الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 346 الرجوع إلى "الرسالة"

مناقلة ومثاقفة

Share

هذان لفظان أستخرجهما من لغتنا الزاخرة بالمفردات  والتعبيرات لأدل بهما على ما يقال له     (المناظرة)  .

والمناقلة في المنطق أن تحدثه ويحدثك، كما جاء في   (القاموس)   مادة ن ق ل؛ وتجد اللفظة أيضاً في   (المخصص)  ج٢ ص١٢٩.  وقد استعمل الجاحظ هذا الحرف في رسالته الظريفة   (التربيع  والتدوير)    (مجموعة رسائل، مصر ١٣٢٤ ص١٠٧)  إذ قال:    (ولو ظهر لما سألته كسؤالي إياك، ولما ناقلته الكلام كمناقلتي  لك) . وأما المثاقفة فقد استعملها التوحيدي في   (الإمتاع  والمؤانسة)  ص٩ حيث قال:   (فلعل هذه المثاقفة تبقى وتروى) ؛  وشرحها ناشراً الكتاب هكذا:   (المثاقفة: المطارحة في العلم والأدب ومذاكرتهما) . والمثاقفة حرف حقيق بالحفاوة لهذا  العهد، أفلا نستعمل كلمة الثقافة لذلك الجمع من ألوان الأدب  وصنوف العلوم وضروب الفنون؟

وأما الذي يحدوني إلى عرض ذينك اللفظين بدلاً من      (المناظرة)   فانزلاق هذه، على أقلام المتعالين وصغار الكتبة،  إلى المهاترة: تأخذهم بالحجة أخذ عزيز متمكن، فتدور رؤوسهم  وتزلزل أقلامهم، فيفزعون من الجدل إلى الثلب. فإذا الذي  يكتبونه يذكرك بقول ابن شبرمة:   (ذهب العلم إلا غبارات  في أوعية سوء) . غير أننا صرنا - ولله الحمد - إلى عهد لا تفصل  فيه سلاطة اللسان ساعة إفلات البرهان.

وإني ليحلو لي أن أثاقف أشراف الرجال وأناقل أثبات العلماء  وأكابر الأدباء. وقديماُ ثاقفت المازل في   (السياسة والأدب) ،  وناقلت بعد ذلك الأدب الكرملي والشيخ البشري، ثم الزكيين:  مبارك وطليمات. واليوم أناقل   (أستاذاً جليلاً)  عالماً ثقة. ومما  يورث الأسف اني لا أقوى على بث اسمه، وهو اسم عريض الجاه  وضاح الحسب. لا أقوى على بثه لأن صاحبه يريد أن يكتمه من  الناس تواضعاً؛ فتارة يوقع مقاله هكذا:   (ن) ، وأخرى هكذا:    (القارئ)  أو (أزهري     (طنطا )  ) . على أن قراء     (الرسالة)    يعرفون من وراء تلك الرموز.

علق (أزهري     (طنطا )  )  في العدد الماضي من     (الرسالة)    على مقال كنت نشرته في   (الثقافة)    (العدد الـ ٥٦)   جاء فيه أن أصحاب المعجمات ربما أثبتوا لفظاً في غير مظنته.  فأضاف العالم المتواضع إلى الأمثال التي كنت أوردتها مثلاً

آخر هو كلمة   (تكتم) ، ثم ختم مقالته بأمنية تشغل صدور  العرب والمشتغلين بالعربية.

وإني متبع تلك الأمثال بمثل جديد، وإليك قصته:  كنت استعملت في توطئة   (مفرق الطريق)  هذه الكلمة:    (متمثلات) . فجاءني صديق بصير بمفردات اللغة وأنكر على  الكلمة فقال: أنها لم ترد في المعجمات، وإنما التمثل - كما جاء  في القاموس ولسان العرب - هو اتخاذ الحديث أو الحجة مثلاً،  ثم إنشاد البيت، ثم الاقتصاص. وزاد الصديق أن الصواب  هو   (الامتثال) ، من قولهم:   (مثله له تمثيلاً: صوره له حتى  كأنه ينظر أليه، وامتثله هو: تصوره) . فقلت للصديق:  ولكني أكره   (امتثال الشيء)  في هذا الموضع، لأن الامتثال  غلب عليه معنى الإذعان و   (اتباع الطريقة) ؛ ثم هذا نص بين  يدي في جانبي: قال الخوارزمي في   (مفاتيح العلوم)    (مصر  ١٣٢٤ ص٩٢) :   (يقال تصورتَ الشيء إذا تعمدت  تصويره في نفسك، وتمثلته وتخيلته)  فقال الصديق - وهو من  المتشددين - وهل يستشهد بالخوارزمي؟ فقلت: لك رأيك ولي رأي.

واليوم أخبر هذا الصديق أني عثرت - من باب الاتفاق -  على   (تمثل الشيء)  في مادة وهم من   (لسان العرب) :   (توهم  الشيء: تخيله وتمثله كان في الوجود أو لم يكن) . ولم أجد  هذا في   (القاموس) ، غير أنك تجد عبارة   (اللسان)  في مستدرك    (تاج العروس)  مادة وهـ م.

اشترك في نشرتنا البريدية