الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 319الرجوع إلى "الثقافة"

مندل . . بائع الكتب، قصة لستيفان زفايج

Share

عدت إلي فينا بعد رحلة في الضواحي ، وكان المطر يتساقط غزيرا فدلفت إلي أحد المقاهي ولم أهتم بقراءة اسمه حين دخولي . وما إن جلست وشعرت بالدفء وأدرت بصري في جوانب المقهي حتى خيل إلي أنى طرقت ذلك المكان من قبل . . منذ مدة خيل إلي أنها بعيدة - وأن هناك في ذلك المكان تختفي حلقة من حلقات حياتي كما يختفي المسمار داخل الخشب . واستعملت قوة إرادتي ومخيلتي وإذا بي فجأة أدرك دقاائق ملامح رجل معين ، بفمه وذلك الفراغ بين أسنانه وإيقاع صحكته المتكسر ، واهتزازات شاربه ، وذلك الوجه الجديد الذي يطالعك به كلما ضحك . رأيت كل هذا بوضوح تام ، بل تذكرت كل كلمة قالها لي ذلك الرجل ، ولكني - مع هذا - كنت مازلت في احتياج إلي دافع قوي حتي أشعر بذلك الماضي ماديا . فحاولت ذلك بأن أغمضت عيني حتى تتضح تلك الخطوط العقلية الغامضة ، ولكني لم أستطع شيئا .

فغضبت ووجدتني أقف وقد عزمت على الخروج ، ولكني ما كدت أخطو حتى رأيت تلك الصورة الفوسفورية تعود ثانية إلي الالتماع في مخيلتي ، وأدرت البصر حولي فوجدت تلك المائدة الصغيرة المستطيلة القريبة من مكان ) التليفون ( وفي ومضة البرق اتضح لي كل شيء . . فقد أدركت على التو وقد اعتراني شعور من السعادة والدفء أن هذا هو مكان يعقوب مندل بمقهي " الحظ " . . ياإلهي بعد عشرين عاما أعود إلي محله المختار ، لا أدري كيف نسيت هذه الشخصية التي هي أقرب إلي شخصيات الأساطير ، هذه الأعجوبة الدنيوية ، ذلك الرجل الذي ذاع صيته في

الجامعة وبين فئة مخصوصة من البيئة المثقفة ، ذلك الساحر بائع الكتب ، الذي كان يجلس هنا يوميا ساكنا من الصباح حتى الغروب ، دليلا واضحا للمعرفة التامة . يجلس على المائدة الرخامية وقد تكدست عليها أكوام الكتب والنشرات الدورية والمجلات ، يهمهم حين يقرأ ، ويميل بجسمه نحو الأمام وإلى الخلف وهو يهز رأسه الأصلع ولا يشعر بما حوله أبدا . فهو يقرأ كما يتعبد المتصوفون ، ومثلما يلعب المقامرون

قدمني إليه زميل لي بالجامعة وكنت أدرس أعمال " مسمر " وأعاني البحث عن المراجع الخاصة به ، وقال صديقي : " إن مندل يعرف كل شيء عن الكتب القديمة والحديثة وسيساعدك . إنه أعجوبة وذهبنا اليه في ذلك المقهى ، ولم يشعر بنا . كان يقرأ ويتمايل كأنه ورقة في مهب الريح ؛ ولكن زميلي قرع المائدة قرعا شديدا فإذا بمندل يرفع عويناته عن عينيه ويرمقنا ودعانا للجلوس وشرحت له بغيتي . فمسح عينه اليسري وكأنه يجمع أفكاره ، ولم يدم ذلك لحظة واحدة ، وإذا به على التو وكأنه يقرأ في فهرست مفتوح بعدد حوالي ثلاثين كتابا ويذكر مكان وتاريخ نشر كل منها وثمنه المحدد . فتولاني العجب نحو ذاكرته الفريدة الخارقة للعادة . إنه يعرف كل شيء عن كل كتاب ظهر ، وعنوانه وثمنه ومكان طبعه ، وهو يعرف الكتب التي ظهرت في كل علم أكثر مما يعرف عنها الإخصائيون فيه . وذلك كله بفضل ذاكرته الجبارة الساحرة

ولا تعرف تلك الشخصية العحيبة شيئا في العالم كله سوي الكتب ، فكل ظواهر الوجود لا تغدو حقائق بالنسبة إليه إلا حين تتحول إلى حروف مطبوعة . وهو يحب مهنته هذه ويخال بها ، حتي أكبر فيه بعض عظماء فينا ملكته النادرة ، وحاولت الجامعة أن تضمه إلى مكتبتها ولكنه رفض ، فهو لا تغريه النقود ، وهو لا يدخن

ولا يقامر . . وكل ما يتناوله من طعام هو بعض اللبن والفطائر . وكم تعجب إدا لاحظته وهو يمسك كتابا بين يديه ! إنه يقلب الصفحات في عناية وريث فائقين ، ولا يحب أن يشغله كائن سوى كتابه ، ويبدو بذلك كالمتعبد الناسك ، فحصوله على كتاب قيم يعادل الحصول علي امرأة جميلة عند غيره ، وهذه اللحظات التي يقضيها في تصفح الكتاب هي ليالي حبه الإفلاطونية ، ومقهي " الحظ " هو مكانه الدائم منذ ثلاثين عاما حين جاء إلى فينا من الشرق ليدرس حتى يشغل وظيفة في مكتب الحاخام ولكن سرعان ما هجر تلك الدراسة وجذبته الكتب فاتخذ ذلك المقهي محله المختار . يدخله يوميا من الساعة السابعة والنصف صباحا ولا يبرحه إلا بعد إطفاء الأنوار في المساء . يجلس في مكانه ويقرأ كتبه ولا يكلم أحدا . إن كل ما يشغله هي ملايين الحروف السوداء التي تعكسها عويناته الزجاجية فليتقطها مخه . أما ما عدا ذلك فهو لا شيء بالنسبة إليه

لذلك اعتراني شعور من الخوف والرهبة حين لاحظت مائدته خالية ، فقد علمني هذا الرجل كيف يخلص الفنان العالم لفكرته وكيف تكون هي المركز الذي تدور عليه حياته أكثر مما تعلمته من العلماء الحاليين . ومع ذلك فهأنذا قد نسيته ، فشعرت بالخجل وصاحبه حب استطلاع عن مكانه الآن . فسألت الساقي ورئيسه - وكانا جديدين عنه فأخبراني بأنهما لا يعرفان أحدا بهذا الاسم ، وعجبت أنا ، لماذا نعيش وهذا التيار الجارف يدفعنا أمامه في قوة إلى النهاية . ثم إذا بنا نسيا منسيا . ولما سألت عن صاحب المقهي القديم فقيل إنه توفي بعد أن باعه وليس هناك أحد من القدماء سوى حارسة المعاطف السيدة سبورشيل فطلبت رؤيتها وأنا أؤكد أنه ما من أحد ينسي شخصية مندل . وجاءتني في خطوات بطيئة وشعرها الأبيض مشعث ، وما إن سألتها عنه حتى لمعت عيناها وهي ترمقني بنظرة طويلة وتقول وهي تبكي : " إنه من العجيب أن أجد أحدا مازال

يذكره . لقد مات وأي عار أن يموت ذلك الرجل تلك الميتة الفظيعة ، وصحبتها إلي مائدة مندل وجلسنا ، وهناك حدثتني - كما توفرت لي بعض المعلومات بعدئذ من جهات أخري - عن قصة سقوطه .

قالت : نعم كان يأتي إلي هنا حين ابتدأت الحرب ) 1 ويواظب على الحضور يوميا في ميعاده كعادته ، وكان الكل يعتقد ويؤكد أنه يجهل اندلاع لهيب الحرب ولا يحس بها ، خاصة وأنت تعرف أنه لم يقرأ جريدة واحدة في حياته بل كان يتجه بكل كيانه وروحه إلي كتبه ولا يحس بأي شيء حوله . . إلى أن هبت العاصفة يوما فدخل جنديان في صباح أحد الأيام وقاداه إلي الخارج ، ولم يعد ثانية ، ومضى عامان على ذلك وهي لا تعرف سرا لهذا الاختفاء . ولكني عرفته فيما بعد كما يأتي : -

لاحظ موظف الرقابة الحربية يوما بطاقة موجهة إلي تاجر كتب بفرنسا وموقعة بإمضاء مندل يشكو فيها من عدم وصول الأعداد الأخيره من نشرة الكتب الفرنسية ، تعجب الموظف المختص ، فهذا شخص يكتب رسالة من النمسا إلي فرنسا ويضمها في صندوق الخطابات كأي شيء عادي . . وكأن الحدود لم تغلق بالأسلاك الشائكة ، وكأن فرنسا وألمانيا والنمسا والروسيا لا يقتل آلاف أبنائها بعضهم بعضا يوميا واعتبر الأمر مهزلة ساخرة واحتفظ بالبطاقة في درج مكتبه ، ولكن بعد أيام مرت عليه بطاقة أخرى مرسلة من نفس مندل إلي كتبي آخر في لندن يسأله عن أعداد مجلة " علم الآثار القديمة وقد ذيلها بعنوانه الكامل وبعد ساعة كان يعقوب متدل مقبوضا عليه وهو يعجب لذلك . وعرضوا عليه البطاقتين فأقر بأنه هو الذي أرسلهما ، أليس له الحرية في أن يطلب ما يريد ، وتعجب الضباط وبدأوا يستجوبونه . . وجر ذلك الاستجواب في أذياله الشقاء لذلك الرجل المسكين ، إذ اتضح أنه من قرية تقع

بقرب الحدود الروسية البولندية وأنه ليست لديه أوراق تثبت شخصيته وأنه ما زال رعية روسية ولم يتجنس بالنمساوية بعد . وكان مندل ينظر نظرات تائهة خلال عويناته وهو يعجب . . إنه لا يفقه شيئا مما يقال . وانفجر الضابط غاضبا متعجبا . كيف يوجد في عاصمة النمسا وفي منتصف الحرب في نهاية عام 1915 رجل روسي يسير في قلب المدينة هادئا مطمئن البال ويرسل الخطابات إلى فرنسا وانجلترا ولا يعلم البوليس عنه شيئا . . وبعد ذلك يتساءلون عن حركات الجيوش التي تنقل إلي روسيا بواسطة جواسيسها .

ولما سئل مندل : لماذا لم يقدم نفسه على أنه أجنبي في أول فرصة ؟ أجاب في براءة غريبة وفي لهجة يهودية هادئة : " لماذا أشغل نفسي بذلك ؟ " وأجاب بالنفي حين سئل إن كان قد قرأ النشرات أو الجرائد . وسيق يعقوب مندل إلي السجن ثم نقل إلي أحد معسكرات الاعتقال وهو لا يعرف ما الذي سيفعل به . . ففي دنيا كتبه لا توجد حروب أو أي سوء تفاهم . . بل دنياه كلها معرفة واغتراف دائم من منهلها ، وحفظ لعنوانات الكتب وأرقامها وأسمائها فحسب . ولكنه حين جردوه من كتبه ومذكراته هاج وماج حتى سقطت عويناته فتحطم ذلك المجهر الذي كان يصله بدنيا العقل والوجدان ، ولا ندري ما الذي عاناه في المعتقل لمدة عامين ، بعيدا عن كتبه ودنياه ، لا يدري أحد . . ولكن لعل العالم قد شعر أخيرا أن من أفظع فظائع الحروب أن يوضع رجال مدنيون أبرياء قد تعدوا سن الجندية بمراحل خلف أسلاك شائكة وهم الذين أمضوا في تلك البلاد الغريبة عن بلادهم زهرة عمرهم واعتبروها وطننا ثانيا لهم ، فلم يسهل عليهم تركها في أزمات مثل هذه هاربين فارين وقد أصبحت موطنهم الروحي .

وكان من المتوقع أن يمرض أو يصيبه الجنون لولا أن انتشل من هذه الوهدة في الوقت المناسب . إذ حولت إليه

في المعتقل المراسلات التي كانت تصله على مقهي " الحظ " من كبار شخصيات فينا . . وسمح له الضابط حين عرف شخصية ذلك اليهودي الفذر ان يرد عليها ويطلب معونتهم في مساعدته في الإفراج عنه وقد كان . فخرج من المعتقل بعد أن قضى عامين على أن يقدم نفسه يوميا إلى مركز البوليس . فكان عند ذلك

وأصبح في إمكانه أن يعود إلي حريته وكتبه وإلي ركنه الحبيب في المقهي . ولكنه حينئذ كان يذكر الرائي له بالموت بمجرد رؤيته . فهو هزيل ضعيف يلبس أسمالا بالية . كلا لم يعد كما كان من قبل ، لم يعد ذلك السجل الوافي للكتب الجديدة والقديمة ، وكل من رآه في تلك الفترة كان يعتقد أن هناك حاسة قد ماتت من حواسه ، فهو يبدو كالميت وهو يقرأ بشيء قد تحطم في نفسه ولا تدري كنهه تماما . فهو متبلد الذاكرة وكأن عمودا شامخا قد أقيم في هندسة نفسه البنائية فحجب ذكريانه السعيدة وكشف ذكرياته المؤلمة ، فاهترت نفسه وتخلخل بناؤها وانمحي ذلك الجوهر السماوي الذي كان ينيرها دائما . وهو الآن ينظر إلي عملائه نظرة تائهة ولا يدري كيف يجيبهم على أسئلتهم ، بل هو ينسي ما سألوه عنه . فترتفع عيناه إليهم في تساؤل ذليل . عيناه قد انطفأ لمعانهما ، ولعلهما رأتا في ذلك المعتقل ذي الأسلاك الشائكة مناظر فظيعة حتى ظهرتا بهذا المظهر الحزين ، لم يعد مندل كما كان من قبل ، تلك الأعجوبة التي أدهشت العالم ، بل هو الآن كتلة من عظام وذقن وملابس رثة بالية ، لم يعد شرفا يفخر به مقهي " الحظ " بل هو الآن وصمة عار تلطخ جبينه ، جيفة تعاف النفوس النظر اليها .

وهكذا كان شعور صاحب المقهي الجديد الذي كان ينتهز الفرص للتخلص منه ، وسرعان ما حانت الفرصة بعد أن عاني مندل من الفقر المدقع ما عاني ، إذ تفرق عملاؤه وفقدت أوراقه المالية التي اقتصد قيمتها ، وأصبح مدينا

بثمن القهوة وقطع الفطائر ، ولاحظ رئيس الخدم أن ثمن مبيعات الفطائر لا يتفق مع الحسابات الخارجية ، وحامت شكوكه حول مندل حتى ضبطه يوما وهو يسترق الخطي إلي المطبخ ويسرق قطعتين ، فصاح فيه صاحب المقهى وطرده . وكان مندل يرتعش مضطربا ، ثم ترك المقهي في ذلة ومسكنة وهدوء وقد غاض لونه ، حتى إنه نسي معطفه ، وكان الجو شديد البرودة ، وترك كتابه على مائدته من شدة خوفه

ولم تلاحظ سبورشيل الكتاب إلا بعد خروجه فاحتفظت به . ولما سألتها عما حدث له بعدئذ قالت وهي مهتاجة العواطف : " مضت مدة طويلة لم أسمع عنه شيئا خلالها ، ولكن حدث في صباح يوم من أيام فبراير في الساعة السابعة والنصف أن فوجئت بالباب يفتح ومندل يدخل وهو يترنح في مشيته ، وما إن رأيته حتى أيقنت أنه لا يعرف شيئا ، وأنه كمن يسير في نومه دون أن يشعر ، وأنه نسي كل شيء عن الفطائر وصاحب المقهي ولم يكن هذا الأخير ولا رئيس الخدم قد حضرا بعد ، فأسرعت إليه لأنصحه بعدم البقاء فإذا به يتذكر ويتراجع وهو يرتعش ، وأسرع في خطي مضطربة نحو الباب . ولكنه سقط مغشيا عليه وفي المساء مات متأثرا بالتهاب رئوي مضاعف وقال الطبيب إنه جاء إلى المقهي بتأثير الحمى وهو لا يدري .

يا إلهي ! لقد كان على حق . إن الإنسان إذا ما لازم مائدة لمدة ستة وثلاثين عاما أصبحت هذه المائدة بمثابة بيته وكل شيء لديه ! وبقينا نتحدث عنه نحن اللذين نعرف آخر سلسلة من حياته . فهو ذو فضل أدبى علي ، وهي قد جمعتها به صلة الفقر طيلة هذه المدة . وفجأة قامت فأحضرت لي الكتاب الذي تركه ، ولم أتمكن من أن أمنع الابتسامة التي ارتسمت على شفتي ، لأن المقادير التي تلعب بنا وتسخر ، تخلط الهزل بالعواطف العميقة ، فلم يكن ذلك الكتاب سوى موسوعة عن مجمل أدب الغرام والغزل وتشاء المصادفة أن يكون ذلك هو آخر أثر لذلك الساحر الفاني يقع بين هاتين اليدين الفقيرتين المتعبتين الجاهلتين اللتين لم تمسكا بأي كتاب ، اللهم إلا كتاب الصلاة ووجدتني أقول

لها : " لا تقلقي واحتفظي بالكتاب فإن صديقنا الشيخ مندل ليغمره السرور حين يعرف أن هناك على الأقل شخصا واحدا من الآلاف الذين غمرهم بفضله مازال يذكره .

وخرجت وقد شعرت بخجل في نفسي إزاء هذه المرأة العجوز الطيبة التى بقيت مخلصة لذكري ذلك الرجل المتوفى على طريقتها السهلة المفعمة بالإنسانية الدائمة . فمع أنها امرأة جاهلة لا تقرأ ، ولكنها ما زالت محتفظة بكتابه ليكون أس ذكراها له .

وهأنذا . لقد نسيت مندل لعدة سنوات . . أنا الذي عليه أن يعرف أننا خلقنا الكتب لتصل أرواحنا بأرواح من يتبعنا ولندافع بها عن أنفسنا ضد أعدي أعداء الحياة وهما الفناء والنسيان

اشترك في نشرتنا البريدية