كان لبنى إسرائيل فى سالف العصر والأوان مملكة تشغل رقعة ضيقة من الأرض لا تقاس بأية امبراطورية من الإمبراطوريات التى عرفها التاريخ . ولبثت هذه المملكة فترة قصيرة لا تعد شيئا مذكورا فى أعمار الممالك ، وتكاد تكون لمحة خاطفة فى تاريخ الأمم . ثم أدركها الفناء وقضت عليها عوامل الضعف والتفكك فى كيانها ، وشرد اليهود فى أقطار الأرض منذ ذلك الحين البعيد .
وقع المتعبدون منهم ببكاء أطلال مجدهم الدارس ، والتحسر على ملكهم الضائع . ثم أدركهم اليأس ، وغلبتهم غريزة البقاء ، فطووا صفحة الماضى ، ورضوا بأن يعيشوا فى مختلف الجماعات التى نزحوا إليها أفرادا عاديين يمارسون من ألوان النشاط ما يكفل لهم الرزق والطمأنينة فى بيئاتهم الجديدة .
ولكن طبيعتهم الخاصة التى انتقلت فى أصلابهم من أبعد العهود جعلتهم فى شبه عزلة عن مواطنيهم ، وعلى الرغم من محاولتهم الانخراط فى جنسباتهم الجديدة ، فقد ظلوا يدينون بالولاء الأول لتلك الفكرة المبهمة التى تلايس نفوسهم ، وهى الفكرة التى تخلط الوطن بالدين ، وتوحى لهم أن لهم كيانا خاصا يتصل بغير الوطن الذى يعيشون فيه .
ولقد كان لهذا الشعور منهم بعزلتهم أثره فى نشاطهم
الكبير لتوفير أسباب اليسر والقوة المادية ليكون لهم فيهما عوض عما ينقصهم من المكانة الاجتماعية ، وساعدتهم خصائصهم الموروثة على النجاح فى هذا السبيل ، فهم بطبيعتهم أقل حرجا من اصطناع بعض الوسائل والأساليب التى يترفع عنها غيرهم .
وامتد نجاحهم المادى حتى أصبحوا يسيطرون على شبكة من الأعمال فى مختلف الأقطار ، ثم استغلوا هذه القوة العظيمة فى التأثير فى الحكومات والشعوب .
ولم يكد القوم يحسون ما أصبح لهم من قوة وتأثير ، حتى استيفظت فى نفوس فريق منهم احلام الماضى ، وامتد خيالهم إلى حد الطموح إلى استعادة مجدهم القديم ، وملك سليمان الذى أصبح فى ذمة التاريخ .
وجاءت الحرب العظمى الأولى فاستطاعوا بنفوذهم أن يستخلصوا من بريطانيا وعد بلفور المشئوم الذى مهد لهم الطريق للهجرة إلى فلسطين .
ثم انتهت الحرب العالمية الأولى وقد رسخت لهم فى فلسطين قدم ، وعاونتهم إنجلترا على المضى فى تحقيق أحلامهم ، فأزهقت الثورة العربية وسمحت لجموعهم بالتدفق فى أرض فلسطين .
وحدثت محنة اليهود فى ألمانيا واستغلها دعاة الصهيونية
لاستدرار عطف العالم عليهم وتحويل هذا العطف إلى تأييد هجرتهم لأرض الميعاد التى مدتهم بها أساطيرهم .
وانتهت الحرب العالمية الثانية ، وإذا اليهود قد أصبح لهم فى فلسطين جموع كثيرة ، وإذا هذه الجموع تتلقى المعونة المنظمة من يهود العالم ومن يهود أمريكا بصفة خاصة ، وإذا لهم فيها مدن ومستعمرات ومصانع وجبوش مجهزة ، وإذا بالقوم لا يقنعون بهجرة عدد محدود بقدر ما تستطيع تلك الرقعة الضيقة احتماله ، وإذا بهم لا يقنعون بأن يكون لهم فى فلسطين وطن قومى . بل يريدونه دولة يهودية مستقلة ذات جيوش وأساطيل ، وإذا بأحلامهم لا تقف عند جزء من فلسطين ، بل تتطلع إلى الشرق الأدنى كله ليكون لهم مجالا حيويا ، وإذا بهم لا يقفون فى خيالهم عند ذلك ، بل يرون أنهم شعب الله المختار ، وأن لهم من المزايا والحيل ما يستطيعون به حكم العالم بأسره .
وتحس بربطانيا هذا الخطرالصهيونى الذى يخشى إذا استفحل أن يقضى على نفوذها ، فتحاول أن تغير سياستها وتضع له حدا ، فتتحرك عصابات اليهود للاعتداء على جنود بريطانيا ومقار حكمها ، وتتلقى بريطانيا ذلك بصبر عجيب؛ فهى تعلم نفوذ اليهود فى بلادها وفى أمركا التى تنطلع إلى مساعدتها لها فى ظروف شدتها الاقتصادية ، وتصالح اليهود ، و تمد لهم فى حبل الصبر حتي أعياها . ثم نرى أنها قد اغضبت العرب وجنت عليهم بإحلال هذا العنصر الغريب فى ديارهم ، وخسرت بذلك صداقتهم ، وهى قد خسرت صداقة الصهيونيين وأفلت من يدها قيادهم ، فتلجأ إلى هيئة الأمم تستميلها على حل المشكل ، وتنذر الهيئة بأنها ستنقض يدها من فلسطين .
ثم كانت مهزلة التحكيم فى هيئة الأمم ، واتفقت أمريكا وروسيا على التقسيم وراحتا تؤثران فى الدول الصغرى بمختلف وسائل الإكراه والإغراء ، حتى ظفرت الصهيونية بأغلبية مزيفة تقر التقسيم .
ثم ماذا ؟ لقد ترك أمر التنفيذ لمجلس الأمن ، ولا ندرى كيف ينفذه وبأية قوة حربية يفرضه . أبالقوة الروسية وأمريكا وبريطانيا تعلمان أن جنود البلشفية إذا دخلوا الشرق الأدنى كان فى ذلك أكبر الخطر عليهم ؟ أبالقوة الأمريكية ، وأمريكا سخية بالمال ضنينة بالرجال ، وإذا سمح للآمريكان بالعمل اقتضى المنطق أن يسمح لروسيا بمثله . وهو أخشى ما يخشونه ؟ أبقوة بريطانيا وقد أعلنت قرب انسحاب جنودها ورفضها الاشتراك فى تنفيذ هذا القرار ؟ أبخليط من الدول الصغرى وهى لا ناقة لها فى الأمر ولا جمل ؟
إذا لم يبق إلا أن يترك الأمر للصهيونيين والعرب ، والصهيونيون أعلم الناس بأن ذلك معناه القضاء النهائى عليهم وعلى دولتهم ؛ فالعرب وإن كانوا فيما يبدو أقل استعدادا فى الحاضر ، ولكنهم أكثر عددا وأقدر على مواصلة القتال ، وقد صحت كلمة الشعوب العربية على معاونة عرب فلسطين فى دفع هذا العدوان عليهم .
إن الأمر فيما يبدو كان خطوة لم يحسب حسابها كله ، وقد استعجل الصهيون نهايتهم .
وبعد ، فإن الصهيونيين قد يغيب عنهم فى نشوتهم الحاضرة أنهم إذا قدر لهم أن تكون لهم دولة فإن ذلك تذير بإضعاف شأنهم فى العالم كله ، فسيصير اليهود فى كل مكان غرباء حقيقيين بعد أن كانوا مواطنين صوريين ، وسيقل العطف العالمى عليهم بعد أن صارت لهم دولة تتولى مهمة العناية بشأنهم ، وسيفقدون سيطرتهم المالية ، ويقل نفوذهم فى مختلف الدول ، ثم هم بعد أن تصير لهم مملكة سيفقدون كل خصائصهم التى إنما قواها ضعفهم وصهرتها الظروف الشديدة التى مرت بهم .
على أنهم ليسوا ببالغى هذه المرحلة ، وسيعلمون أى منقلب ينقلبون .
