هذه هي المحاضرة الثانية التي ألقاها الأستاذ العالم محمد كرد علي بك في دمشق. ولقد كنا نقدنا في (الرسالة) محاضرته الأولى
(كتبنا وتآليفنا) التي ألقاها قبل شهور، وقلنا إنها محاضرة لا ترتيب فيها ولا استقصاء، وقال عنها الأستاذ الشيخ علي الطنطاوي إنها لا تزيد عما كتبه مؤلفو (الوسيط) للتلاميذ في كتابهم، فلنر هذه المحاضرة ونصيبها من التوفيق
موضوع المحاضرة (مميزات بني أمية) ألقاها الأستاذ في قاعة الجامعة السورية الكبرى وسمعها ناس كثيرون، من تلاميذ وطلاب ومعلمين، وأساتذة، وموظفي وزارة المعارف، وبعض المتأدبين الناشئين من تلاميذ (أصمعي هذا العصر الشيخ مارسه) كما يقول الشيخ الطنطاوي. وكانت المحاضرة على عين من مدير المعارف العام معالي عبد اللطيف الشطي بك
بدأ الأستاذ ببحث لغوي عن كلمة (أمة) والنسبة إليها، وتصغيرها. ثم خطأ من يقول (أموي) بالفتح وصوب من قالها بالضم، ثم انتقل الأستاذ فأطرف السامعين بحديث عن أنساب أميّة، ملّه الناس منه، لأن الأنساب ليس مما يتحدث به إلى الناس في حفل عام. وذكر أنهم كانوا تجاراً، وبيّن شأن تجارتهم في تلك الأوقات وقال إنهم (أدخلوا مكة في دور مدني، وأن منهم عرفت قريش أرض العجم والروم. .)
وانتقل الأستاذ إلى أبي سفيان، فأفاض في ذكر أحواله في الجاهلية، وانتقل فجاءة إلى معاوية فذكر ما كان يقوله عمر إذا رآه. ثم عاد إلى أبي سفيان فذكر أن له الفضل بنقل الخط إلى الجزيرة، وانتقل بعد ذلك إلى عثمان بن عفان؛ فقال إنه جمع القرآن، ولولاه لكان القرآن اليوم ضائعاً. . . وأنه كان يكرم حرملة الشاعر النصراني. . . وانتقل إلى خالد بن يزيد وذكر أنه أول من ترجم الكتب القبطية والسريانية إلى العربية. وتخطى الأستاذ الخلفاء، حتى أتى عمر بن عبد العزيز؛ فقال إنه أول من عنى بتدوين الحديث
ثم رجع القهقري وقال: (ولم يكن بنو أمية من النابغين لما استعملهم الرسول على الولايات. وقد انتقل رسول الله وأكثر العمال من بني أمية، وأنهم كانوا في الجاهلية أمراء، وكذلك كانوا في الإسلام)
وقفز الأستاذ إلى معاوية فقال وأفاض، وأبان عن علم، حتى حسبنا أن المحاضرة قد انقلبت إلى محاضرة عن معاوية لا عن بني أمية. فذكر تشبه معاوية بالروم (وهذه وكل ما سيأتي من مميزاته) ، وما اقتبسه من الأمم المجاورة من الأبهة والعظمة،
وما ألف من مجالس الوفود، وذكر استخدامه النصارى والعلوج في وظائف الدولة، وقال إن بني سرجون كانوا وزراء المال عنده، وإنه كان ذا عقل ناضج، واستدل على سعة عقله بخبر عبد الله بن قيس إذ لقي في (صقلية) أصناماً من الذهب فأخذها معاوية وأرسلها إلى الهند لتباع ويؤخذ ثمنها. وقال إن معاوية حسن حال الحكومة، واستطاع بدهائه أن يأخذ الخلافة من علي وهو راض، ومن أبنائه وهم راضون. . . وأنه أول من وضع الحشم للملوك وأمر برفع الحراب بين أيديهم، ونظم الجيش، وأعطى الجند رواتب، ووضع البريد، وعلم الناس التجسس إذ عين صاحب الخبر (أي مأمور استخبارات) ، وأوجد في مصر رجلاً كان يطوف على الناس كل ذي ليلة فينادي: (هل ولد فيكم ولد، هل ولدت فيكم جارية، فيقولون ولد لفلان كذا. . . فيكتب اسمه)
وقال الأستاذ إن معاوية كان يعتمد على العطاء ثم الإقناع والرضاء، فإن لم تفد هذه الأشياء عمد إلى القسر، وذكر إسرافه في الأموال ليسكت العلويين والهاشميين، واستخدامه الشعراء والقصاص للدعاية. . . الخ ويترك الأستاذ معاوية ويأتي إلى عمر بن عبد العزيز فيذكر ورعه وتقواه، وعفته وصدقه. . .
ثم قال: ولقد كانت دولة الأمويين دولة عربية صرفة بكل مظاهرها و. . . (والحق أن هذا القول ينطبق على أيام معاوية!!؟) ثم ذكر مروان بن محمد الملقب بالحمار (ولم يذكر الأستاذ لقبه) وقال إنه كان على جانب عظيم من العقل، وانتقل إلى ذكر قصر الحير الذي بناه هشام في الشام (والذي كشف أخيراً خارج دمشق من جهة البادية، ووضع في متحف دمشق الأثري)
ويجعل الأستاذ من مميزات معاوية جعله الشام (جمعية أمم) فقد رحب بالناصري واليهود والسريان والروم والسود والبيض والحمر والصفر. . . إلى ما هناك من شعوب وأمم، ثم انتقل إلى ذكر ولاة بني أمية، فأشاد بمناقب الحجاج، وأكبر أفعال موسى ابن نصير وعظم غيرهما. . .
وقال الأستاذ: إن هواه كان وما يزال مع بني أمية، لأنهم ظهروا له بعد البحث والدراسة جديرين بهذا الهوى. وقد حاول الأستاذ أن يكذب ما نسب إلى بعضهم من الأخبار التي لا تشرف وختم الأستاذ محاضرته بقصيدة شوقي في بني أمية. ولعل أحسن ما في المحاضرة هذه الأبيات التي ختم بها الأستاذ محاضرته
فأحيت السامعين، وترنحوا منها طرباً ونشوة. تلك هي المحاضرة لخصتها في هذه الأسطر، والقارئ رأى معنا هذا الاضطراب وهذا التفكك الذي فيها!. . . وما ندري، أأصبح عدم الترتيب والاضطراب في السرد من مميزات محاضرات الأستاذ في هذه الأيام؟ على أننا لا ننكر أن هذه الأخبار التي ذكرها الأستاذ تدل على معرفة واسعة وقراءة دائمة، وهذا ما عرف به الأستاذ. ونحن وإن كنا ننكر عدم الترتيب وذاك الاضطراب، وهنات نحوية بسيطة، فإننا نعجب بالأستاذ وبعلمه، وبتلك الأبيات التي ختم محاضرته بها.
(دمشق)
(ص. م)

