الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 46 الرجوع إلى "الثقافة"

منذ تنيف وتسعمائة سنة :, عيد الفطر فى الدولة الفاطمية

Share

وكيف لا تحتفل دولة الأعياد بعيد الفطر ، وهى التى خلقت أعيادا من غير أعياد ، ومواسم فى غير مواسم . فلقد كان عيد الفطر من أجل أعيادهم ، وكان احتفالهم به من أروع احتفالاتهم ، وكان يبالغ فى إحياء أيامه حتى تكون خير ختام لليالى رمضان .

ففي آخر يوم من رمضان يبدأ الوزير ورجال الدواوين وحاشية القصر يعدون العدة لخروج الخليفة فى موكب العيد ، كل فى دائرة عمله ، وتبدأ مطابخ قصر الخليفة ، ودار الفطرة تعد معدات أسمطة العيد من مختلف الأشكال والألوان ، أما دار الكسوة فتكون قد أتمت صناعة الكسوات التى يخلعها الخليفة على وجوه الدولة وطوائف العامة .

وكان عدد الأسمطة التى يحضرها الخليفة بنفسه فى

عيد الفطر سماطين ؛ أما الأول فكان بسيطا غير حافل بالألوان ، وإن كان حافلا من حيث كميات ما يعبأ عليه من الطعام ، ولعل ذلك راجع إلى الوقت الذى كان عد فيه هذا السماط ، وهو وقت الفجر من أول أيام العيد ، فقد كان السماط يمد بالليل فى الأيوان أمام الشباك الذى يجلس فيه الخليفة ؛ ويقتصر فى تعبئته على أصناف الحلوى التى منها ما هو على شكل تماثيل ، وما هو على شكل قصور ، وما هو على غير ذلك من الأشكال ، كالتمور التى يستخرج ما فيها وتحشى بالطيب وغيره وتسد وتختم ، مما كانت تنتفن فى صنعه دار الفطرة . فإذا صلى الخليفة الفجر حين يلوح مباشرة ، ذهب فجلس أمام الشباك متصدرا السماط ، ويحضر الوزير فيجلس عن يمينه بعد أداء السلام ، ثم يدخل الأمراء والقاضى والداعى ، ثم عامة الضيوف من الخاصة ، وكل منهم يسلم ثم يجلس على حكم مرتبته ، ثم يبدأ الخليفة بالتكبير ، ويتناول تمرة يفطر عليها ، ثم يتناول الوزير مثلها ، فإذا كان يعتقد بالفطر فى يوم العيد أكلها ، وإلا قبلها وتظاهر بالفطر عليها ، ثم جعلها فى كمه ، ويتناول الحاضرون كل مما أمامه على حسب ما يشتهى ، فمن كان مفطرا أكل ، ومن أراد صيام العيد أوما ، ثم اختزن فى كمه على سبيل البركة . ومن الخلفاء الفاطميين من اضطر الناس إلي الأفطار يوم العيد ، وهذه من بلغه عنه أنه صامه . وكان الوزير يضرب لهم المثل فى أخذ الطعام معه ويشجعهم عليه . فمن ذلك ما قال الوزير المأمون بن البطائحى فى فجر ذات عبد وقد استقر الجمع على السماط : " ما على من يأخذ من هذا المكان نقيصة ، بل

له به الشرف والميزة " وملأ كمه من على السماط ، وحذا حذوء الحاضرون ؛ فاذا انهت هذه الطبقة ، فشبعت مما أكلت ، وتبر كنت بما أخذت ، أباح الوزير السماط لعامة الناس ممن تجمعوا بالقصر ، فيدخلون وينهبون السماط ، " فيأخذ من يأكله فى يومه ومن يدخره لغده ، ومن لا حاجة له به فيبيعه . ولا يفرع من هذا السماط إلا وقد بزعت الشمس ، فيتهبأ الجميع لموكب الخليفة لصلاة العيد.

وكانت صلاة العيد فى عهد الدول الفاطية تؤدى خارج أبواب القاهرة ، وذلك عملا عما أثر عن النبى صلى الله عليه وسلم من أن صلاة العيد تقام فى الصحراء لا فى داخل المدن ، لذلك كان من أول منشآت الفاطميين فى مصر مسجد عرف باسم " مصلى العبد " أقامه جوهر الصقلى فى خارج باب النصر فى صحراء الربدانية ( العباسية الان ) لأنها أقرب بقعة صحراوية من القاهرة . وكان ذلك فى رمضان سنة ٣٥٨ ه ( ٩٦٩ م ) فى نفس الوقت الذى اختط فيه المدينة .

وفى ليلة العيد تتخذ الشرطة ورجال القصر بإشراف قاض القضاة العدة لمرور موكب الخليفة من قصره داخل أبواب القاهرة إلى مصلى العيد خارجها . فيصطف المؤذنون وقوفا على المصاطب على طول الطريق ما بين القصر والمصلى حتى يتصل التكبير بينهما . ويجلس المفرئون وأتباع المذهب الشيبى من مغارية ومصريين على تلك المصاحب بمقتضى قوانين تصدر من ديوان الانشاء ، حتى تمثلئ بهم تلك المصاحب ؛ وببيتون فى أما كنتم تلك الليلة . ويترادف الجنود صفوفا على الجانبين بطول الطريق ، ويقبل أشتات من الناس من أنحاء مصر والقاهرة للتفرج على موكب الخليفة حتى تكتظ مهم جوانب الطريق .

وفى نفس الليلة يشرف صاحب بيت المال على فرش مصلى العيد وإعداده للصلاة بإمامة أمير المؤمنين .

فيفرش المصلى بثلاث سجادات متراكبة تعلو إحداها الأخرى ، وفوقها جميعا " السجادة اللطيفة التى كانت عندهم معظمة " وهى قطعة من الحصير قيل إنها كانت لجعفر ابن محمد الصادق الإمام السادس من أمة الشيعة ، وقيل إنه كان يصلى عليها . ثم يكمل فرش المصلى بالحصير ، ويعلق على المحراب الشروب المذهبة ، ويعلق على المنبر ستران جميلان نقش على الأيمن منهما البسملة والفائحة وسبح اسم ربك الأعلى " وعلى الأيسر مثل ذلك مضافا إليه " هل أتاك حديث الغاشية " وتفرش جميع درجات المنبر ، ويوضع فى أعلاء مخدة من الديباج المطرز يجلس عليها الخليفة بين الخطبتين . وتوضع فى المصلى أربع مباخر فى صينيات من الفضة : إحداها فى المحراب واثنتان حول المنبر عن يمينه وعن شماله ، وواحدة فى الموضع الذى يجلس فيه الخليفة إلى أن تقام الصلاة .

ومتى يزعت الشمس فى صبيحة يوم العيد ، أقبل الوزير وحاشيته ، والأمراء وأصحاب الدواوين والقاضى والدعاة ، وكل من له موضع فى موكب الخليفة ، ووقف كل منهم فى موضعه على حسب مرتبته . ويخرج الخليفة من القصر عن طريق باب العيد وهو فى زى عبد الفطر ، وهو الثياب البيضاء الموشحة . ومتى خرج نشرت المظلة البيضاء المثقلة بالجواهر والذهب عن يمينه ، وسار الموكب على نحو ما مر بك فى " مقالة رمضان " . ويزيد عليه قضيب المنك فى يد الخليفة . وخروح جميع طوائف العساكر فى الركب من الناربة والأتراك والعزيزية والأخشيدية والكافورية وأهل العراق ، بالسيوف والمناطق الذهبية ، وعلى الخيل السروج المذهبة ؛ وأمامه الفيلة شدت عليها الأسرة مملوءة رجالا لا تظهر منهم إلا الأحداق وفى أيديهم السيوف المجردة . ومنى بدأ الموكب تجاوب المؤذنون والنظارة ، بالتسكبير الذى لا ينقطع بين القصر والمصلى.

ومتى بلغ الموكب باب المصلى الخارجى ، ترجل الجميع ،

فلا يدخل المصلى راكبا إلا الخليفة والوزير . فإذا بلغا باب المصلى ترجل الوزير ، ثم سلم على الخليفة فأجابه هذا بكه ، ثم يتقدم الوزير ، فيأخذ بشكيمة جواد الخليفة إلى أن يترجل هو الآخر . ويدخل الخليفة المصلى من بابه الشرقى إلى مكان يستريح فيه رهة ، ثم يدخل المصلى وقد كبر المؤذنون وأطلق البخور ، فيقف فى المحراب وحوله الوزير عن يمينه ، والقاضى عن شماله ، وكاتب الدست وصاحب ديوان الإنشاء تحت عقد المنير ، ثم يقف الدعاة والأمراء والأشراف والشيوخ ، ثم من هم دونهم فى المرتبة ، ويشرف على ترتيب الجميع ) الدامى فلا يتمكن من دخول المصلى إلا من " يعرفه ويكون فى ضمانه " .

ويصلى الخليفة بالناس صلاة العيد , تامة طويلة جدا                                                                                                                           على الأصول الشيعية ، حتى لقد قرر ابن زولاق المؤرخ المعاصر أنه سبح خلف الخليفة المعز لدين الله فى كل ركعة وكل سجدة نيفا وثلاثين تسبيحة . ويبلغ الوزير والقاضى عن الخليفة التكبير لجماعة المؤذنين فى جانبى المصلى ، ويتصل التكبير من هؤلاء إلى مؤذنى مصلى الرجال والنساء خارج المصلى الكبير ، ومن هؤلاء إلى المؤذنين على المصاحب فيما بين المصلى والقصر ، فيكون للصلاة روعة أى روعة . ومتى سلم الخليفة خرج من المحراب وانمطف إلى اليمين ، وصعد المنبر فى خشوع وسكينة ، والجميع شاخصون إليه داعون له ، حتى إذا بلغ آخر مرة منه ، أومأ إلى الوزير فيصعد المنبر ويقف بحيث يكون وجهه موازيا قدمى الخليفة فيقبلهما ، ثم يقوم ويقف بجانبه . ثم يومى الخليفة لقاضى القضاة فيصعد إلى سابع درجة ويقف عندها . ثم يخرج من كمه ورقة تصدر إليه من ديوان الإنشاء وفيها أسماء من سيتشرفون بالصعود إلى المنبر مع الخليفة ، ويأخذ فى قراءتها بصوت جهير . وفى مقدمتها ما جرت به العادة من تسمية

يوم العبد وسنته والدعاء للدولة ، وهى كما وردت فى إحدى هذه الأوراق : " بسم الله الرحمن الرحيم . ثبت بمن شرف بصعوده المنبر الشريف فى يوم كذا وهو عيد الفطر من ستة كذا من عبيد أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين .. " . ثم يبدأ فى نداء الأسماء وبعد كل اسم ما كتب أمامه من الصفات والتموت والدعاء . وكل من سمع اسمه صعد المنبر وقبل الأرض ووقف على الدرجة التى تتفق ومرتيته . ومما كان يتفق من الفكاهة فى هذا المشهد أن اسم القاضى كان يرد بين هؤلاء ، ولما كان هو القارئ فقد كان يضطر إلى التواضع فلا يذكر ما أمام اسمه من الصفات والألقاب والدعاء ، بل قد كان يضطر إلى قلب المعانى ، فيذكر من عنده أمام اسمه صفات التحقير ، كالذى اتفق للقاضى ابن أبى عقيل حين قال عن نفسه : " العبد الدليل ، المعترف بالصنع الجميل " فى المقام الجليل ، أحمد بن عبد الرحمن بن أبى عقيل " . أو القاضى ابن سلامة حين قال : " المملوك فى محل الكرامة ، الذى عليه من الولاء أصدق علامة ، حسن من على بن سلامة " ثم يقف الجميع وقد أمسك كل منهم بما أمامه من أطراف سترى المنير ، فيستتر الخليفة ويستترون . وينادى فى الناس بأن ينصتوا ؛ ومن المنادين من قد تقفنن وبالغ كالذى كان من صنيع الشريف ابن أنس الدولة حين أشلو إلى الحاضرين والخليفة الحافظ ( ٥٤٤-٥٤٩ ه ) على المنبر ، وقال :

خشوعا فان الله هذا مقامه

وهمسا فهذا وجهه وكلامه

وهذا الذى فى كل وقت بروزه

تحيانه من ربنا وسلامه

وكان من مبالغته أن أمر الخليفة من استوقفه ، فلم

يزد على ما قال شيئا .

ويسلم الخليفة على الناس يمينا وشمالا ، ثم يخطب مبتدئا باسم الله الرحمن الرحيم ، ثم يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، ثم يخطب بخضوع وخشوع . ومن الخلفاء من أبكى الناس وهو يخطب ، كما حدث من الخليفة المعز لدين الله فى عبد الفطر من سنة ٣٦٢ ه ( ٩٧٢ م ) . فاذا انتهى من خطبته ترك كل من على المنبر ما بيده من أطراف الستر ، ثم يأخذون فى النزول من على المنير بترتب وقوفهم ، فالأقرب من الباب ينزل أولا ؛ ويكون تزولهم جميعا القهقرى ، فلا يولون ظهورهم نحو الخليفة وهو وأقف فى أعلى المنبر

ويركب الخليفة من الصلى بنفس الهيئة التى قدم بها ، ويتوجه إلى ترية آبائه فيزورها ، ثم يعود إلى قصره ، والدنانير والدراهم تنثر أمامه على طول الطريق ، فيعم الناس خير كثير . قالوا وقد اعتادت طائفة من أهل برقة تعرف " بصبيان الخف " أن تقوم ببعض الألعاب فى موكب الخليفة ، ولهم جرابات وكسوات وهبات . قالوا قيمدون حبلين مسطو حين من أعلى باب النصر إلى الأرض : حبلا عن يمين الباب وحبلا عن شماله . فإذا عاد الخليفة من المصلى نزل على الحبلين طائفة منهم على خيل من الخشب الدهون ، وفى أيديهم رابات ، ويلعبون ألعابا تذهل العقول . ويركب جماعة منهم فى الوكب على خيول يركضون بها وهم ينقلبون عليها ، ويخرج الواحد منهم من تحت إبط الفرس وهو يركض ، ويعود فيركب من الجانب الآخر . ومنهم من يقف على ظهر الحصان فيركض به وهو وأقف . وكانوا كثيرين ينضمون إلي موكب الخليفة فينالهم بما لعبوا خير وافر .

ومتى عاد الخليفة إلى قصره وجد السماط الكبير قد مد فى قاعة الذهب ، وفيه ضروب من الوصف المنع تقرأها إن شاء الله فى مقالة " عبد الأضحى " . ويقترن بهذا السماط ضروب لا تحصى من الهبات والانمامات والخلع وتفريق القطرة ، على من صعدوا المنبر مع الخليفة

ومن أذنوا فى المصلى وعلى المصاحب ، وعلى وجوه الدولة والشيوخ والقضاة والأمراء والكتاب والشعراء ، والمتصدرين بالجوامع وفقهاء القاهرة ومصر ، وطوائف العامة . ومن الخلفاء الفاطميين من شملت هبائه اليهود والنصارى فى يوم العبد .

وكان عيد الفطر بسعى فى الدولة الفاطمية " عبد الحلل". وذلك لأن الحلل التى يخلعها الخليفة على الناس كانت نعم الطبقات جميعا غنيها وفقيرها ؛ أما فى غيره من المواسم فكانت للأعيان خاصة . فكانت الكسوات ترسل إلى الناس كل واحد حسب مرنبته ؛ ومن الحلل ما كان مرسعا بالذهب والجوهر . وكان يرسل مع كل كسوة رقعة من ديوان الانشاء بوجه الخطاب فيها إلى من خلمت الحلة عليه . وكانت فى هذه الرقاع تتجلى بلاغة كتاب ذلك العصر . فمن ذلك وقعة من إنشاء ابن الصير فى أرسلت مع حلة لأحد الأمراء فى عيد الفطر سنة ٥٣٥ م جاء فيها :

" . . ولم يزال أمير المؤمنين منعما بالرغائب ، موليا إحسانه كل حاضر من أوليائه وغائب ، مجزلا حظهم من منائحه ومواهبه ، موصلا إليهم من الحباء ما يقصر شكرهم عن حقه وواجبه . وإنك أيها الأمير لأولاهم من ذلك بجسيمه ، وأحراهم باستنشاق نسيمه ، وأخلقهم بالجزء الأوفى منه عند فضه وتقسيمه ، إذ كنت فى سماء السابقة بدرا ، وفى جرائد المناصحة صدرا ، وممن أخلص فى الطاعة سرا وجهرا ، وحظى فى خدمة أمير المؤمنين بما عطر له وصفا ، وسير له ذكرا . وقد أقبل هذا العيد السعيد ، والعادة فيه أن يحسن الناس هيأتهم ، ويأخذوا عند كل مسجد زينتهم ؟ ومن وظائف كرم أمير المؤمنين تشريف أوليائه وخدمه فيه ، وفى المواسم التى تجاربه ، بكسوات على حسب منازلهم ، تجمع بين الشرف والجمال ، ولا يبقى بعدها مطمع للآمال "

اشترك في نشرتنا البريدية