الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 689الرجوع إلى "الثقافة"

منزل جيته

Share

حينما زرت مدينة فرانكفورت ( على الماين)  فى صيف سنة ١٩٥٠ ، كان قد مضى عام على الاحتفال بالذ كرى المائتين لمولد جيته شاعر ألمانيا الأكبر . وكان لمدينة فرانكفورت وهي مسقط رأس الشاعر دور خاص تؤديه في هذه الذكرى ، ذلك أنها لبثت مدى قرنين تحتفظ بالمنزل التاريخى الذى ولد فيه الشاعر وتعتز به . وكان مدى هذه الأحقاب كعبة يحج إليه زوارها من سائر الآفاق . ولكنها نكبت خلال الحرب الأخيرة بفقد هذا الآثر النفيس الخالد ، إذ دمر فيما دمر من صروح المدينة وأحيائها بفعل الغارات الجوية في شهر مارس سنة ١٩٤٤ . وبذلك حرمت فرانكفورت وحرمت ألمانيا من أثر كان من أعظم الآثار القومية التي تزهو بها .

ولكن مدينة فرانكفورت لم تصبر طويلا على هذه الكارثة ؛ وما كادت تنتهى الحرب حتى نهضت سلطات المدينة تعمل على إحياء أثرها المفقود بكل ما وسعت ، ولكن الأثر لم يكن سوى ركام وأنقاض دارسة . وحينما قصدت إلى » منزل « جيته أثناء زيارتى لفرانكفورت في اغسطس

سنة ١٩٥٠ لم أر سوى الركام والأنقاض وقد غمرها التراب ، وكان عزاء ضئيلا ، أن استطاعت هذه السلطات أن تستخرج من بين الركام والتراب بعض الصور والكتب وقطع الأثاث ، وأن تنظمها في معرض متواضع ، أقامته في بناء صغير نصف منهدم بجوار النزل المنهار وأقامت إلى جانبه في البناء الذي يليه » مكتبة جيته « وهي تضم ستين ألف مجلد ، وبها طبعات أثرية جميلة لمؤلفات جيته وكل ما كتب عنه بمختلف اللغات .

ولم تقف همة مدينة فرنكفورت عند هذا الحد المتواضع من إحياء ما تبقى من آثار جيته ، ولكنها اعتزمت وقررت أن تعيد بناء » منزل جيته « بصورة كاملة مطابقة ، ولم يكن ذلك عسيرا على السلطات الأثرية المختصة ، إذ كانت تحتفظ بصور وتصميمات كاملة للمنزل التاريخى المندثر ، وكل ما كان يضمه من صور وأثاث ورياض . وانتهزت هذه السلطات حلول الذكري المائتين لمولد الشاعر الاكبر ، واستطاعت أن تجمع خلاله كثيرا من التبرعات ، التى تستعين بها على تنفيذ مشروعها الجليل ؛ وطبعت كميات وفيرة من

صور الشاعر ، وبعث معاونة لهذا الغرض . وبين يدي واحدة منها بها صورة الشاعر في سنة ١٧٩١ ، حينما كان في الثامنة والأربعين من عمره وتحتها توقيعه . وقد كتب في ظهرها ما يأتى : » التبرعات الشعبية الألمانية ، لأجل مسقط رأس جيته . فرانكفورت - آم مابن . تذكرة احتفال لذكرى ٢٨ أغسطس سنة ١٩٤٩ لإعادة بناء مبني هرشن جرابن « » وهرشن جرابن « Hischen Orapen هو الشارع الذي يقع فيه » منزل جيته « وهو واقع بالقرب من ميدان » روس « احد ميادين المدينة الهامة . وقد كان من أشد بواعث دهشتى أننى حينما زرت فرانكفورت في صيف العام التالى ( سنة ١٩٥١ ) أن أسمع أن » منزل جيته « قد تم بناؤه ، وانه أصبح مقصد الزوار من كل صوب ، فهرولت إلى شارع » هرش جرابن « وفي الحال ألقيت نفسى أمام منزل جديد من طراز القرن الثامن عشر ، ذى طبقات ثلاث هو »منزل جيته « .

فوقفت مدى لحظة ذاهلا أمام هذا المنظر الفخم ، أجل هذا هو " منزل جيته " بطرازه وأوضاعه القديمة ، أعيد بناؤه ببراعة نادرة ، واستعين في إعادته بسائر أنقاضه التى أمكن إنقاذها ، فجاء صورة طبق الأصل للمنزل التاريخى القديم . ولم يقف الأمر عند هذا الحد ؟ فقد جهزت طبقات المنزل الجديد الثلاث ، غرفها وأبهاؤها ، بسائر ما كانت مجهزة به من قبل من صور واثاث ورياش وتحف ، ذلك أن براعة الأثريين استطاعت أن تستخرج من بين الأنقاض والركام كثيرا من الصور والأوراق وقطع الأثاث والرياش ، وأن تصلحها وتعيدها إلى مثل ما كانت عليه من قبل . أما قطع الأثاث التي هلكت فقد صنع بديلها على مثل طرازها القديم ، وكان بين ما أنقذ وأعيد إصلاحه آنية بديعة من القيشانى المرمرى وكثير من الآلات الموسيقية ، والوثائق والكتب والصور التاريخية ، التي كان يزدان بها منزل الشاعر أيام حياته . ورأينا خلال طوافنا بالمنزل مع دليلنا الخير المتمكن من تاريخ جيته وأحوال عصره ، الغرفة التي ولد بها الشاعر ، بأثاثها ونظامها القديم ، ثم غرفة الموسيقى ، التى تضم طائفة من الآلات الموسيقية ، التى كانت معروفة في القرن الثامن عشر ، ومنها ما اعتاد أن يعزف عليه الشاعر في أوقات فراغه ؛ ثم غرفة المكتبة ، وقد حشد فيها مئات الكتب

والطبعات الأثرية لمؤلفات جيته ، ومؤلفات معاصرية ؛ ولهذه المكتبة نافذة صغيرة في زاويتها اليمنى تطل على » هرشن جرابن « ، وقد كان لها شأن في حداثة جيته وأيام فتوته ، ذلك أن أباء المستشار يوهان كاسبر كان يلزم مكتبته ساعات طويلة ، وكان يرقب مقدم ولده الفتى من هذه النافذة مساء كلما تأخر خارج المنزل ، وكانت أمه تشفق عليه من تأنيب والده ، فتعمل على إدخاله إلى المنزل خفية .

وتزدان غرف المنزل الأثرى بطائفة كبيرة من الصور التاريخية التي تمثل مناظر من حداثة جيته وحياته العائلية مع والديه وأقاربه وأصدقاء أسرته ، كما تمثل كثيرا من مناظر مؤلفاته ؛ ومنها ما انقذ من الركام وأصلح ببراعة ، ومنها ما صور وفقا للأصول الضائعة . ونحن نعرف أن حياة جيته في مدينة فرانكفورت مسقط رأسه كانت قصيرة الأمد ؛ فقد غادرها منذ حداثته إلى لاييزج ( سنة ١٧٦٥ ) للدرس ، ثم عاد بعد بضعة أعوام إلى فرانكفورت ( سنة ١٧٧١ ) ، وأنفق وقتا قصيرا في التمرن على الأعمال القانونية في مدينة فنزلر التى سبق أن مارس فيها أبوه مهنته ، وهنالك في فنزلر تعرف بشارلوته يوفه ، وهي ابنة موظف صغير ، وكانت قصة غرامية من أعنف ما وقع للشاعر ، خلال أحداث حياته الغرامية العديدة ، وهي القصة التى خلدها في كتابه " أحزان الفتي فرتر " ويوجد في منزل جيته اكثر من صورة تمثل » لوته « ، ( شارلوته ) يشير إليها الدليل في حماسة وتأثر . واستمرت حياة الشاعر في مدينة فرانكفورت حتى سنة ١٧٧٥ ، ثم غادرها إلى فيمار إجابة لدعوة اميرها الدوق ، ومن ذلك الحين تصبح فيمار مقامه المستقر معظم حياته الطويلة الحافلة .

والخلاصة أن مدينة فرانكفورت استطاعت أن تحقق معجزة اثرية بإحياء تحفتها الخالدة - منزل جيته - وإقامته من جديد على نمطه وأوضاعه الأصلية ، لا تكاد تشعر وأنت تجوس خلاله ، بأن وراء هذا العمل الفني العظيم مأساة من مآسى التدمير التي شوهت معظم المدن الألمانية الكبرى لولا جدة ألوانه ورواء مناظره .

لقد أصبحت مدينة فرانكفورت تزهو من جديد بمنزل شاعرها الأكبر ، وأصبح منزل جيته من جديد كعبة الرواد من كل فج .

اشترك في نشرتنا البريدية