قال لى صاحبى وقد طوى صفحات تقرير رسمى عن إصلاح بعض الشئون العامة بعد أن فرغ من قراءته : (( إنها لآراء حسنة ومقترحات نافعة ، ولكنى أراها أدخل . فى باب الآمال البعيدة المنال منها فى باب المشروعات الممكنة التحقيق )) .
قلت : أو تشك فى إمكان تحقيق تلك البرامج ؟ وهل الأمر إلا أن نؤمن بالفكرة ، ونرسم الخطط الدقيقة لإخراجها إلى حيز العمل ، ثم نقوم على تنفيذها بهمة صادقة ؟
قال : (( ما أحسب الأمر بهذا اليسر ! وهل تظن كل ما ينقصنا للإصلاح العام هو رسم الخطط الدقيقة وصدق الرغبة فى تنفيذها ؟ وأنى لنا بالمال اللازم لهذه
المشروعات ونحن شعب فقير محدود الموارد ، والمشروعات المقترحة مشروعات شاملة واسعة النطاق لا يستطاع إتمامها الا بالمال الكثير ؟ ولأكن أكثر تحديدا فأحدثك بلغة الأرقام ، فلعلها أبلغ إقناعا لك وأفضل إيضاحا لما أريد : سأكتفى بناحيتين اثنتين من نواحى الإصلاح وهما الصحة والتعليم . فكم يقتضى تعميم التعليم بين طبقات الشعب جميعا وتيسير الوسائل لجميع أبناء الأمة للتزود بقدر كاف من الثقافة العامة يجعلهم أكثر بصرا بمقتضيات الحياة الحديثة ، وأصح انتفاعا بخبرات البيئة التى يعيشون فيها ؟
يقدرون عدد من هم فى سن التعليم فى مصر بنحو ثلاثة ملايين ، فماذا ينبغى أن يتفق على تعليم هؤلاء كل عام تعليما مثمرا ينفعهم فى معاشهم وخدمة بلادهم ؟ لا أقول
يصرف عليهم ما يصرف على أمثالهم فى غير مصر من البلاد المتمدنة ، ولا أقول يصرف على الفرد منهم بمثل ما نصرفه الآن على الطالب بمدارسنا الابتدائية أو الثانوية ؛ ولكنى ابتغاء التيسير سأهبط بمتوسط ما ينفق عليه فى العام إلى ما يقرب من نصف ذلك ، وأقدره بمبلغ خمسة عشر جنيها فى العام . وظاهر أن جملة ما تحتاج الدولة لإنفاقه كل عام على التعليم ستكون على هذا الأساس نحو خمسة وأربعين مليونا من الجنيهات ، وهو مبلغ يقرب من ثلاثة أرباع إيرادات الدولة فى هذه الأيام التى بلغت فيها إيرادتها مبلغا لا ينتظر بقاؤه بعد انتهاء الحرب .
أضف إلى ما تقدم أن تحقيق هذا البرنامج يقتضى مصروفات أساسية غير ما ينفق كل عام ، وهى ما يلزم لبناء المدارس وتأثيثها واستيفاء معداتها ؛ وهذه نفقات كبيرة تقدر بعشرات الملايين من الجنيهات ، على أن هناك صعوبة عملية أخرى تعترض تحقيق هذا المشروع غير صعوبة تدبير المال ، وهى مشكلة تدبير الرجال الكافين لتحقيقه ؛ فهذه الملايين الثلاثة من طلاب العلم بحاجة إلى جيش كبير من المعلمين لا يقل عدده عن مائة ألف وخمسين ألفا ؛ وليس لدينا الآن من هذا العدد إلا نسبة صغيرة لا تبلغ ربعه ، فكيف نسد هذا النقص ونهيئ هؤلاء الرجال ، وكم من السنوات يتطلبها ذلك ؟
ولأدع التعليم وأنتقل بك إلى الصحة فالبرنامج المعد من شأنه أن ينشئ فى كل جهات القطر وحدات صحية تتولى رعاية الشئون الصحية العامة فى دائرة محدودة ، فلنفرض أننا أنشأنا لكل بضعة آلاف من السكان وحدة من تلك الوحدات، وأننا على هذا الأساس أنشأنا فى البلاد كلها نحو ٤٠٠٠ وحدة ، وأننا زودنا كل وحدة بالعدد الكافى من الأطباء والطبيبات والممرضين والممرضات ، فكم ننفق على هذه الوحدات كل عام لكى تكون أداة فعالة
فى تحسين الصحة العامة لمن تتولاهم ؟ لا أظن ذلك يكلف الدولة أقل من اثنى عشر مليونا من الجنيهات كل عام ، عدا ما ينفق على المستشفيات الثابتة ومقاومة الأمراض الوافدة ، يضاف إلى هذا نفقات تأسيس هذه الوحدات من حيث إعداد مبانيها وتأثيثها وتجهيزها بالمعدات والأدوات ، وهى نفقات تقدر بملابين الجنيهات .
ويتصل بهذا الإصلاح الصحى توفير مياه الشرب الصالحة للسلطان فى جميع أنحاء القطر ، وردم البرك والمستنقعات ، وكل ذلك يقتضى طائل النفقات .
فأنت ترى أن مشروعات التعليم والصحة وحدهما يستغرقان كل ميزانية الدولة ، فكيف إذا ضمت إليهما مشروعات الإصلاح فى سائر الشئون العامة ؟! أولست ترى معى بعد هذا أنها من الوجهة العملية بعيدة التحقيق ؟ ))
قلت : إنى مقدر تمام التقدير قوة حجتك التى تستند إلى الأرقام ، ولكنى أرجو أن تأذن لى باقتباس أسلوبك الحسابى هذا لأعيد عرض المشكلة على صورة جديدة .
تعال معى ننظر ما هى النتائج التى تعود على الشعب من تحسين حالته الصحية وتعميم التعليم بين أفراده ، وما تقويم هذه النتائج بلغة المال ، فإن رجحت كفة ما تقيده الأمة من الإصلاح على ما تنفقه عليه ، وجب المضى فيه بلا تريث ، وتدبير المال الذى يتطلبه بكل الوسائل مهما احتملنا بسبب ذلك من أعباء ! وإن كانت الأخرى قتعنا من الأمر بالتطور البطئ ، ورضينا بخطة التدرج والحذر والسير بقدر ، حتى يأذن الله .
كم نخسر كل عام من المال لسبب سوء الحالة الصحية ؟ ليس بين أيدينا من الإحصاءات ما يعيننا على تحديد ذلك تحديدا دقيقا . ولكن هل نحن بحاجة لمن يقنعنا بالحقيقة الملموسة التى نراها جميعا رأى العين ، وهى أن جمهور الشعب المصرى من فلاحين وعمال ضعاف البنية ، وأن الأمراض
المتوطنة وسوء التغذية وتلوث مياه الشرب وقلة وسائل الوقاية والعلاج تفتك بهم فتودى بكثير من الأرواح وتضعف نشاط سائرهم ؟ وهل نكون مغالين إذا قلنا إن الفرد العادى فى مصر ينتج نصف ما كان ينبغى أن ينتجه بسبب ضعف حيويته وسوء صحته ؟ إنى أحس ما ينقص هذا التقدير من الدقة العلمية .
وأعلم أن الوصول إلى نتائج صحيحة يتطلب بيانات وإحصاءات شاملة ، لكنى مطمئن إلى أن تقديرى هذا يميل إلى زيادة القدرة الإنتاجية للفرد فى مصر لا إلى بخس هذه المقدرة ، وأن الخسارة الحقيقية التى تصيب مصر بسبب سوء الصحة أكثر مما يدنى على هذا التقدير .
على أنى زيادة فى الاحتياط أقدر أن ما ينتجه الفرد الآن فى المتوسط يبلغ ثلثى ما كان ينبغى له إنتاجه ، وأن هذا الثلث نتيجة سوء الصحة وضعف الحيوية ، فإذا قدرنا من هم فى سن العمل من الرجال وحدهم بخمسة ملايين نسمة ، وقدرنا متوسط قيمة إنتاج الفرد الواحد فى اليوم بخمسة قروش فقط ، وأنه كان من الممكن أن هذه القيمة تصير سبعة قروش ونصف قرش لو أنه كان أصح بدنا ، أمكننا بغير كبير عناء أن ندرك أن سوء الحالة الصحية يضيع على البلاد سنويا ما يقوم بخمسة وأربعون مليونا من الجنيهات !!
وكذلك الحال فى التعليم ، بل لعل خسارتنا بسبب الجهل أبلغ أثرا وأبعد مدى ، فضرره لا يقف عند حد ، بل يمتد إلى كل الشئون ، والخسارة بسبب الجهل مزدوجة . فالجهل يضعف قيمة الإنتاج ويزيد سوء التصرف فى الإنفاق .
والتعليم المنشود هو التعليم الذى يعد للحياة العملية ، ويفتح العيون لترى التقدم العلمى الكبير الذى بلغته الحياة الحديثة فى الصناعة وغيرها من الشئون ، وتقتبسه فى
حياتها اليومية . وإنى أدع لك تقدير النسبة بين إنتاج شاب مستنير ، منظم التفكير ، حسن الإدراك للظروف والأحوال التى تحيط به ، يقظ الاستعداد للاستفادة من كل ما يقع عليه حسه ؛ وبين إدراك عامل مغلق الذهن ، ضعيف الإدراك للحقائق ، ضعيف الانتفاع بما يجد حوله من الأمور ؛ وهل ترانا لا نكون قد بخسنا المتعلم حقه إذا قومنا إنتاجه بضعف إنتاج العامل الجاهل ؟!
وإذا كان أقل ما تقوم به إنتاج العاملين الآن فى مصر بتسعين مليونا من الجنيهات ، أفلا أكون محقا إذا قلت أن إصلاح التعليم وتعميمه خليقان أن يربحا البلاد ربحا جديدا كل عام يقدر بنحو تسعين مليونا من الجنيهات .
والآن أيها الصديق ! ألا ترى أن منطق الأرقام قد أنصفنى منك ؟ وأن الإصلاح المقترح ليس ضربا من أحلام الخيال ، ولكنه حقيقة توجب الضرورة العملية والمصلحية الاقتصادية تنفيذها ؟

