عرفت العقيد العزيز حين شرفت وسعدت بمعرفة المرحوم والده العظيم عبد الرحمن فهمى بك ، وكان حينئذ في أول عهده بالدراسة الثانوية في المدرسة الخديوية ، فعرفت في والده رجلاً من أعظم الرجال ، وعرفت فيه فتى من أعظم الفتيان ، فتى يافعاً يتدفق حياة ونشاطاً وجداً ومهارة وإقبالاً على التزود بكل وسيلة من وسائل القوة ، وانصرافاً تاماً عن مرائع اللهو الخسيس الرخيص التى يتبارى فيها شبانُ هذا العصر
لقد كان له فى كل ميدان من ميادين الرياضة البدنية أثرٌ بارز محمود ، ففى فجر حياته كان فى فرقة التمثيل فى المدرسة الخديوية كأبرع الممثلين الفنيين المحترفين . وأحب ركوب الدراجات فكان يأتي فيها بالمعجزات ، وفي أخر عهده بهذه الدار الفانية كان طياراً من الطياريين الهواة البارعين ، وفيما بين هذين العهدين لم يدع شيئاً متداولاً منها لم يبرع فيه . أما الرحلات وهي من أعظم ضروب الرياضة البدنية فقد كان مشغوفاً بها شغفاً عظيماً .
وضرب في ميادين العلوم والمعارف بسهام صائبات ، فحصل من الثقافة العامة في التعليم العام أكبر قسط . ومن العلوم والفنون الهندسية في الجامعات المصرية والأنجليزية والأمريكية أوفر نصيب . ولم يقنع من هذا وذاك بما حصل من علوم ومعارف جمة ، بل قضى كل حياته العامرة الزاهرة في البحث والتنقيب عن الحقيقة ، يلُقف كل كتاب حديث بشغف ولهفة ، ويغرؤه ويناقش فيه ويجادل . ولا هم له إلا الوصول إلى الحقيقة الخالصة التي لا يشوبها
لبس أو غموض ، ولم يثنه عن ذلك ما كان يضطلع به من أعمال جسام .
وضم إلى هذا وذاك ما ورثه عن المرحوم والده العظيم من الخلق اثنين : الشجاعة التي لا يشوبها خَوَر ، والصراحة التى لا تبالى العواقب ، والصدق الذي لم تشنه كذبة ، والوفاء الذي لا يعتريه غدر ، والأمانة التي تضرب بها الأمثال ، والحق الذي لم يدنسه باطل ، والجد الذي لايكدره هزل ، والحزم الذي لا يتسرب إليه هوادةٌ
ومن أخص صفات والده العظيم التي ورثها عنه بلا نقص الدقة التامة ، والنظام الراتب الثابت في النوم واليقظة والعمل والراحة والأكل والزيارات والمقابلات . هذا إلى ما امتاز من طموح إلى العلا لا حد له ، وآمال في الحياة كبار . ومرح حلو لذيذ حبيب إلي كل نفس .
أصبح الفقيد العزيز بكل هذا مجموعة فذة نادرة من القوى الجسدية والنفسية والعقلية ، جديرة بأن تكون من خير الأمثلة للشبان ، وبخاصة في هذا العصر الذي ضج فيه عشاق الإصلاح الاجتماعي من ضعف أخلاق الشبان وانحلالها وانصرافهم عن الجد والكد إلى اللهو الخسيس الرخيص ، حتى صاروا بالآنسات الخنيعات أشبه منهم بالرجال . فواحسرتاه عليك يا كمال وما أفدح خسارة الشبان بفقدك !
ولقد ضاقت همته العالية بوظائف الحكومة ذرعاً فتركها غير مبال إلى ميدان العمل الحر ، ولم يخب ظنه فيه ، فنجح نجاحاً باهراً ، ولم أره يوماً - على كثرة ما رأيته وسألته - آسفاً على الوظائف الحكومية التي يسيل عليها لعاب الزهاد في الجد والكد من الشبان .
كان يعلم حق العلم أن الوقت أثمن ما نملك لأنه هو العمر نفسه ، وذلك كان من أحرص الناس عليه . فلم ينفق شيئاً منه إلا فى عمل نافع أو رياضة محمودة ، والرياضة نفسها أكبر عون على العمل النافع ، وما كان أحد حتى أقرب المقربين منه - يظفر منه بدقالق بيئة فيها ما فى نفسه ، أو يتعرف فها أحواله ، إلا بشق الأنفس ، وما اختياره الطائرات لأسفاره إلا من ذلك ، كان يريد أن يملأ هذه الدنيا أعمالا نافعة ، فلما ضافت به تركها .
فأصبح في لحد من الأرض ميتاً
وكانت به حيا تضيق الصحاصح
كان شعلة ملتهبة من الحماسة والنشاط والجد والكد لا يخمد لها لهب ، ويريد الحكيم العليم أن يذهب إليه شعلة ملتهبة حقاً ، وأن يترك في كل قلب جمرة متقدة لا يُخمد لها جذوة حتى يلقاه . فوداعاً وإلى اللقاء أيها الحبيب .
فالنفس تبغي الحياةً جاهدةً
وفي يمين الملِك مقودها
فلا اقتحامُ الشجاع مُهلكها
ولا توقى الجبان مخلدها
لكل نفسٍ من الردَى سبب
لا يومها بعده ولا عَدُها
ما أجمل أخلاقه وآدابه وأعماله ، وما أبلغها تأثيراً فى نفوس الناس وبخاصة الشبان ، حين كان فينا حياً يمثلها أصدق تمثيل وأحسنه ، رائحاً وغادياً ، ومقيما وطاعناً ، فتقع موقعا حسناً فى النفوس ، ويشع منه نورها على من حوله ؛ وأين من هذه الفضائل الحية الفضائل التى تقرؤها في الكتب ؟ إنا لنقرأ عن الفضائل كثيراً ، ونجد فيما نقرأ روائع ذوات تأثير بليغ في نفوسنا ؛ ولكن لا يمكن أن يكون تأثير الفضيلة المقروءة مهما تبلغ من الروعة كتأثير الفضيلة الحية الملموسة ، يمثلها إنسان فاضل حازم ، فيؤثر فينا بذاته وبفضائله . ويغرينا بتقليده . ويقنعنا بالعمل بأننا نستطيع - ونحن بشر مثله - أن نقلده فيما يتحلى به من صفات . ويدفعنا إلى ذلك حب التقليد والسبق ، ولقد كان الفقيد في ميدان الفضيلة خير مثال ، فإلى رحمة الله .
أي بني العزيز كمال - ورب ابن في الوذاد أحب إلي النفس من ابن في الولاد - لقد قدمت الباقيات الصالحات بالإنصراف عن المعاصي إلي الأعمال النافعة ، وبالبحث الدائم وراء الحقيقة التى كنت تذوب شوقاً إلى الوصول إليها . قطب نفساً وقر عيناً ، فرحمة الله وسعت كل شئ . وإنك إن شاء الله لمن المقبولين الفائزين . وأنتِ
أيتها النفس أحملى جزعاً
إن الذي تحذرين قد وقعا

