ذكرتني حوادث مصر الأخيرة يوم ثار قائدها الجبار وحواريوه المخلصون بوجه الطاغية فأزاحوه عن عرشه وأطاحوا به بعيداً عن البلاد التي نكب أهلها في أرزاقهم وحرياتهم، وأخرجوه ذليلا مهانا بعد ما استردوا الحرية التي فقدوها طيلة سنوات الظلم والرشوة والفساد، وبعدما شبع ذلك الملك الخليع من أكل اللحوم البشرية وروى نهمه بشرب الدماء، وبعدمات فجر ما شاء له الفجور وفسق ما شاء له هواه أن يفسق، وقامر بأموال الشعب الذي ائتمنه فخان، ووعده فماطل وأخلف، بقصيدة قالها شاعر يكاد أن يكون منسياً؛ منبها الملوك الذين يهزؤون بمصالح الرعايا فتكون خاتمة حياتهم الفاجعة كخاتمة (فاروق) الذي صح فيه قول الشاعر البغدادي:
لأعطيت ملكا فلم تحسن سياسته ... كذاك من لا يسوس الملك يخلعه
أو قول غيره
ابك مثل النساء ملكا مضاعا ... لم تحافظ عليه مثل الرجال
وهذا الشاعر هو المرحوم داود بك عمون وقد نشره في مجلة (الزهور) التي كان يصدرها في مصر المرحومان أنطون الجميل وأمين تقي الدين، سنة ١٩١٤ (هو شاعر مقل ولكن قليلة رفعه إلى منزلة قصر عنها الكثيرون من المكثرين. ويمتاز نظمه بمتانة السبك وفخامته وسمو المعنى وجدته، ويدل دلالة واضحة على توقد ذهن وشدة عارضة وعزة نفس، أما نفسه فجاهلي عصري معاً)(1)
ولما كانت الحالة الآن تستوجب الاطلاع على ما كان يعتلج في قلوب الشعراء آنذاك من شر مستطير ينال الشعوب من جراء ظلم الملوك لها - والشعراء أنصاف أنبياء - أحببت أن أعرض على قراء (الرسالة) الزاهرة تلك الجريدة العصماء التي ما كانت إلا صرخة في وجه الظلم ولكمة في صدر الملوك الطغاة الذين بلغوا
منزلة من الضعة تشمئز منها جتى الذئاب في ذلك الزمن، فكيف بالشعوب الآن وقد أزاحت عن ناظرها براقع الغفلة والجهل وفتحت قلوبها إلى الخير والحق والجمال
اللهم اهد ملوك الشرق وساسة الشرق إلى ما فيه صلاح الشعوب ورقيها لتتواكب الحرية ولتأخذ حقها من الحياة، ولا أن تسد آذانهم عن سماع صراخ المتوجعين وشكوى البائسين الجائعين. . وها هي ذي رائعة عمون اللبناني المولد(2). . قال:
عذيري من خلق باسل ... أحد وأمضي من الذابل
صليب على القسر لا يلتوي ... إذا غمرته يد الناقل(3)
إذا شاقني الأمر صعب المنال ... مضيت ولو أنه قاتلي
ولو حال من دون حال ... مشت إخمصاي على الحائل(4)
حديد قوى النفس ذوهمة ... تضايق في جسد ناحل
وأورثنها فتى أمثل ... وأورثها لفتى مائل
بلوت الزمان، وأهل الزمان ... فخذ رأى مختبر عاقل
رأيت (الملوك) إذا أطلقوا ... أضر من الجارف الغائل
نفوس الرعايا، وأعراضها ... ، وأرزاقها، أكلة الآكل
وعودهمو برقها خلب ... وأقسامهم ضحكة الهازل(5)
ولو عقلوا قيدوا نفسهم ... ومن لك بالمطلق العاقل
فتلك القيود، ضمان العروش ... توطدها في المدى القابل(6)
حقوق(الملوك) بتقديسها ... دعاوى على الحق للباطل
همو الأجراء وإن توجوا ... عليهم لنا عمل العامل
وما ميز الله أشخاصهم ... بشيء ولكن رضى الحامل
بني الشرق هبوا فقد طالما ... زحفتم إلى الدرك السافل(7)
إلامَ تنامون عن حقكم ... وتعبث فيكم يد العامل ويظلمكم رجل واحد ... وأنتم عداد الدبي النازل(8) فدونكم العلم فهو المح ... رر، والرق لازمة الجاهل وخلوا الديانات طي القلوب ... وكونوا عن الخلف في شاغل ألم تنظروها غدت آلة ... لتفريق جمعكمو الحافل
ولا ترهبوا الموت فالموت لا ... يؤخره وجل الواجل تلك هي الصاعقة التي انشقت عنها سماء فكر الشاعر فكانت والحق يقال نذيراً لكل جبروت لا يؤمن بحقوق الناس سقها للقراء الآن لتكون شاهدا على أن الظلم الذي نحسه الآن كان يشعر به قبلنا أحرار الفكر والعقيدة. . هلا يتعظ السادرون في غييهم من ملوك الشرق!
بغداد

