الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 285الرجوع إلى "الثقافة"

منزلة الوالدين (1)

Share

تبلغ منزلة الوالدين في أعين طفلهما حد التقديس  فهما في نظره كل شئ ، وهما المعبد القدسي والقوة المنيعة ، ومرجع كل صغيرة وكبيرة ؛ وهما يكونان له وحيا وإلهاما وعزاء ، وقوة تزيد في سروره وتنقص من الامه ، فتجده  بين رفقائه فخورا بهما ، يتيه إعجابا لما لهما من " سعة الإطلاع ، ووافر المعرفة ، وغزير العلم "

فإذا ما شب وترعرع  فنمت سواعده الفتية ، وتفتحت قواه العقلية والعاطفية الملتهبة ، وانتقل من مرحلة تدريس إلي أخري أعلى وأرفع ، عندئد يقل مستوي التقديس رويدا رويدا ، وتبدأ فى نفسه غريزة طبيعية هي مزيج من الغرور والأعتداد بالنفس . فتجده يقول : " لا ريب أن والدي قد خبرا الحياة وعرفا كثيرا من حلوها ومرها ، ولكن هناك بعض أشياء ما زالا يجهلانها . . لقد كنت مخطئا في وصفهما بالكمال . .

ثم ينمو الفتي ، ويضحي شابا طموحا متوثبا ، يتسع أمامه أفق الحياة بعد أن كان محدودا مركزا ، وتظهر أمامه العلوم والفنون متشعبة متفرعة ، والآراء فيها مختلفة متباينة ؟ هنا ، يصطدم جيله بجيل والديه ، وتفكيره بتفكيرهما ، ومستقبله بماضيهما . هو نشيط طموح ، وهما رزينان وقوران ؛ هو مندفع بتمنياته وأخيلته ، وهما ثابتان بتجاربهما ؛ هو يتطلع إلي المستقبل بمنظار اماله ، وهما يستعبران بمحن الماضي فتجده يهمس بينه وبين نفسه : " إن والدي لا يدركان مطامع الشباب ومآربه ، إن أفكارهما ونصائحهما قديمة بالية ، إن أفادت جيلا مضي فهيهات ان يسترشد بها شباب جيل

يتمتع بدرجة محترمة من التعليم والثقافة والمدنية .

ثم تمر الأيام ، ويصبح الشاب رجلا حنكته الأيام وعصرته التجارب ، فنضج عقله ، وابتدأ يزن الامور على حقيقتها ، واستوي فهمه فوثق من نفسه ، واضحي تفكيره مرتبا منطقيا ، فى هذه السن ينظر الرجل إلى والديه من جديد نظرة احترام وإجلال ، يعلى من شأنهما ، ويقدر نفسيتهما فإذا ما سألته عن رأيه فيهما لاجابك : " إن الإنسان  لا يستطيع أن يعطي والديه حقهما عليه . إن تفكيرهما لسليم ، غالبا ما يصيب . وكأن العناية الإلهية قد خصتهما بجزء كبير من عنايتها . . "

وأخيرا ماذا عسي أن يكون رأي شيخ في والديه إذا كان الله قد أطال في عمرهما . أو ماذا عساه أن يقول في ترحمه عليهما إذا كانا قد سبقاه إلي القبر .  إنه يصفهما بالحكمة دائما ، فكلامهما درر ، وأقوالهما عبر . أمد الله في حياتهما أو رحمهما رحمة واسعة !

اشترك في نشرتنا البريدية