الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

منزلة الكاتب

Share

إن قصة " الدكتور جيفاغو " وما اكتنف ظروف نشرها من ملابسات لفتت أنظار الادباء وأصحاب القلم في بلدان كثيرة - وخاصة في البلدان غير الخاضعة لمنطقة النفوذ السوفيتية - الى شخصية مؤلفها بوريس بسترناك وحملتهم على الوقوف عند هذا الاثر الادبي الذي لم يتح له الظهور بروسيا ، وتبينِ ما قد يلقيه من أضواء على الادب الروسي المعاصر وتطوراته . لكن هذا الاهتمام وهذا التطلع تضاعفا بعد أن منحت الاكادمية السويدية جائزة " نوبل " لهذه السنة إلى صاحب القصة ، لا تقديرا لهذا التأليف بالذات بل إكبارا للاديب الروسي الفذ والشاعر الرقيق ، وإعظاما لمجموع مؤلفاته التي لا يعرفها الا الواحد بعد الواحد من المثقفين في الغرب عامة . فلما وقفت السلطات الروسية وخاصة الاوساط الثقافية في موسكو من " بسترناك " موقفا عدائيا وضغطت عليه بحيث رفض الجائزة بعد أن ابرق يشكر الهيئة التي شرفته بمنحه إياها انتقل اهتمام جمهور الكتاب والمثقفين الى النظر في منزلة الكاتب بروسيا خاصة وبمنزلته على العموم حيثما كان ؛ وهذا ما نود ان نتعرض اليه بإيجاز خدمة للادب وحرصا على توضيح السبيل الى الناشئين من الادباء في هذه البلاد .

ولعل ذلك لا يتأتى حتى نقدم للقراء - وخاصة الى ذوي اللسان الواحد الذين لم يتمكنوا من تتبع اطوار القضية في المجلات الاعجمية اللسان - شخصية مؤلف " الدكتور جيفاغو " ونذكرهم بماهية القضية وبأهم معطياتها .

ولد بوريس بسترناك بموسكو سنة ١٨٩٠ من أب كان يحترف تدريس الرسم بمدرسة الفنون الجميلة ويبدع في رسم اللوحات الزيتية ، وأم تهوى الموسيقى وتحذقها علما وفنا ، فنشأ في هذا الوسط الذي اتاح له ان يرهف حسه

ويصقل مواهبه ويُثري تجربته ويوسع ثقافته ويتعرف الى كبار الفنانين والادباء ويتعاطف معهم ويستمد منهم ، ومن أشهرهم وأخلصهم لابيه الروائي الكبير " تلستوي " صاحب " الحرب والسلم " .

وما ان بلغ سن المراهقة حتى سافر الى برلين عاصمة المانيا صحبة عائلته ثم زاول تعلمه العالي بموسكو ثم ببرلين وبعد ذلك شرع في السفر الى أقطار أجنبية اخرى فزار فرنسا وإيطاليا وتزوج من إيطالية . وسرعان ما ظهرت ملكته الادبية وقد تأثر بالشاعر " بلوك " احد رفقائه في الشباب وكذلك بالشاعر الالماني " رايلك " . فكانت اول محاولة ادبية قام بها ترجمة لقصيدة " غوتا " التي بعنوان " الاسرار الخفية " ثم سكنه شيطان الشعر فنظم منذ سنة ١٩١٣ وكانت أول مجموعة له بعنوان " توأم في السحب " وتواصل إنتاجه الشعري - الغنائي خاصة - فيما بين سنتي ١٩١٩ و ١٩٢٥ فنشر " وراء الحواجز " و " أختي الحياة " و " مطالب وتغيرات " ونظم قصائد كثيرة تغنى فيها بثورة ١٩٠٥ .

فلفت بذلك الانظار وتبوأ مكانة مرموقة في دنيا الادب ببلاده واخذ الشباب الروسي يتغنى بشعره . ولما نشر كتاب " ميلادٌ ثانٍ " سنة ١٩٣٢ اهتمت السلط بأمره حتى اذا ما أخرج للناس سنة ١٩٣٤ " قصة " صودر هذا التأليف وسحب من المكتبات . فآثر بسترناك الصمت وانصرف عن الشعر والادب الانشائي عامة الى النقل فترجم الى الروسية اهم آثار " شكسبير " و " غوتا " و " رايلك " . وقد تمكن بفضل الترجمة من كسب القوت والتمتع بمنزل في " قرية الكتاب " في أحواز موسكو . ولا يزال الى اليوم مقيما هناك صحبة زوجته وابنه .

وبعد موت " ستالين " خفت وطأة الضغط المسلط على حرية الفكر عامة وحرية الاديب خاصة ففاضت قريحة بسترناك وقد طال كبتها فنشر سنة ١٩٥٤ في مجلة " العَلَم " الصادرة بمدينة لينينغراد عشر قصائد أثارت إعجاب القراء ورددها الشباب المتعلم .

وفي سنة ١٩٥٦ عرض قصته " الدكتور جيفاغو " على الرقابة التي لا يمكن طبع اي سطر ولا نشر اي كتاب من دون موافقتها وفي انتظار " التأشيرة " سلم نسخة مخطوطة الى ناشر إيطالي الجنسية شيوعي المذهب يدعى " فيلترينلي "

فظهرت القصة في ايطاليا باللغة الايطالية ثم فرنسا باللغة الفرنسية ثم نشرت بانقلتيرا فألمانيا ، على هذا النحو عرف الادباء في كل مكان بسترناك وأقبلوا على قراءة قصته الطويلة محللين مستفسرين معلقين ، ولم يتح لهذه القصة ان تنشر بموسكو الى اليوم .

فلما منحت الاكادمية السويدية جائزة نوبل لبسترناك تلقت منه يوم ٢٤ اكتوبر الماضي ردا ضمنه شكره واستعداده للقدوم الى " ستوكهلم " لتسلم الجائزة ( ١ ) ، وفي نفس اليوم بدأت " المجلة الادبية " ( Literatournaia Gaseta ) وهي لسان حال المنظمة الحكومية " جمعية الكتاب السوفياتيين " تهاجم صاحب " الدكتور جيفاغو " وتوالي اتهاماتها الى يوم ٢٨ اكتوبر حيث قررت الجمعية المذكورة رفت بسترناك بتهمة " الخيانة " وفي يوم ٢٩ اكتوبر صرح الكاتب العام للشبيبة الشيوعية السيد " سميتشاستني " بان " سلوك بسترناك اوسخ من سلوك الخنزير " وحينئذ اعلن المتهم انه يرفض جائزة نوبل فسجلت الاكادمية هذا الرفض يوم ٣٠ اكتوبر . وتوالت الهجومات عنيفة لا ترحم ، وفي غرة نوفمبر وجه بسترناك رسالة الى خروتشوف رئيس الحكومة ، يرجوه فيها ان يرحمه وان يمكنه من قضاء بقية حياته في ارضه قائلا : " ان طردي خارج حدود الوطن معناه - عندي - الموت ! "

تلك هي حياة بسترناك وتلك اهم معطيات هذه القضية التي اثارتها قصة " الدكتور جيفاغو " وابرز خطوط تطوراتها رايت من الضروري تذكير القراء بها قبل التصدي الى علاج جوهر المشكلة اي منزلة الكاتب في هذا الوجود .

وقبل كل شيء اود ان ارفع التباسا قد يكون حصل في ذهن بعض القراء فإني لا أريد من ذكر ما تقدم التشهير بالاضطهاد المسلط على المفكرين في البلدان الشيوعية وفضح استهتار القوم بحرمة الفكر وازدرائهم بحرية الرأي . لان ذلك ليس موضوع المقال اولا وثانيا لانريد تنزيه الغرب في هذا الصدد والمفاضلة

بين جحيم الشيوعية وجنة الرأسمالية . فاذا كان الفكر مكبوتا في البلاد الشيوعية والتوجيه صارما قاسيا والادباء في منزلة الموظفين الرسميين تنفق عليهم الدولة مقابل افراز الادب وصناعة الفكر ، فان زملاءهم في البلاد غير الشيوعية - سواء كانوا في امريكا او اروبا او افريقيا او آسيا . يتمتعون في اكثر الاحيان بحرية لفظية كاذبة خادعة ، ويصطدمون بعقبات نفسية اجتماعية واقتصادية كثيرا ما تزيغ بهم عن القصد وتفسد عليهم حياتهم وتحول دون تبليغ رسالتهم على الوجه الاكمل .

ومن السخرية المرة ان يبادر بعض كتاب الغرب بتوجيه برقيات التاييد والتضامن لبسترناك وبالاحتجاج على المعاملة القاسية التي تعامله بها السلط السوفياتية باسم الحرية والقيم العليا وحرمة الانسان الفرد بينما هم لا يحركون ساكنا اذا داست حكوماتهم هذه المبادىء المقدسة ويسكتون امام حروب الابادة كالتي تجري رحاها في الجزائر منذ اربعة سنين خلت حيث تضطهد لا حرية فرد فحسب بل ثقافة امة ويمسخ تراث قوم وتنتهك اعراض ملايين من البشر ، ويكفيني برهانا على ما أشير اليه اذا ذكرت ان من بين الممضين في احدى تلك البرقيات عضوا " بارزا " في الاكادمية الفرنسية اعني " المرشال جوان " الذي كانت " البطة المغلولة " تطلق عليه - ايام كان مقيما عاما لفرنسا في المغرب - اسم " المارشال مارس ( ! ) "

والحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها والاعلان عنها هي ان القوم - سواء كانوا في هذا المعسكر او في ذاك - ايديهم قذرة ملطخة وضمائرهم قلقة ومسؤولياتهم متجانسة .

فاذا كان ذلك كذلك وجب ان نجتنب الوقوع في ضرب من ضروب الحرب الباردة واغتنام قضية " الدكتور جيفاغو " للتشهير باساليب روسيا في معاملة الادباء كما فعل كتاب ونقاد كثيرون في الغرب - وانما الذي يحسن ان نعالجه ونحلله هو منزلة الكاتب على العموم وموقف الجماعة ازاء الخلق الادبي والابداع الفني .

واول ما يجدر تقريره هو ان الكاتب مسؤول ( ١ ) عما يكتبه وعما يسكت

عنه لانه فرد من جماعة ، في حدودها القومية الضيقة او في حدود الانسانية الشاسعة ، ولانه بقدر ما يتاثر بهذه الجماعة ويتجاوب معها ويستمد منها ويستوحيها يؤثر فيها عاجلا ام آجلا ، ما دام للكلمة مفعول ولومضة الفكر رسالة . ولا يمكن ان يكون للمجانية معنى خصوصا في عصرنا هذا حيث يسرت العلاقة بين الكاتب والقراء اي بن أداة الارسال واداة التلقي ونقصت العقبات التي كانت تعترض سبيل النشر والتوزيع ، وارتفع مستوى الثقافة العام وانتشر التعليم . . . وان " اندري جيد " الذي تنسب اليه المجانية في الادب كان ملتزما خدمة البشرية في ابعد أبعادها ومضطلعا بهموم الحياة واعباء الوجود - ألم يقل في آخر حياته عن لسان " تيزي " " اني عن طيب نفس - اقترب من الموت ، متوحدا . ذلك اني تمتعت بخيرات الارض ، وانه ليلذ لي ان اتصور بان الناس ، بفضل جهودي ، سيجدون نفوسهم اكبر سعادة وافضل حالا واكثر حرية . لخير الانسانية الآجلة قدمت اعمالي ؛ لقد قضيت نحبي " .

فاذا خرج الاديب من طور السفاهة الى طور الرشد وشعر بمسؤوليته وادرك جنس التضامن الذي يربطه ببيئته وعصره هل من واجبه بعد ذلك ان يتلقى التوجيه من المجتمع وينتظر التعليمات من معاصريه ويعرف قيوده فلا يحاول تجاوزها ؟ هل نستند الى " تكليف " الكاتب لنضع حدودا عقائدية او فلسفية او اقتصادية سياسية لنشاطه العقلي وعمله الادبي ؟

الحق ان " تسخير " الكاتب هو شر ما يهدد الادب الاصيل وينزل به الى مستوى الدعاية المحدودة الغرض المتصلة بالملابسات العارضة والظروف المتبدلة الزائلة .

الاثر الادبي فلذة يقتطعها الكاتب من نفسه وومضة من ومضات حدسه الوجودي وفيض من انسانيته الكاملة ، هو خلق تتمخض عنه اعماق النفس المرتجة وتجود به التجربة الذاتية الحية بعد معاناة ومحنة ، يكسوه الفن بجلاله ويصبغ عليه من سحره ، فاذا هو الخلود واذا الاجيال تعود اليه وتستمد منه وتتجدد به . ولم تزل البشرية تخطو الى الامام بفضل ما انتجه شعراؤها ومفكروها وفنانوها على وجه الدهر .

ومن يستقرىء التاريخ منذ مأساة سقراط يلاحظ انه لا يكاد يمر عصر او

قرن لا يتنكر فيه المجتمع لاحد عباقرته فيقاوم انتاجه باللامبالاة او بالضغط او حتى بالزجر ، فما يلبث ان يقبل الجيل الصاعد على ما نبذه الجيل السابق ويستحسن ويتذوق ما استهجنه ومجه الاولون . فكأن حجاب المعاصرة يحول دون سبر اغوار الاثر الادبي " الجديد " واستقصائه والتفطن الى ما قد ينطوي عليه من طرافة وما قد يمهد اليه من اسباب المستقبل ، او كأن كل جيل من الاجيال فطر على الكسل العقلي بحيث لا يستسيغ الجديد الذي قد يغير من النظرة المألوفة الى الحياة ويعوض القيم الموروثة ويققل الوجود العادي ، ويذهب بالطمأنينة واليقين . أليس في ذلك ما يدعو الى التواضع ازاء الخلق الادبي والى حد ادنى من الحياء نحو الكاتب الذي يستشرف مالا يخطر على بال معاصريه ، بفضل احساسه المرهف وبصيرته النافذة وقلبه الكبير ( ١ ) وتجربته العميقة ؟ قد يكون من الصلف او من ضيق النظر اذن ان نصدر حكمنا على هذا الاثر او ذاك بانه يخدم او لا يخدم هذه القضية او تلك ، بانه ينسجم مع هذه الفلسفة او تلك العقيدة ام هو لا ينسجم ومعنى ذلك ان الكاتب وان كان مسؤولا امام التاريخ فهو حر فى عملية الخلق والابداع ولا تحتمل حريته اي حد او قيد ، فهي كاملة مطلقة او لا تكون .

فادا رجعنا إلى قضية " بسترناك " عرفنا الى اي حد يستهدف موقف السلط السوفياتية ، وخاصة رجال الفكر هناك ، النقد ويتعرض الى القدح . فهذا كاتب شاعر عاش ما يقرب من سبعين سنة في بلاده يستوحي عبقريتها ويتعاطف مع طبيعتها ويتغنى بمجيد تراثها وزاهر مستقبلها ، عايش الثورة الكبرى وتفاعل بما حملته من مبادئ واشاعته من قيم ، يكتب قصة طويلة يودعها الى جانب سحر الفن وروعة العبارة حاصل تجربته وزبدة تأملاته وهو في خريف العمر ، كأنه يريد " ان يقول كلمته قبل ان يمشي " واذا بالمسؤولين عن الفكر والثقافة في بلاده يرفضون نشر هذه القصة ويحولون دون حكم المعاصرين والاجيال المقبلة عليها أو لها : يقولون ان القصة لا تخدم الماركسية الاشتراكية وانها لا تخلو من حكم قاس على الثورة ونتائجها . واذا سلمنا بان الكاتب كغيره من المواطنين في الدولة

الشيوعية شغال آلته العقل وان للدولة عليه ان يكون انتاجه صالحا مرضيا فمن ذا الذي يدعي انه يملك المعيار الصحيح الذي يمكنه به تبين الصالح من الطالح والجوهري من العرضي ؟ واذا ميزنا العمل الادبي عن العمل الفلاحي او الصناعي فما هي حجتنا في ما نصدره من احكام على ما لا يخضع للكم ولا يانس بالارقام ولا يبقى في حدود المكان والزمان ؟

وقد اكد ماركس نفسه في اكثر من موضع ان الادب غايته ذاته وانه لا يمكن تسخيره ودعا الى حرية الخلق الفني قائلا سنة ١٨٤٢ في Gasette Rhenanie مثلا : " الكاتب لا ينظر الى آثاره على انها واسطة ، فهي غاية في حد ذاتها ولذلك يضحي هذا الكاتب - اذا لزم - بحياته في سبيل حياتها " .

اما " لينين " أب الثورة الشيوعية ، فكان يتحدث عن " الادب الحزبي " ويرى من اللازم مراقبة الادباء في المجتمع ولكنه كان يميز واضح التمييز بين الرقابة المسلطة على العمال والمزارعين وبين رقابة الادباء . فقد قال في احدى خطبه : " مما لا يقبل المناقشة أن الادب لا يخضع - اكثر من اى شيء سواه - الى مساواة عددية آلية ، الى سلطان الاغلبية على الاقلية . ومما لا يقبل المناقشة انه يجب ترك المجال واسعا امام التلقائية الفردية ، امام الميول الشخصية ، امام الفكر والخبال ، امام الصيغة والمحتوى " . والدليل على ذلك ان لينين كان يعتبر الكاتب الروسي " غوركسى " اكبر كاتب للشعيلة " بالرغم عن انه انضم سنة ١٩٠٧ الى صفوف اعدائه واكر سنة ١٩١٧ على " البلشفيك " ان يمسكوا بزمام السلطة لكن " ستالين " هو الذي ضيق على الفكر بعد موت " لينين " وضغط على حرية الادباء فأسس جمعية رسمية لهم وضع على رأسها عيونا له . فما كاد يموت ويستنشق الادباء والمفكرون - ومنهم بوريس بسترناك - نفسا من الحرية حتى شعر " أسنبن " و " فاداييف " وهما من ابرز المكلفين بهذه الجمعية بفراغ مهول حولهما فما كان منهما الا ان انتحرا .

ومعنى ذلك ان تشديد المراقبة على اهل القلم ليس مبدأ حتميا من مبادىء الماركسية خصوصا وان " جدلها الباطني " ينتهي الى انها دوما حركة وتطور . فاذا صح ذلك فمن احق من الادباء ورجال الفكر باستشراف المستقبل وحدس اتجاه التاريخ وتحريك السواكن وبعث الهمم وقلقلة صروح التقليد والعادات في كل مكان ؟ ان استقراء التاريخ منذ فجر البشرية الى اليوم يفيدنا ان الفكر لم

يزل المعول الهدام للنظم البالية ، والعصب المحرك لحركة البشرية الدائبة ، والسوط المسلط على رؤوس الطغاة واعداء المستقبل ، والنور الهادي الى طريق السعادة اللامتناهية .

وليس هنا - طبعا - موضع تحليل القصة ومعرفة حظها من خدمة الشيوعية والانسانية ، فهذا بحث قائم بذاته ، واولى الناس به هم المفكرون الشيوعيون . ولكن الذي اردت التنبيه اليه هو ما يحسن ان نكون عليه من تواضع وموضوعية ازاء الاثر الادبي الاصيل مهما كان نوعه ومهما كان جنس كاتبه او لونه او عقيدته - ويكفي هذا الاثر قيمة وصلوحية انه يدعوني الى التفكير ويلح علي في السؤال وينبهني الى غامض النواحي ، وهبه لا يفيد ولا يحرك ساكنا أفليس من حق الكاتب علينا ان ندع مؤلفه الى التاريخ ليحكم له او عليه حكمه النهائي وان نجتنب إهانة الكاتب والضغط عليه ( ١ ) ، هذا الصفر ! . . كما يقول " كستلر " ، كما لو كنا على يقين من اننا نتكلم باسم " اللانهاية " ! ؟ .

ولو كان الامر لا يتعدى البلدان الشيوعية ولا يتجاوز حدود ما تعانيه منذ بعض سنوات من ازمة مذهبية لا نزال نشاهد آثارها في هذه الاستقالات التي يقدمها باطراد كبار المفكرين الشيوعيين من الاحزاب الشيوعية في اوروبا وفي ما يؤلفه بعضهم من كتب يوضحون فيها موقفهم المناهض لاتجاه الثورة الشيوعية ولاساليبها مع ثباتهم على الشيوعية كمذهب فلسفي وغاية ومن ابرزهم في فرنسا ( كلود روا وفركور ولي فيفر . . . . ) قلت لو كان الامر كذلك لما عالجنا الموضوع باكثر مما يستحق . ولكن الامر يتجاوز في الحقيقة هذا النطاق اذ قد تأثر كتاب كثيرون وادباء عديدون في الشرق العربي بهذا النحو من الالتزام الضيق فلم يميزوا بين الالتزام الطبيعي بخدمة البشرية ونشدان القيم وايجاد المحال ، هذا الالتزام الذي لا يكاد يشذ عنه كاتب اصيل منذ اقدم الحضارات الى اليوم ، وبين التسخير الكلي الذي يمسخ الاديب ويطمس فنه ويخمد جذوته .

هذا الالتباس لاحظت آثاره عندما تشرفت بالمشاركة في اعمال المؤتمر الثالث لادباء العرب الذي انعقد في السنة الفارطة بالقاهرة - فقد ارتفعت اصوات كثيرة تنادي الادباء بخدمة شعارات سياسية بعنوان القومية العربية وتطالبهم بتسخير اقلامهم لفائدة اغراض عاجلة تزول بزوال الملابسات التي اقتضتها . وذهب بعضهم إلى اتهام الاديب الذي لا يمتثل الى هذا " الواجب " بالخيانة ( ١ ) ! كأنه يكفي - مثلا - ان يتناول القصيد " بورسعيد " ليكون شعرا حقا وكأنه يجوز لنا اليوم أن نصدر حكمنا بالاعدام او ان نعتبر خائنا كل شاعر او كاتب ينحو منحى عمر الخيام في رباعياته او أبي العلاء في لزومياته او الجاحظ في بخلائه وحيوانه ! !

ان الاديب مسؤول ولا يكون اصيلا ولا تبقى آثاره على وجه الدهر الا اذا التزم خدمة الانسان . ولكن ليس لاحد ان يوجهه وجهة دون اخرى ويسخره لاجترار شعار دون اخر اوخدمة قضية دون اخرى . لا يمكن ان يكون الاديب موسيقى ينشط العملة عند سماعها اثناء عملهم ويضاعفون انتاجهم ، ولا يمكن ان يكون الادب موضوع مشروع السنوات الخمس او العشر . ان الاديب كالرسام والنحات والموسيقار ملتزم ولكن لا يمكن ان يعرف احد الطريق الواجب سلوكه ، في هذا الميدان ليست العصمة لاحد لان حق الابتكار والتجديد للجميع . ان منزلة الكاتب شاقة حقا لانه قدر عليه - أو له ! ان يتمرد على الموجود ويصدم الواقع ويثير المعاصرين ويكشف ويخلق ويبدع ولكنها منزلة مشرقة مقدسة اذ لا يمكنه ان يكون تابعا او منفذا . ان الكاتب لا يحتاج في حقيقة الامر الى الحرية لانه هو باعث الحرية ورائدها انه في جوهره حرية وتحرير .

اشترك في نشرتنا البريدية