قرر البرلمان البلجيكي بمجلسه - منعقدين على هيئة مؤتمر - إنهاء الوصاية على بلجيكا ، والسماح لملك ليوبولد الثالث بالعودة إلى العرش ومباشرة حقوقه الملكية من جديد ، بعد أن ظل محروماً منها عشر سنوات ، منذ الساعة التي قرر فيها وقف القتال ضد الألمان في مايو سنة ١٩٤٠
وبهذا القرار الذي وافق عليه ١٩٨ نائباً وشيخاً - وهم الذين اقترعوا على عودة الملك - عبرت الأمة البلجيكية - ممثلة في برلمانها - عن رغبتها في أن يتولى ليوبولد الثالث عرش آبائه ، على الرغم مما أبداه النواب والشيوخ الاشتراكيون والشيوعبون والأحرار من معارضة هذه الرغبة ، وعلى الرغم من انسحابهم من قاعة المؤتمر قبل عملية الاقتراع على القرار الجديد .
وقد بلغ عدد الممتنعين عن التصويت من النواب والشيوخ ١٨٩ نائباً وشيخاً ، وهو عدد يقل تسعة عن مجموع الدذين أعطوا أصواتهم في مصلحة القرار البرلماني الخطير . ومن هنا كانت الأغلبية في صف عودة الملك
واستعدت الأمة لملاقاة ملكها العائد إليها من سويسرة ، بعد غياب سنوات تعرضت فيها بلجيكا لألوان من الاحتلال الألماني وأهوال ما بعد الاحتلال ، وانقسمت فيها إلى معسكرين : يؤيد أحدهما عودة الملك ويعارضها الآخر ، حتى أخذ هذا الانقسام صبغة كانت شغلاً شاغلاً لكل فرد في الأمة ، وظهر ذلك في صحافتها وإذاعاتها ومجالسها العامة والخاصة .
وملك البلجيك الحالي هو رابع ملوك هذه الدولة التي تبلغ من العمر مائة وعشرين عاماً ، والتي حصلت على استقلالها سنة ١٨٣٠ بعد سلسلة من الحركات الوطنية والثورات القومية ، ضد هولندة التى كانت مالكة لبلجيكا وسيدة عليها حتى أغسطس سنة ١٨٣٠
وتعد ثورة ٢٥ أغسطس سنة ١٨٣٠ أول شغب حقيقي اندلعت ناره ضد الهولنديين ، الذين أساءوا حكم بلجيكا ، وعدوها مستغلاً لمنافعهم ، ومراداً لمصالحهم ، ونسوا أو تناسوا كل حق وطني لأهل البلاد الأصليين ، واعتبروا
أنفسهم سادة لهم وأوصياء عليهم . ولكنهم لم يحسنوا الوصاية . فاستأثرو بكل خيرات بلجيكا لأنفسهم ، وحرموا منها ذأهل البلاد ، وجمعوا الوظائف الكبرى في أيديهم ؛ وفرضوا اللغة الهولندية على البلجيكيين فرضاً ، وجعلوها اللغة الرسمية في البلاد ، وأبعدوا الوالونيين "Walloons" وهم سكان البلاد الأصليين عن الحياة العامة ، حتى كادت أنفاسهم تختنق من هذه الأمور وأشباهها التى عدها البلجيكيون مظالم لا يصح احتمالها ، ولا يليق السكوت عليها .
ولقد كان شغب أغسطس سنة ١٨٣٠ مقدمة لما بعده من ثورات وطنية اندلع لهيبها في كل مكان من بلجيكا ، وكانت هذه الجذوات المتأججة تزيد يوما بعد يوم ، وتجد لها وقوداً في نفس الشعب الذي كره سيادة الأجنبى ، والذي مختلف عنه جنساً ومذهباً ولغة . فإن الهولنديين من أهل الشمال ، و يختلفون عن أهل بلجيكا الوالونيين الذين ينحدرون من سلالة مختلطة من الكلتبين والرومان ، كما كان الهولنديون أتباعاً للمذهب البروتستانتى الذي يعده البلجيكيون الكاثوليك مذهباً متساهلاً ، ولا يجدون فيه من صرامة المعتقد ما يجدونه في كثلكنهم ؛ أما اللغة فقد كانت سداً آخر يفصل بين الشعبين البلجيكي والهولندي ، فلكل منهما لغته الخاصة وثقافته الخاصة . ومن هنا كان مستحيلاَ على أمتين مختلفتين في الجنس والمذهب واللغة والعواطف أن تبقيا في اتحاد ( مملكة الأراضي المنخفضة ) . وهو اتحاد كان يحمل عوامل تصدعه منذ اللحظة التي أقيم فيها .
ولعل شغب سبتمبر من العام نفسه كان أعنف مظهراً وأقوى دلالة على سخط البلجيكيين واستعدادهم للتضحية في سبيل استقلالهم من شغب أغسطس سنة ١٨٣٠ ؛ فقد اشتبك متطوعون بلجيكيون مع فرقة من الجنود الهولندية المنظمة في شوارع بروكسل - عاصمة بلجيكا - وكان القتال عنيفاً إلى حد أن ٦٠٠ متطوع بلجيكى سقطوا شهداء في شوارع العاصمة ، فأثار مشهدهم عواطف الشعب بأسره ، بل لفت أنظار العالم كله يومذاك إلى قضية استقلال بلجيكا .
ولا يزال النصب التذكاري المقام في ميدان الشهداء بمدينة بروكسل يحمل أروع الذكريات لدماء عزيزة غالية سالت في سبيل قضية اعتقدت عدالتها . ولا شك أن هذه الدماء الغزيرة كانت عاملاً مهماً من عوامل حصول بلجيكا على استقلالها . وإن كان بعض المؤرخين من أمثال الأستاذ " ه . فيشر " الأنجليزى المشهور يرى أن هذه الدماء لم تحقق شيئا من استقلال بلجيكا ؛ وأن بسالة المتطوعين البلجيكيين الحربية لم تقم عليها دولة بلجيكا الحديثة ؛ بل قامت على أكتاف سلسلة من المحادثات والمفاوضات الدبلوماسية الطويلة بين انجلترة وفرنسا ، أو بالأحري بين " بالمرستون " وزير الخارجية الانجليزية في وزارة اللورد جراي من ناحية ، وبين " تاليران " سفير فرنسا في لندن ؛ وهو ذلك الداهية السياسي الفرنسي الذي اشترك مع نابليون واقترن اسمه باسمه كوزير خارجيته .
وقد يكون " فيشر " على شيء من الحق حين يقرر أن استقلال بلجيكا الحديثة لم تصنعه الثورات ولا بسالة الرجال والجنود ؛ فإن السيف لا يكون أصدق أنباء من الكتب إلا إذا تعادلت الكفتان ، وقد كانت كفة بلجيكا من هذه الجهة غير راجحة ، إلا أنه مما لا شك فيه أن دماء الشهداء التى سالت بها اباطح بروكسل وغيرها قد لفتت أنظار الأحرار من السياسيين وقادة الأمم ؛ وإلا لما تحرك ( بالمرستون ) من ناحية و ( تاليران ) من ناحية أخري للدفاع عن بلجيكا وضمان استقلالها المنشود .
وإذا تركنا العواطف جانبا في سياسة الممالك والشعوب - كما يقول العمليون من السياسيين - فإلمصلحة بين انجلترة وفرنسا - وهي مصلحة بدأت تظهر منذ القرن التاسع عشر - قد حتمت على " لويس فيليب " ملك فرنسا ، و ( تاليران ) سفيرها في انجلترة ، أن لا يفتحا نزاعاً من جديد مع بريطانيا ، وان يكتسبا ودها بتحقيق رغبتها في منح بلجيكا استقلالها .
على أنه من الإنصاف أن نقول إن " بالمرستون " نفسه كان من أكبر العاطفين على بلجيكا في قضيتها ، وإنه كان
مبالاً بنزعة حرة فيه إلي أن تتخلص بلجيكا من حكم هولندة الجائر ؛ لأنه كان نفوراً بطبعه من كل حكم أو تفراطي .
إلا أن هذه النزعة الطيبة من " بالمرستون " الإنجليزي نحو استقلال بلجيكا لم تكن كلها خالصة لوجه الله والحرية . . ولكنها في الحق أيضا كانت وقفة الحذر أمام فرنسا وأمام ملكها لويس فيليب الذي عرض التاج البلجيكي على ثاني أولاده . . فقد رأي " بالمرستون " بدهائه وبعد نظره أن بلجيكا وتاجها الجديد صائران إلى فرنسا وإلى ابن ملكها لويس بالذات . . فرأى أن استقلال بلجيكا والبحث لها عن تاج لا يشوبه دم فرنسي خير من أن تنقاد في عجلة السياسة الفرنسية بوضع تاجها على رأس أحد الأمراء الفرنسيين . .
ومهما كان من أمر فقد وفق بالمرستون وتاليران إلى إعلان استقلال البلجيك سنة ١٨٣٠ ، وفي سنة ١٨٣٩ بمقتضى معاهدة شهيرة وضع لبلجيكا نظام من الحياد المستديم يضمن سلامتها من خطر جاراتها ، وخاصة بروسيا - ألمانيا . وهو حياد مع الأسف لم يحترم بعد ذلك بخمسة وسبعين عاماً ، حينما دخلت جيوش الإمبراطور غليوم الألماني أرض بلجيكا في سنة ١٩١٤ ؛ ولما نسبه إلى خرق الحياد ومخالفة ذلك لمعاهدة سنة ١٨٣٩ أجاب إجابته المشهورة بأن المعاهدات ما هي إلا قصاصة من الورق . . وذلك منطق القوى دائما حينما لا يقيم وزناً لعهد ولا ذمة .
وبدأت بلجيكا المستقلة والمملكة التى خلفتها الثورات من جهة ، ومخاوف انجلترة وفرنسا من جهة أخري بدأت تبحث عن ملك يتوج أول القائمة في سلسلة نظامها الملكى . ولم يطل البحث عن رأس لهذه الدولة الناشئة . فقد عرض التاج البلجيكي على الأمير ليوبولد امير ساكس كوبرج الألماني ، وهو أخو الأميرة " فيكتوريا " الألمانية التى تزوجت بالأمير " إدوار دوق كنت " وانجبت منه الملكة فيكتوريا ملكة انجلترا اللامعة في الثلثين الأخيرين
من القرن التاسع عشر . ومن هنا قامت الصلة بين الأسرتين المالكتين في انجلترا وبلجيكا . فإن ليوبولد الأول ملك بلجيكا كان خال الملكة فيكتوريا العظيمة التى حكمت انجلترا من سنة ١٨٣٧ إلى سنة ١٩٠١ ، أى أربعة وستين عاماً .
ولقد حكم ليوبولد الأول ٣٤ عاما أثبت في خلالها أنه أهل لشرف التاج الذي أولته إباء الأقدار ، وكان أدبياً اريباً محنكاً واسع الدهاء ذا طبع رضي ، ولا أدل على حسن سياسته من أنه لما توفيت زوجته الأولى سنة ١٨١٧ عقب عملية الوضع - وكانت بنتاً لجورج الرابع ملك انجلترا - أظهر استعداده للاقتران من ابنة لويس فيليب ملك فرنسا ، كعلامة لعدم تعصبه - حتى في المصاهرة - لمملكة علي مملكة . .
وقد خلفه على عرش بلجيكا ابنه ليوبولد الثاني ، وظل ملكاً من سنة ١٨٦٥ إلى أن توفي في سنة ١٩٠٩ . ولا يزال البلجيكيون والعالم يذكره بأنه مؤسس حكومة الكفو الحرة في القارة الإفريقية ، وهي تلك البلاد التي ربح ليوبولد منها أموالاً وافرة ، ثم أضافها إلى حكومة بلجيكا سنة ١٩٠٨ ، أى قبل وفاته بعام واحد .
أما ثالث ملوك بلجيكا فهو الملك البرت حفيد ليوبولد الثاني وابن ابنه فيليب دوق فلاندر الذي توفي سنة ١٩٠٥ . ولهذا صار العرش إلى الحفيد الذي تولى سنة ١٩٠٩ وظل ملكا إلى سنة في ١٩٣٤ قبيل الحرب العالمية الثانية بخمس سنوات . فكانت مدة حكمه ربع قرن من الزمان .
والملك ليوبولد الحالي هو الرابع من ملوك بلجيكا الحديثة ، وهو الابن الأكبر لألبرت ؛ وقد تولي الحكم سنة ١٩٣٤ ، وفي السنة نفسها تزوج الأميرة أستريد السويدية التى قتلت في حادثة سيارة وهي لا تزال بعد في ثياب عرسها ؟ فنعيت بين معالم الأفراح ، وبكاها الشعب بكاء حاراً ، ورثاها الكاتب الشاعر " منرلنك " بمرثية تعد من عيون الرثاء في الآداب العالمية .
ولقد امتحنت بلجيكا وامتحن معها ملكها ليوبولد
الثالث - الملك الحالي - بغزو ألمانيا لها في فجر يوم الجمعة ١٠ مايو سنة ١٩٤٠ . ولقد جاء الاعتداء على بلجيكا وزميلتها هولندة ولكسمبور ج بعد الاعتداء على الدانمركة والنرويج في العام نفسه ؛ ولم تلق الأمة البلجيكية السلاح من أول ضربة من العدو المغير . فقد قاومت بلجيكا في الأرض والجواء مقاومة كلفت الألمان غالياً ؛ وأظهر الحلفاء من ضروب المهارة والتضحية ما يستحق الإعجاب ، وخاصة سلاح الطيران البريطاني الذي ضرب في الشجاعة والصبر أروع الأمثال . ولكن في حومة الصراع أصدر الملك
ليوبولد أمراً بوقف القتال .... مبرراً ذلك بالإبقاء على سلامة الجيش البلجيكي ولكن ذلك عرضه لألسنة المعارضين الذين عدوها عليه مفرًا وقاوموا عودته إلى بلجيكا ليتسلم عرش آبائه من جديد . وعلى الرغم من ذلك فقد جاء قرار المؤتمر البرلماني إنتهاء وصاية " شارل " وعودة ليوبولد إلى العرش قراراً حكيماً خطيراً ، نرجو أن يتغلب على نزعات المعارضين فينفسح الطريق أمام ملك كريم ، لتحقيق آمال شعب عظيم .

