الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 468 الرجوع إلى "الثقافة"

ملك سليمان

Share

كان لبنى إسرائيل فى سالف العصر والأوان مملكة تشغل رقعة ضيقة من الأرض لا تقاس بأية امبراطورية من الإمبراطوريات التى عرفها التاريخ . ولبثت هذه المملكة فترة قصيرة لا تعد شيئا مذكورا فى أعمار الممالك ، وتكاد تكون لمحة خاطفة فى تاريخ الأمم . ثم أدركها الفناء وقضت عليها عوامل الضعف والتفكك فى كيانها ، وشرد اليهود فى أقطار الأرض منذ ذلك الحين البعيد .

وقع المتعبدون منهم ببكاء أطلال مجدهم الدارس ، والتحسر على ملكهم الضائع . ثم أدركهم اليأس ، وغلبتهم غريزة البقاء ، فطووا صفحة الماضى ، ورضوا بأن يعيشوا فى مختلف الجماعات التى نزحوا إليها أفرادا عاديين يمارسون من ألوان النشاط ما يكفل لهم الرزق والطمأنينة فى بيئاتهم الجديدة .

ولكن طبيعتهم الخاصة التى انتقلت فى أصلابهم من أبعد العهود جعلتهم فى شبه عزلة عن مواطنيهم ، وعلى الرغم من محاولتهم الانخراط فى جنسباتهم الجديدة ، فقد ظلوا يدينون بالولاء الأول لتلك الفكرة المبهمة التى تلايس نفوسهم ، وهى الفكرة التى تخلط الوطن بالدين ، وتوحى لهم أن لهم كيانا خاصا يتصل بغير الوطن الذى يعيشون فيه .

ولقد كان لهذا الشعور منهم بعزلتهم أثره فى نشاطهم

الكبير لتوفير أسباب اليسر والقوة المادية ليكون لهم فيهما عوض عما ينقصهم من المكانة الاجتماعية ، وساعدتهم خصائصهم الموروثة على النجاح فى هذا السبيل ، فهم بطبيعتهم أقل حرجا من اصطناع بعض الوسائل والأساليب التى يترفع عنها غيرهم .

وامتد نجاحهم المادى حتى أصبحوا يسيطرون على شبكة من الأعمال فى مختلف الأقطار ، ثم استغلوا هذه القوة العظيمة فى التأثير فى الحكومات والشعوب .

ولم يكد القوم يحسون ما أصبح لهم من قوة وتأثير ، حتى استيفظت فى نفوس فريق منهم احلام الماضى ، وامتد خيالهم إلى حد الطموح إلى استعادة مجدهم القديم ، وملك سليمان الذى أصبح فى ذمة التاريخ .

وجاءت الحرب العظمى الأولى فاستطاعوا بنفوذهم أن يستخلصوا من بريطانيا وعد بلفور المشئوم الذى مهد لهم الطريق للهجرة إلى فلسطين .

ثم انتهت الحرب العالمية الأولى وقد رسخت لهم فى فلسطين قدم ، وعاونتهم إنجلترا على المضى فى تحقيق أحلامهم ، فأزهقت الثورة العربية وسمحت لجموعهم بالتدفق فى أرض فلسطين .

وحدثت محنة اليهود فى ألمانيا واستغلها دعاة الصهيونية

لاستدرار عطف العالم عليهم وتحويل هذا العطف إلى تأييد هجرتهم لأرض الميعاد التى مدتهم بها أساطيرهم .

وانتهت الحرب العالمية الثانية ، وإذا اليهود قد أصبح لهم فى فلسطين جموع كثيرة ، وإذا هذه الجموع تتلقى المعونة المنظمة من يهود العالم ومن يهود أمريكا بصفة خاصة ، وإذا لهم فيها مدن ومستعمرات ومصانع وجبوش مجهزة ، وإذا بالقوم لا يقنعون بهجرة عدد محدود بقدر ما تستطيع تلك الرقعة الضيقة احتماله ، وإذا بهم لا يقنعون بأن يكون لهم فى فلسطين وطن قومى . بل يريدونه دولة يهودية مستقلة ذات جيوش وأساطيل ، وإذا بأحلامهم لا تقف عند جزء من فلسطين ، بل تتطلع إلى الشرق الأدنى كله ليكون لهم مجالا حيويا ، وإذا بهم لا يقفون فى خيالهم عند ذلك ، بل يرون أنهم شعب الله المختار ، وأن لهم من المزايا والحيل ما يستطيعون به حكم العالم بأسره .

وتحس بربطانيا هذا الخطرالصهيونى الذى يخشى إذا استفحل أن يقضى على نفوذها ، فتحاول أن تغير سياستها وتضع له حدا ، فتتحرك عصابات اليهود للاعتداء على جنود بريطانيا ومقار حكمها ، وتتلقى بريطانيا ذلك بصبر عجيب؛ فهى تعلم نفوذ اليهود فى بلادها وفى أمركا التى تنطلع إلى مساعدتها لها فى ظروف شدتها الاقتصادية ، وتصالح اليهود ، و تمد لهم فى حبل الصبر حتي أعياها . ثم نرى أنها قد اغضبت العرب وجنت عليهم بإحلال هذا العنصر الغريب فى ديارهم ، وخسرت بذلك صداقتهم ، وهى قد خسرت صداقة الصهيونيين وأفلت من يدها قيادهم ، فتلجأ إلى هيئة الأمم تستميلها على حل المشكل ، وتنذر الهيئة بأنها ستنقض يدها من فلسطين .

ثم كانت مهزلة التحكيم فى هيئة الأمم ، واتفقت أمريكا وروسيا على التقسيم وراحتا تؤثران فى الدول الصغرى بمختلف وسائل الإكراه والإغراء ، حتى ظفرت الصهيونية بأغلبية مزيفة تقر التقسيم .

ثم ماذا ؟ لقد ترك أمر التنفيذ لمجلس الأمن ، ولا ندرى كيف ينفذه وبأية قوة حربية يفرضه . أبالقوة الروسية وأمريكا وبريطانيا تعلمان أن جنود البلشفية إذا دخلوا الشرق الأدنى كان فى ذلك أكبر الخطر عليهم ؟ أبالقوة الأمريكية ، وأمريكا سخية بالمال ضنينة بالرجال ، وإذا سمح للآمريكان بالعمل اقتضى المنطق أن يسمح لروسيا بمثله . وهو أخشى ما يخشونه ؟ أبقوة بريطانيا وقد أعلنت قرب انسحاب جنودها ورفضها الاشتراك فى تنفيذ هذا القرار ؟ أبخليط من الدول الصغرى وهى لا ناقة لها فى الأمر ولا جمل ؟

إذا لم يبق إلا أن يترك الأمر للصهيونيين والعرب ، والصهيونيون أعلم الناس بأن ذلك معناه القضاء النهائى عليهم وعلى دولتهم ؛ فالعرب وإن كانوا فيما يبدو أقل استعدادا فى الحاضر ، ولكنهم أكثر عددا وأقدر على مواصلة القتال ، وقد صحت كلمة الشعوب العربية على معاونة عرب فلسطين فى دفع هذا العدوان عليهم .

إن الأمر فيما يبدو كان خطوة لم يحسب حسابها كله ، وقد استعجل الصهيون نهايتهم .

وبعد ، فإن الصهيونيين قد يغيب عنهم فى نشوتهم الحاضرة أنهم إذا قدر لهم أن تكون لهم دولة فإن ذلك تذير بإضعاف شأنهم فى العالم كله ، فسيصير اليهود فى كل مكان غرباء حقيقيين بعد أن كانوا مواطنين صوريين ، وسيقل العطف العالمى عليهم بعد أن صارت لهم دولة تتولى مهمة العناية بشأنهم ، وسيفقدون سيطرتهم المالية ، ويقل نفوذهم فى مختلف الدول ، ثم هم بعد أن تصير لهم مملكة سيفقدون كل خصائصهم التى إنما قواها ضعفهم وصهرتها الظروف الشديدة التى مرت بهم .

على أنهم ليسوا ببالغى هذه المرحلة ، وسيعلمون أى منقلب ينقلبون .

اشترك في نشرتنا البريدية