان. ثم تعود أصداء الدعوة من  باريس وفرنسا وأوربا وأطراف الأرض إلى الجورنال، وإذا  الفكرة قيمة، وإذا التجربة الأولى تهيأ ثم تتم، وإذا للجمال ملكة فى  فرنسا، وإذا البلاد الأخرى تسير مسيرة فرنسا، وإذا لكل بلد ملكة للجمال، وإذا المسابقة أوربية بين صاحبات الجلالة القومية. وإذا  لأوربا ملكة، ثم للعالم كله ملكة، وإذا نظام جديد قد أقيم، وإذا  الديمقراطية المتطرفة والاشتراكية الغالية والأرستقراطية المعتدلة والأوتقراطية المسرفة. كل هذه النظم المختلفة المتباعدة قد اتفقت  على الإذعان لسلطان الجمال.

(البقية على صفحة ٤١)

(بقية المنشور على صفحة ٤)

ولكن سلطان الجمال وان استعار ألقاب الملكية، أحاط نفسه  بألوان القوة وضروب الأبهة، ضعيف نحيف، فاتر قصير المدى كالجمال  نفسه، فهو ملك، ولكنه أشبه بالجمهورية، وأي جمهورية؟ أشبه  بالجمهورية القديمة؛ جمهورية اليونان والرومان لا يدوم السلطان فيه  لصاحبته أكثر من سنة، وهو ملك، ولكنه لا يورث، وانما يكسب  بالانتخاب، وأى انتخاب!! انتخاب ضيق محدود متأثر بالأغراض  والأعراض السياسية فى كثير من الأحيان، فيجب أن يكون ملك  الجمال قسمة بين الشعوب تتبادل سلطانه فيما بينها، تظفر به فرنسا  ثم تمره الى بلجيكا، وهذه تمره الى هولندا، وعلى هذا النحو حتى يكون لكل شعب حظه من هذه السيادة العالمية البريئة. البريئة؟  مسألة فيها نظر! فهى سيادة بريئة بالقياس الى الشعوب والأقاليم  والمدن والقرى، ولكن براءتها تتعرض للشك والخطر فى كثير من  الأحيان، ذلك أن هذا الملك الطارئ السريع الزوال يعبث برءوس

الملكات وأسرهن، ومن طبيعة الملك أن يعبث بالرءوس الا اذا  اعتمد على دستور صحيح متين، وليس لملك الجمال دستور، وملك  الجمال لا يعبث برءوس الملكات وحدهن، وانما يعبث برءوس  كثير من الرعية أيضا، من الشبان والشيوخ وأصحاب الملاعب  والمراقص والسينما، ثم ملك الجمال فصيح على هذا العبث، فهو  يجرى أقلام الكتاب فى الصحف، ويطلق ألسنة السيدات فى  الصالونات، ويزيد هذا كله فى الدوار واضطراب العقول. لذلك  لا تكاد ملكة ترقى الى عرش الجمال حتى يصبح مصيرها بعد الخلع - أستغفر الله - بعد الاعتزال مشكوكا فيه. وأكبر الظن أنها  صائرة الى ملعب من ملاعب اللهو، أو ناد من أندية الرقص، أو  دار من دور السينما، أو الى هذه جميعا.

فملك الجمال فى حاجة الى دستور يضمن الملكة الا يكون  ارتقاؤها الى العرش وسيلة الى ابتذالها.

على أن ناحية أخرى من نواحى هذا العبث الذى يعبثه ملك  الجمال بالعقول خليقة بالملاحظة، فملكات الجمال يؤمن بملكهن  عادة، ويصدقن أنهن ملكات حقا، وكثيرا ما تؤمن لهن الجماعات  بهذا الملك، فيصبح المزاح جدا واللعب حقا لا شك فيه، وينشأ عن  هذا الجد الطارئ وعن هذه الحقيقة الاضافية الموقوتة التى لم يفكر  فيها اينيشتين بعد، لون من الحياة الذى يبعث هذه الابتسامات  المترددة التى تحدثت عنها أول هذا الفصل.

انظر الى ملكة الجمال التى شرفت مصر بزيارتها هذه الأيام  لم تكد تهم بهذه الزيارة حتى سبقتها الأنباء فطربنا واستشعرنا شيئا  من الغبطة لا حد له وتفضلت صاحبة الجلالة الصحافة فقامت لزميلتها  فى الملك بما يجب من الاعلان ونشر الدعوة. ثم وصلت ملكة  الجمال فلم يكن بد لصاحبة الجلالة الجميلة من أن تتناول الشاى عند  صاحبة الجلالة الفصيحة البليغة. وكانت دار الجهاد ملتقى الملكتين  على مائدة صديقى توفيق دياب، وتفضلت الملكتان ملكة الجمال  وملكة الكلام بشىء من العطف الغالى الكثير على طائفة من  الرعية المولهة المفتونة، وكنت ممن مسهم هذا العطف. ولكن ملكة  أخرى ثقيلة ممقوتة تبسط سلطانها الآثم على الناس فى الشتاء وهى  صاحبة الجلالة البغيضة الأنفلونزا حالت بينى وبين الاستمتاع بهذا  العطف السامى من صاحبة الجلالة الجميلة وصاحبة الجلالة الفصيحة.  فأسفت وما أشد ما أسفت!

وملكة الجمال ظريفة كما ينبغى أن تكون فلم تكد تصل الى  مصر حتى أدت طائفة من الواجبات بفرضها عليها جلال الملك

وسماحة الجمال فقيدت اسمها فى قصرها الملكى العالى ثم ثبت  فزارت رئيس الوزراء. فلما فرغت من السلطة التنفيذية تعطفت  على السلطة التشريعية فتفضلت بزيارة البرلمان. فأدى وكلاء الأمة  واجبهم بين يدى جلالتها كأحسن ما تكون التأدبة.

ثم لم تنكد صاحبة الجلالة تفرغ من مصر الرسمية حتى تفضلت  ففكرت فى مصر المعارضة. والملك فوق الأحزاب فتعطفت بزيارة  حضرة صاحب الدولة رئيس الوفد المصرى ثم فكرت فى مصر  التى لا تشتغل بالسياسة وانما تشتغل بالاصلاح الاجتماعى والاقتصادى  فتفضلت بزيارة حضرة صاحبة العصمة رئيسة الاتحاد النسائى وزارت  دار الاتحاد وشهدت فيه التمثيل وزارت دور الصناعة والتجارة  وهى فى هذه الزيارات تؤدى لكل حقه بما فطرت عليه من جمال  وظرف وأدب ورشاقة وخفة روح، واذا جلالة أخرى رسمية تشرف  مصر وهى الجلالة الايطالية فينقطع حديث الجمال ويبتدئ حديث  السياسة. وليست هذه الصحيفة من السياسة فى قليل ولا كثير. فلتكتف اذا بأن ترحب فى صدق واخلاص بصاحبى الجلالة الايطالية  ثم لتعد الى ملكة الجمال، فلتتمن لها التوفيق بعد الملك كما وفقت  أثناء الملك ولتلتفت بعد ذلك الى القارئ الكريم فننصح له بأن  يقرأ قصة تمثيلية بديعة أنشأها الكاتبان الفرنسيان جورج بيرولويس  فرنويل، موضوعها ملكة الجمال وعنوانها (مس فرانس) فسيجد القارئ  فى هذه القصة جدا وهزلا وفكاهة وصراحة ولذة قوية على كل حال ،

اشترك في نشرتنا البريدية