الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 977الرجوع إلى "الرسالة"

ملوك وأمراء، في حياة الرئيس أبن سينا

Share

لعل أوثق المصادر عن ابن سينا وحياته هو الشيخ  الرئيس ابن نفسه في الترجمة التي كتبها مجيباً بها عن سؤال  أحد تلاميذه إياه. وقد اكمل هذه الترجمة تلميذه وتابعه وصاحبه  منذ أن اتصل به في إقليم جورجان إلى حين وفاته. وهذه الترجمة  محفوظة بالمتحف البريطاني(١) في نسخة لا تزال خطية. وقد  استفاد منها ابن أبي أصيبعة فنقلها في كتابه   (عيون الأنباء)(٢)   كما نقل أكثرها المؤرخ القفطي المصري في كتابه   (أخبار العلماء  بأخبار الحكماء) .(٣)

ولقد عاش ابن سينا في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري والثلث الأول من القرن الخامس، لأنه توفي في سنة  ٤٢٨ هـ وهو عصر كثر فيه تقسيم الدولة العباسيةإلى دويلات صغيرة، فهناك الدولة البويهية التي وقع تحت سلطانها خلفاء  بغداد، وخاصة الطائع والقادر والقائم الذين عاش ابن سينا في  مدة خلافتهم.(٤) وهناك الدولة السامانية ببخارى في إقليم  خراسان وما وراء النهر. وكان الأمير نوح بن منصور بن سامان  هو الأمير الثامن(٥) من ملوك هذه الدولة، وهو الأمير الذي  دعي ابن سينا لمداواته كما سيأتي بعد. وكان هناك دولة  المأمونيين ولاة خوارزم الذين سميت دولتهم بالدولة الخوارز مشاهية.  وهي دولة لا يعرف على وجه التحقيق اسم مؤسسها.

ولكن اسمها يبدأ في الظهور منذ سنة ٣٨٠هـ - أي بعد ميلاد  ابن سينا بعشر سنين - وفي عهد أميرها الثاني على بن  مأمون بن محمد بن خوارزم مشاه جاء بن سينا من بخاري إلى  جرجانية (كركانج) فأكرم الامير وفارته وأمر له بمشاهرة دارة تقوم بكفاية مثله (٧). وهناك كانت دولة جرجان وكان ملكها الأمير قابوس بن وشمكير الكاتب المترسل الأمير الذي  قصده ابن سينا بعد خروجه من خراسان، ولكن اتفق في تلك الأثناء إن قبض على الأمير قابوس وحبس في بعض القلاع ومات هناك(٨). وكان هناك من ملوك الديلم مجد الدولة بن  فخر الدولة الديلمي. ومجد الدولة هذا هو أخو شمس الدولة من  ملوك همذان. وكانت الأميرة (سيدة) والدة مجد الدولة الديلمي  هي المرجع في تدبير الملك، وعن رأيها يصدر الأمراء والولاة في  مباشرة الأعمال(٩): وكان هناك دولة أصفهان وأميرها علاء  الدولة بن كاكويه، وكان ملكاً على أصفهان وملحقاتها، وحكم من  سنة ٣٩٨هـ إلى سنة ٤٣٣ه .وكان أبوه خال الأميرة   (سيدة) والدة مجد الدولة بن بوية الديلمي، ولهذا سمي (كاكويه) لأن الخال في لغة الديلم يسمى (كاكو) أو (كاكويه) (١٠)  وعلاء الدولة هذا هو الذي اتصل به الشيخ الرئيس ابن سينا، وصار  من أصحاب الحظوة عنده، وبقي في خدمته إلى آخر عمره، ولكنه  لم يكن له وزيراً في يوم من الأيام(١١). أما الوزارة فكانت من ابن سينا لشمس الدولة أخي مجد الدولة؛ فقد وزر له مرتين ما بين سنتي ٤٠٥ هـ، ٤١٢ هـ.

وكان هناك - فوق ذلك - في عصر ابن سينا الدولة الغزنوية التي كان أول ملوكها (سبكتكين) سنة٣٦٦ هـ. كما كان محمود الغزنوي - المعروف بيمين الدولة محمود بن سبكتكين - هو ثلث ملوكها. وهذا الفاتح العظيم قد أثار حروباً كثيرة في حياته وفي عصر ابن سينا بالذات. فهو فوق غزوه لبلاد الهند

وفتحه لها قد حارب دولة خوارزم ومشاه(١٢) وملك خوارزم  سنة ٤٠٧ هـ. وهي دولة اتصل ابن سينا بها وبأميرها علي بن المأمون كما أسلفنا. ولم يكتف محمود الغزنوي بهذا، بل استغل ما بين الأمراء والملوك حوله من خصومات ونزاع، فدخل جميعهم  لمصلحة دولته الناشئة القوية. كما فعل في الحرب التي قامت بين  سلطان الدولة البويهي وأخيه أبي الفوارس بن بهاء الدولة. وكأن محمود الغزنوي كان يستعد لافتراس هذه الدويلات المتقاطعة المتناحرة دولة بعد دولة. وكان همه بالذات متجهاً إلى إمارات بني بويه، ففي سنة ٤٢٠ هـ اتجه إلى إقليم الري، وكان  عليه الأمير مجد الدولة بن فخر الدولة بن بوية فملكه محمود  الغزنوي. كما ملك إقليم الجبل. وفي سنة٤٢١ هـ وجه مسعود  ابن يمين الدولة الغزنوي جيشاً إلى إقليم همذان. أما علاء الدولة  بن كاكويه - وهو الأمير الذي اتصل به ابن سينا في أصفهان -  فلم يسلم من غارات الدولة الغزنوية التي دخلت جيوشها   (الري)   فانهزم علاء الدولة وجرح في رأسه وكتفه وهرب تاركاً إقليمه في يد  السلطان مسعود الغزنوي بن محمود الغزنوي.(١٣)

على إن هذه لم تكن آخر حروب السلطان مسعود الغزنوي  ابن محمود الغزنوي ضد علاء الدولة بن كاكويه: ففي سنة٤٢٥ هـ  - أي قبل وفاة ابن سينا بثلاث سنوات - اتفق علاء الدولة  مع فرهاذ بن مرداوج على قتال عسكر السلطان مسعود  الغزنوي. ولكن الحظ خان علاء الدولة حتى بعد احتمائه بالجبال  الشاهقة بين أصبهان وجرباذقان.فتقدم ابو سهل الحمدوني قائد   جيش الغزنوي الي اصبهان وملكها. وفي هذه المعركة نهبت  خزائن علاء الدولة بن كاكويه أخذت أمواله الطائلة. وفي هذه  المعركة بالذات كان الشيخ الرئيس ابن سينا في خدمة علاء الدولة  - ولم يكن وزيراً له - فأخذت كتب الشيخ وحملت إلى غزنة  - عاصمة الدولة الغزنوية - وجعلت في خزائن كتبها إلى إن

أحرقت على يد عساكر الحسين الغوري.(١٤)

لقد عاش ابن سينا في هذا العصر الزاخر بأحداث كبار,  كثيرة ورأى بعينيه كيف يتقاتل الاخوة وأبناء العم على الملك  والسلطان، كما حدث بين أفراد أسرة بني بوية في الري وأصفهان  وهمذان وجرجان؛ بل اتصل من قرب الأمير شمس الدولة بن  فخر الدولة أمير همذان، وشاهد الأحداث التي جرتله مع أقاربه  بني بوية من ناحية، ومع ملك الغزنويين من ناحية أخرى. واتصل ابن سينا اكثر من ذلك بالأمير علاء الدولة بن كاكويه؛ وهو يتصل ببني بوية أيضا - لان والدة   (دشمنزيار)  هو خال  الأميرة (سيدة) والدة مجد الدولة بن فخر الدولة البويهي  وشاهد ابن سينا في أثناء اتصاله بابن كاكويه كثيراً من الأمور  الجسام، فلم تسلم مدينة من مدن العراق وفارس من ثورة أو غارة  للعيارين النهابين، بل لم تسلم أصبهان نفسها من حوادث النهب  والسلب على أثر استيلاء جند السلطان مسعود الغزنوي عليها.  وفي غمار هذه المعركة نهبت كتب الشيخ الرئيس ونقلت إلى  غزنة، إلى أن كتب عليها أنت تحرق على يد محارب آخر من  رجال الدولة الغورية.

وقد لقي ابن سينا من ملوك الدولة القائمة في عصره الأمير  نوح بن منصور الساماني، والامير علي بن مأمون الخوارز مشاهي، والامير شمس الدولة بن فخر الدولة البويهي الديلمي، ووزر له مرتين، والأمير علاء الدولة بن كاكويه أمير اصبهان،  واتصل به وألف كتباً كثيرة، ونكب معه في غارة السلطان مسعود الغزنوي على أصبهان. أما الأمير شمس المعالي قابوس بن شمكير ملك جرجان فيظهر من كلام الشيخ ابن سينا نفسه إنه لم يقابله، وانه كان يقصده، فاتفق القبض على قابوس وحبسه في بعض القلاع وموته. وهو نص لا يدل على لقاء الشيخ الرئيس لهذا الملك الأديب العظيم. . . إلا إن العروضي السمرقندي صاحب كتاب   (جهار مقالة)  يذكر حادثة طريفة  بارعة عن ابن سينا واستخباره أحوال بعض العاشقين واسم

معشوقته ومحلتها من نبض المريض. ويروي العروضي  السمرقندي ان ابن سينا دعي إلى مداواة هذا العاشق النضو بأمر من الملك قابوس الذي دعا الشيخ الرئيس إليه ليعالج مريضه  القريب. وعلى الرغم من طرافة هذه الحكاية فإن الأستاذ محمد بن عبد الوهاب القزويني يستنبط إن ابن سينا لم يخدم الملك  قابوس بن شمكير لأنه حبس قبل بلوغ ابن سينا جرجان.

اشترك في نشرتنا البريدية